الْعَبْقَرِيُّ السَّمَاوِيُّ الَّذِي رَكَعَتْ لَهُ الْجَبَابِرَةُ: مَلْحَمَةُ النُّورِ وَالْعَدْلِ فِي وَجْهِ الظَّلَامِ. مِنْ طِفْلٍ مَنْبُوذٍ إِلَى سَيِّدِ الْأَكْوَانِ: كَيْفَ أَعَادَ "تْشِين يَان" صِيَاغَةَ الْقَدَرِ بِقُوَّةِ الرَّحْمَةِ؟ صِرَاعُ الْآلِهَةِ عَلَى أَرْضِ الْبَشَرِ: حِينَمَا يَتَحَدَّى طِفْلٌ صَغِيرٌ مَلِكَ الْفَوْضَى وَسُلْطَانَ السَّمَاوَاتِ. سِرُّ جَوْهَرَةِ السَّمَاءِ الْمَفْقُودَةِ: رِحْلَةُ "تْشِين يَان" عَبْرَ الزَّمَانِ لِإِنْقَاذِ الْبَشَرِيَّةِ مِنَ الْفَنَاءِ. حِينَمَا تَرْكَعُ الْعَائِلَةُ لِلْحَقِّ: مَلْحَمَةُ الْغُلامِ السَّمَاوِيِّ الَّذِي قَلَبَ مَوَازِينَ الْقُوَّةِ وَالثَّرَاءِ. وَرِيثُ النُّورِ وَمَعْرَكَةُ الْأَزْمِنَةِ: هَلْ يَصْمُدُ الْإِيمَانُ أَمَامَ جُيُوشِ الظِّلِّ وَآلَاتِ الْمُسْتَقْبَلِ؟ الْإِمْبَرَاطُورِيَّةُ الرُّوحِيَّةُ الْخَالِدَةُ: كَيْفَ حَوَّلَ "تْشِين يَان" دُمُوعَ الْمَظْلُومِينَ إِلَى بَرَكَاتٍ وَنُورٍ؟ مُعْجِزَةُ الْعَمَّةِ وَالطِّفْلِ الْإِلَهِيِّ: قِصَّةُ الْوَفَاءِ الَّتِي غَيَّرَتْ وَجْهَ الْعَالَمِ وَهَزَمَتِ الْمُسْتَحِيلَ. خَاتِمَةُ الْأَسَاطِيرِ وَالِاتِّحَادُ الْأَبَدِيُّ: السِّرُّ الْأَعْظَمُ الَّذِي تَرَكَهُ خَالِقُ النُّورِ فِي قُلُوبِ الْبَشَرِ. طِفْلٌ يَهْزِمُ نَمِرَ الْغَابَةِ وَجَبَابِرَةَ الْإِنْسِ: حِكايَةُ "تْشِين يَان" الَّتِي لَمْ تُرْوَ مِنْ قَبْلُ. تَحْكِي هَذِهِ الْمَلْحَمَةُ عَنْ "تْشِين يَان"، الْكِيَانِ السَّمَاوِيِّ الَّذِي تَجَسَّدَ فِي صُورَةِ طِفْلٍ صَغِيرٍ لِيُصَحِّحَ مَسَارَ الْبَشَرِيَّةِ. تَبْدَأُ الرِّحْلَةُ مِنْ دَاخِلِ عَائِلَةٍ ثَرِيَّةٍ طَاغِيَةٍ، لِتَمْتَدَّ عَبْرَ عُصُورٍ مِنَ الصِّرَاعِ ضِدَّ السَّحَرَةِ، وَالْآلِهَةِ الْمُتَمَرِّدَةِ، وَحَتَّى آلَاتِ الْمُسْتَقْبَلِ الْمُظْلِمِ. هِيَ رِحْلَةٌ لِلْبَحْثِ عَنِ الْجَوْهَرَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي تَسْكُنُ فِي رَحْمَةِ الْقُلُوبِ، تَنْتَهِي بِاتِّحَادٍ كَوْنِيٍّ يُعِيدُ لِلْأَرْضِ طُهْرَهَا وَسَلَامَهَا الضَّائِعَ. #العبقري_السماوي #تشين_يان #قصص_خيالية #ملحمة_النور #روايات_درامية #قوة_الرحمة #صراع_الآلهة #حكايات_أساطير #جوهرة_السماء #نور_العدل #قصص_يوتيوب #رواية_مكتملة #أساطير_قديمة #رحلة_الزمان #بطل_خارق #دراما_عائلية #سيد_النور #عالم_الخيال #حكم_ومواعظ #الخير_ينتصر #ملحمة_كونية #وريث_النور #صاحب_الجلالة #أدب_عربي #قصص_مؤثرة #قصة_اليوم #خيال_علمي #نهاية_سعيدة #تاريخ_مجهول #معجزات #طريق_الحق #إمبراطورية_الروح #أسرار_الكون #قلب_الأسد #صوت_الحقيقة #سحر_الكلمات #روايات_مشوقة #كنوز_السماء #قصة_قصيرة #أبطال_الخيال #تحدي_المستحيل #عالم_الروح #حكمة_الدهور #شمس_الحقيقة #نور_القلب #فجر_جديد #قصص_مسموعة #حكاية_خرافية #عدل_السماء #النور_الأبدي تدور القصة حول تْشين يان، العبقري السماوي الذي يُجرد من قواه ويُسقط إلى عالم البشر. يعاني من
الازدراء في عائلة تْشين الثرية، لكنه يكتشف قواه الخفية ويبدأ في تغيير مصيره. بمساعدة عمته، يبني إمبراطورية تجارية ويواجه تحديات من عائلته والسحرة. بعد معارك ملحمية، يستعيد جوهره السماوي ويعود ليكون حكيم المدينة، مما يفتح فصلاً جديداً في حياته. #قصة #خيال #قوة #تحدي #حكمة
فِي أَعَالِي السَّمَاءِ الصَّافِيَةِ، حَيْثُ تَتَجَلَّى عَظَمَةُ الْقُدْرَةِ، كَانَ الْعَبْقَرِيُّ السَّمَاوِيُّ يَنْظُرُ إِلَى الْأَرْضِ بِعَيْنِ الْحِكْمَةِ. لَمْ يَكُنْ كِيَانًا عادِيًّا، بَلْ سُلْطَانًا رُوحَانِيًّا تَهَابُهُ الْكَائِنَاتُ كُلُّهَا.
حِينَ حَلَّ بِعَائِلَةِ "تْشِين" الثَّرِيَّةِ، لَمْ يَحْتَجْ لِأَكْثَرَ مِنْ نَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ خَاطِفَةٍ. رَكَعَ الْجَمِيعُ أَمَامَ هَيْبَتِهِ الطَّاغِيَةِ، وَنَادَوْهُ بِخُضُوعٍ تَامٍّ: "يَا جَدَّنَا الْأَعْلَى".
كَانَ الِازْدِرَاءُ لِلسَّمَاءِ خَطِيئَةً لَا تُغْتَفَرُ فِي عُرْفِهِ. لَكِنَّ الْقَدَرَ كَانَ يَخْبِئُ لَهُ تَجْرِبَةً قَاسِيَةً، حَيْثُ صَدَرَ الْأَمْرُ بِتَجْرِيدِهِ مِنْ قُوَاهُ السِّحْرِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ.
"يَجِبُ أَنْ تَنْزِلَ إِلَى عَالَمِ الْبَشَرِ لِلتَّجْرِبَةِ"، هَكَذَا نَطَقَ الْحُكْمُ السَّمَاوِيُّ. لِيُصْبِحَ ذَلِكَ الْكِيَانُ الْعَظِيمُ طِفْلًا صَغِيرًا يُدْعَى "تْشِين يَان"، بِلَا حِمَايَةٍ أَوْ قُوَّةٍ.
فِي مَنْزِلِ الْعَائِلَةِ الْكَبِيرِ، كَانَ الْجَفَاءُ هُوَ الْقَانُونَ السَّائِدَ. وَجَدَ الصَّغِيرُ نَفْسَهُ مَنْبُوذًا، يُعَامَلُ كَـ "نَجْمِ كَارِثَةٍ" يَجْلِبُ النَّحْسَ لِكُلِّ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْهُ.
عَانَى "تْشِين يَان" مِنْ ظُلْمِ وَالِدَيْهِ الَّذَيْنِ فَضَّلَا أَخَاهُ "زِيَايُو" عَلَيْهِ. حُرِمَ مِنَ الطَّعَامِ لِأَيَّامٍ، وَأُجْبِرَ عَلَى تَنَاوُلِ بَقَايَا طَعَامِ الْكِلَابِ بِذُلٍّ.
"أُمِّي، هَذَا الشَّيْطَانُ يُضَايِقُنِي كُلَّ يَوْمٍ"، هَكَذَا كَانَ يَفْتَرِي عَلَيْهِ أَخُوهُ. بَيْنَمَا كَانَتِ الْأُمُّ تَنْهَرُهُ بِقَسْوَةٍ قَائِلَةً: "كَانَ يَجِبُ أَنْ تَمُوتَ عِنْدَ الْوِلَادَةِ".
رَغْمَ ضَعْفِ جَسَدِهِ، بَقِيَتْ رُوحُ الْعَبْقَرِيِّ السَّمَاوِيِّ تَنْبِضُ بداخلِهِ. كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الذُّلَّ مُؤَقَّتٌ، وَأَنَّ الِاخْتِبَارَ الْبَشَرِيَّ يَقْتَضِي الصَّبْرَ وَالْجَلَدَ.
عِنْدَمَا زَادَ التَّنَمُّرُ، نَظَرَ "تْشِين يَان" لِلسَّمَاءِ وَقَالَ بَصَوْتٍ خَفِيٍّ: "احْذَرُوا". لَوْ فُكَّ خَتْمِي، لَحَطَّمْتُ هَذِهِ الْأَرْضَ بِمَا رَحُبَتْ، وَلَأَعَدْتُ تَرْتِيبَ الْكَونِ.
الْجَدُّ "تْشِين غُوشَان" كَانَ الْوَحِيدَ الَّذِي لَمَحَ فِي عَيْنَيِ الصَّغِيرِ بَرِيقًا غَرِيبًا. لَكِنَّ ضُغُوطَ الْعَائِلَةِ كَانَتْ تُطَالِبُ بِطَرْدِ "النَّحْسِ" إِلَى مَعْبَدٍ بَعِيدٍ.
"إِذَا لَمْ يُرْسَلِ الْآنَ، سَنَمُوتُ جَمِيعًا بِسَبَبِهِ"، صَرَخَ الْأَبُ بِغَضَبٍ. كَانَ الْجَهْلُ يُعْمِي بَصَائِرَهُمْ عَنْ رُؤْيَةِ الْحَقِيقَةِ الْكَامِنَةِ فِي جَسَدِ الطِّفْلِ.
وَقَفَ "تْشِين يَان" بِثَبَاتٍ لَمْ يَعْتَدْهُ أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ، وَقَالَ بِقُوَّةٍ : "إِذَا كَانَ وُجُودِي يُزْعِجُكُمْ، فَسَأَرْحَلُ، لَكِنَّنِي سَأَخْتَارُ أُمِّي بِنَفْسِي".
اِخْتَارَ عَمَّتَهُ "تْشِين شِيَانغ"، الْمَرْأَةَ الضَّعِيفَةَ الْمَنْبُوذَةَ مِثْلَهُ تَمَامًا. رَأَى فِيهَا صُورَةَ أُمِّهِ السَّمَاوِيَّةِ، فَقَرَّرَ أَنْ يَحْمِيَهَا بِكُلِّ مَا أُوتِيَ.
"لِمَاذَا اخْتَرْتِنِي؟ أَنَا لَا أَمْلِكُ شَيْئًا"، سَأَلَتْهُ بِمَرَارَةٍ وَدُمُوعٍ. فَأَجَابَهَا بِيَقِينِ الْآلِهَةِ: "اخْتَرْتُكِ لِأَنَّنِي أُرِيدُ ذَلِكَ، وَسَأَعْتَنِي بِكِ جَيِّدًا".
سَخِرَتِ الْعَائِلَةُ مِنْ هَذَا التَّحَالُفِ بَيْنَ "النَّحْسِ" وَ"الْفَقِيرَةِ". وَتَوَعَّدُوهُمْ بِأَيَّامٍ سَوْدَاءَ لَا يَرَوْنَ فِيهَا سِوَى الْبُؤْسِ وَالْحِرْمَانِ الْمُطْلَقِ.
لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْخَتْمَ السَّمَاوِيَّ بَدَأَ يَتَرَاحَى قَلِيلًا مَعَ كُلِّ فِعْلِ بِرٍّ. وَأَنَّ هَذَا الطِّفْلَ سَيُعِيدُ صِيَاغَةَ تَارِيخِ عَمَّتِهِ وَعَائِلَتِهِ بِيَدِهِ الصَّغِيرَةِ.
بَدَأَتِ الرِّحْلَةُ فِي كُوخٍ بَسِيطٍ، بَعِيدًا عَنْ رَفَاهِيَةِ الْقَصْرِ الزَّائِفَةِ. هُنَاكَ بَدَأَ "تْشِين يَان" يُعَلِّمُ عَمَّتَهُ كَيْفَ تَكُونُ سَيِّدَةً حَقِيقِيَّةً لَا تَنْحَنِي.
كَانَ السِّحْرُ يَتَسَلَّلُ فِي الْخَفَاءِ لِيُصْلِحَ مَا أَفْسَدَهُ الدَّهْرُ فِي حَيَاتِهَا. وَمَعَ كُلِّ إِشْرَاقَةِ شَمْسٍ، كَانَتْ هَيْبَةُ الْعَبْقَرِيِّ السَّمَاوِيِّ تَزْدَادُ وُضُوحًا.
"سَأَسْتَعِيدُ كُلَّ مَا فَقَدْتِهِ"، وَعَدَهَا بِصَوْتٍ رَخِيمٍ يُشْبِهُ هَدِيلَ الْحَمَامِ. وَكَانَتِ الْعَائِلَةُ تَنْظُرُ مِنْ بَعِيدٍ، غَافِلَةً عَنِ الْبُرْكَانِ الَّذِي سَيَنْفَجِرُ.
فِي هَذَا الْجُزْءِ، وُضِعَتْ بَذْرَةُ الِانْتِقَامِ وَالصُّعُودِ لِلْقِمَّةِ الْعَالِيَةِ. وَمَا زَالَتِ السَّمَاءُ تَرْقُبُ بَطَلَهَا وَهُوَ يَخُوضُ مَعْرَكَةَ الْكَرَامَةِ فِي عَالَمِ الْبَشَرِ.
انْتَقَلَ "تْشِين يَان" الصَّغِيرُ مَعَ عَمَّتِهِ إِلَى ذَلِكَ الْكُوخِ الْمُهْتَرِئِ، حَيْثُ تَتَسَلَّلُ الرِّيَاحُ مِنْ بَيْنِ الشُّقُوقِ. كَانَ الْمَكَانُ مُظْلِمًا، لَكِنَّ نُورَ رُوحِهِ كَانَ كَافِيًا لِإِضَاءَةِ الْكَوْنِ.
بَدَأَتِ الْعَمَّةُ "شِيَانغ" تَبْكِي حَظَّهَا الْعَاثِرَ، وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى يَدَيْهَا اللَّتَيْنِ خَشُنَتَا مِنَ التَّعَبِ. لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَنَّ جَالِسًا بِجِوَارِهَا هُوَ سُلْطَانُ السَّمَاءِ الْمَخْفِيُّ فِي جَسَدِ بَشَرِيٍّ.
رَبَتَ الطِّفْلُ عَلَى يَدِهَا بِلُطْفٍ بَالِغٍ، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ تَفُوقُ عُمْرَهُ بِمَرَاحِلَ: "لَا تَبْكِي يَا أُمِّي، فَإِنَّ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ لَا يَضِيعُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ، وَسَأَجْعَلُكِ سَيِّدَةَ الْأَرْضِ".
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، بَدَأَتِ الْقُوَى السَّمَاوِيَّةُ تَتَحَرَّكُ فِي عُرُوقِهِ. كَانَ السِّحْرُ الْمُحَرَّمُ يَنْسَابُ بِهُدُوءٍ، لِيُحَوِّلَ مَاءَ الْبِئْرِ الْعَادِيَّ إِلَى إِكْسِيرٍ يَشْفِي الْأَمْرَاضَ وَيُعِيدُ الشَّبَابَ لِلْجَسَدِ الْمُتْعَبِ.
شَرِبَتِ الْعَمَّةُ مِنَ الْمَاءِ، فَشَعَرَتْ بِحَرَارَةٍ تَسْرِي فِي كَيَانِهَا. تَسَاقَطَ الْجِلْدُ الْمَيِّتُ، وَعَادَ لِوَجْهِهَا بَهَاءٌ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ، وَكَأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ جَدِيدٍ بِفَضْلِ بَرَكَةِ الْعَبْقَرِيِّ.
بَيْنَمَا كَانَتِ الْعَائِلَةُ فِي الْقَصْرِ تَتَآمَرُ لِلتَّخَلُّصِ مِنْهُمَا نِهَائِيًّا. كَانَ "زِيَايُو" الْمَدَلَّلُ يَحُثُّ وَالِدَيْهِ عَلَى إِرْسَالِ قُطَّاعِ الطُّرُقِ لِتَأْدِيبِ ذَلِكَ "النَّحْسِ" الصَّغِيرِ الَّذِي تَجَرَّأَ عَلَى الْعِصْيَانِ.
أَرْسَلُوا ثَلَاثَةً مِنَ الْأَشْرَارِ لَيْلًا، كَانُوا يَحْمِلُونَ الْعِصِيَّ وَقُلُوبُهُمْ مَلِيئَةٌ بِالْحِقْدِ. اقْتَرَبُوا مِنَ الْكُوخِ وَهُمْ يَضْحَكُونَ بِسُخْرِيَةٍ، غَيْرَ مُدْرِكِينَ أَنَّ مَلَاكَ الْمَوْتِ يَنْتَظِرُهُمْ خَلْفَ الْبَابِ الْخَشَبِيِّ.
حِينَ دَخَلُوا، وَجَدُوا الصَّغِيرَ جَالِسًا فِي وَسَطِ الْغُرْفَةِ، عَيْنَاهُ تَلْمَعَانِ بِضَوْءٍ أُرْجُوانِيٍّ مَهِيبٍ. تَجَمَّدَتِ الدِّمَاءُ فِي عُرُوقِهِمْ، وَشَعَرُوا بِثِقْلٍ جَبَّارٍ يَجْعَلُ نُخَاعَهُمْ يَرْتَجِفُ خَوْفًا وَذُعْرًا.
بِإِشَارَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ إِصْبَعِهِ الصَّغِيرِ، انْهَارَتْ قُوَاهُمْ، وَسَقَطُوا سُجَّدًا بِلَا إِرَادَةٍ. لَمْ يَسْتَطِيعُوا النُّطْقَ بِكَلِمَةٍ، كَانَ الصَّمْتُ يُطْبِقُ عَلَى أَنْفَاسِهِمْ كَمَا يُطْبِقُ اللَّيْلُ عَلَى الْفَرِيسَةِ.
"اذْهَبُوا إِلَى مَنْ أَرْسَلَكُمْ، وَأَخْبِرُوهُمْ أَنَّ السَّمَاءَ لَا تَنَامُ"، هَكَذَا نَطَقَ "تْشِين يَان". غَادَرَ الْأَشْرَارُ الْكُوخَ يَرْكُضُونَ كَالْمَجَانِينِ، وَقَدْ فَقَدُوا عُقُولَهُمْ مِنْ هَوْلِ مَا رَأَوْا.
فِي الصَّبَاحِ التَّالِي، كَانَتِ الْأَخْبَارُ تَنْتَشِرُ كَالنَّارِ فِي الْهَشِيمِ. قِيلَ إِنَّ الْكُوخَ الْمَلْعُونَ أَصْبَحَ مَسْكَنًا لِلْأَرْوَاحِ، وَأَنَّ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْهُ يُصَابُ بِالْجُنُونِ أَوِ الْمَوْتِ الْمُفَاجِئِ.
بَدَأَ "تْشِين يَان" يُعَلِّمُ عَمَّتَهُ فُنُونَ التِّجَارَةِ السَّمَاوِيَّةِ. أَعْطَاهَا تُرَابًا حَوَّلَهُ بِلَمْسَتِهِ إِلَى ذَهَبٍ خَالِصٍ، وَطَلَبَ مِنْهَا أَنْ تَبْنِيَ إِمْبَرَاطُورِيَّةً لَا تَقْهَرُ فِي السُّوقِ الْمَحَلِّيِّ.
تَعَجَّبَ التُّجَّارُ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ فَجْأَةً بِمَالٍ وَفِيرٍ وَحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ. بَدَأَتْ تَشْتَرِي الْأَرَاضِيَ وَالْمَحَلَّاتِ، وَأَصْبَحَ اسْمُهَا يَتَرَدَّدُ فِي مَجَالِسِ الْأَثْرِيَاءِ بِإِعْجَابٍ وَخَوْفٍ.
أَمَّا عَمُّهُ "تْشِين شِي"، فَقَدْ جُنَّ جُنُونُهُ حِينَ رَأَى مَكَانَةَ أُخْتِهِ تَرْتَفِعُ. حَاوَلَ فَرْضَ الضَّرَائِبِ عَلَيْهَا، لَكِنَّ كُلَّ مُحَاوَلَاتِهِ بَاءَتْ بِالْفَشَلِ الذَّرِيعِ بِمُعْجِزَاتٍ لَا يَمْلِكُ لَهَا تَفْسِيرًا.
كَانَ "تْشِين يَان" يُرَاقِبُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ خَلْفِ السِّتَارِ. لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ الْمَالَ، بَلْ كَانَ يَبْنِي لِلْعَمَّةِ حِصْنًا يَقِيهَا شَرَّ غَدْرِ الزَّمَانِ، قَبْلَ أَنْ يَعُودَ لِمَكَانِهِ الْأَصْلِيِّ.
فِي لَحْظَةِ خَلْوَةٍ، نَاجَى الطِّفْلُ رُوحَهُ الْعُلْيَا: "أَيُّهَا الْقَدَرُ، لَقَدْ أَذَقْتَنِي الذُّلَّ لِأَعْرِفَ قِيمَةَ الرَّحْمَةِ، وَالْآنَ سَأُرِيهِمْ كَيْفَ يَكُونُ عَدْلُ السَّمَاءِ بَيْنَ الْبَشَرِ".
تَطَوَّرَتِ الْأَحْدَاثُ سَرِيعًا حِينَ أُعْلِنَ عَنْ مَزَادٍ كَبِيرٍ لِقِطْعَةِ أَثَرٍ سَمَاوِيَّةٍ نَادِرَةٍ. كَانَتِ الْعَائِلَةُ تُرِيدُهَا لِتَعْزِيزِ نُفُوذِهَا، وَكَانَ "تْشِين يَان" يَعْلَمُ أَنَّهَا مِفْتَاحُ قُوَّتِهِ.
حَضَرَتِ الْعَمَّةُ الْمَزَادَ بِمَلَابِسَ مَلَكِيَّةٍ، وَبِجَانِبِهَا الطِّفْلُ الَّذِي كَانَ يَرْتَدِي رِدَاءً بَسِيطًا لَكِنَّ نَظَرَاتِهِ كَانَتْ تَخْرِقُ الْجُدْرَانَ. صُمِتَ الْقَاعَةُ فَوْرَ دُخُولِهِمَا الْمَهِيبِ.
سَخِرَ مِنْهَا أَخُوهَا أَمَامَ النَّاسِ: "كَيْفَ لِخَادِمَةٍ أَنْ تَحْضُرَ هُنَا؟". لَكِنَّهَا لَمْ تَرُدَّ، بَلْ نَظَرَتْ إِلَى الصَّغِيرِ الَّذِي أَوْمَأَ لَهَا بِرَأْسِهِ، إِيذَانًا ببدءِ الْمَلْحَمَةِ.
دَفَعَتِ الْعَمَّةُ مَبْلَغًا خَيَالِيًّا صَعَقَ الْحَاضِرِينَ كُلَّهُمْ. وَحِينَ حَاوَلَ الْعَمُّ الِاعْتِرَاضَ، انْفَجَرَتِ الْقِطْعَةُ الْأَثَرِيَّةُ بِنُورٍ سَاطِعٍ اتَّجَهَ مُبَاشَرَةً نَحْوَ صَدْرِ "تْشِين يَان".
تَزَلْزَلَتِ الْأَرْضُ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ، وَشَعَرَ الْجَمِيعُ بِهَوْلِ مَا يَحْدُثُ. كَانَتِ الْأَغْلَالُ السَّمَاوِيَّةُ تَنْكَسِرُ وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى، وَالْعَبْقَرِيُّ يَسْتَعِيدُ جُزْءًا مِنْ كَيَانِهِ الْعَظِيمِ.
"أَنْتُمْ لَا تَعْرِفُونَ مَنْ تُحَارِبُونَ"، هَمَسَ "تْشِين يَان" وَهُوَ يَرْتَفِعُ بِضْعَ سَنْتِيمِتْرَاتٍ عَنِ الْأَرْضِ. سَقَطَ الْعَمُّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، وَفَرَّ النَّاسُ يَبْحَثُونَ عَنْ مَلْجَأٍ مِنَ الْغَضَبِ.
بَعْدَ تِلْكَ الْحَادِثَةِ، لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَمْلِكُ الْجُرْأَةَ عَلَى التَّطَاوُلِ. بَدَأَتِ الْعَمَّةُ تُدِيرُ شُؤُونَ الْمَدِينَةِ بَعَدْلٍ، بَيْنَمَا كَانَ الطِّفْلُ يَقْضِي لَيَالِيَهُ فِي التَّأَمُّلِ وَالتَّسْبِيحِ.
لَكِنَّ الشَّرَّ لَا يَنْتَهِي بِسُهُولَةٍ، فَقَدْ كَانَ هُنَاكَ سَاحِرٌ شِرِّيرٌ يَعْمَلُ لِحِسَابِ الْعَائِلَةِ فِي الْخَفَاءِ. كَانَ يُرِيدُ سَرِقَةَ رُوحِ الطِّفْلِ لِيُحَقِّقَ الْخُلُودَ لِنَفْسِهِ.
أَعَدَّ السَّاحِرُ فَخًّا كَبِيرًا لِجَذْبِ "تْشِين يَان" إِلَى غَابَةِ الظِّلَالِ. اسْتَخْدَمَ صُورَةَ الْعَمَّةِ كَطُعْمٍ، مُعْتَقِدًا أَنَّ مَشَاعِرَ الْبَشَرِ هِيَ نُقْطَةُ ضَعْفِ هَذَا الْكِيَانِ.
حِينَ وَصَلَ الصَّغِيرُ إِلَى الْغَابَةِ، كَانَتِ الْأَشْجَارُ تَتَحَرَّكُ كَأَنَّهَا شَيَاطِينُ. ضَحِكَ السَّاحِرُ بِصَوْتٍ عَالٍ، وَقَالَ: "الْآنَ سَأَمْتَصُّ نُورَكَ وَأُصْبِحُ إِلَهًا لِهَذَا الْعَالَمِ الْبَائِسِ".
نَظَرَ إِلَيْهِ "تْشِين يَان" بِأَسَفٍ وَقَالَ: "أَيُّهَا الْجَاهِلُ، السَّمَاءُ لَا تُسْرَقُ، وَالنُّورُ لَا يُسْجَنُ. أَنْتَ لَسْتَ سِوَى ذَرَّةِ غُبَارٍ فِي مَهَبِّ رِيَاحِي الْعَاتِيَةِ جِدًّا".
أَطْلَقَ السَّاحِرُ تَعَاوِيذَهُ السَّوْدَاءَ، لَكِنَّهَا تَلَاشَتْ بِمُجَرَّدِ اقْتِرَابِهَا مِنْ هَالَةِ الطِّفْلِ. تَحَوَّلَتِ السَّحَابَةُ السَّوْدَاءُ إِلَى مَطَرٍ طَهُورٍ غَسَلَ أَوْسَاخَ الْغَابَةِ وَأَعَادَ لَهَا الْحَيَاةَ.
ذُهِلَ السَّاحِرُ وَحَاوَلَ الْهَرَبَ، لَكِنَّ جُذُورَ الْأَرْضِ أَمْسَكَتْ بِقَدَمَيْهِ. قَالَ لَهُ الصَّغِيرُ: "سَتَبْقَى هُنَا حَتَّى تَتَعَلَّمَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلْخِدْمَةِ لَا لِلسَّيْطَرَةِ وَالظُّلْمِ".
عَادَ "تْشِين يَان" لِلْمَنْزِلِ لِيَجِدَ عَمَّتَهُ تَنْتَظِرُهُ بِقَلَقٍ. طَمْأَنَهَا بِلَمْسَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ حَانَ لِمُوَاجَهَةِ الْعَائِلَةِ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ وَاسْتِرْدَادِ الْحَقِّ.
كَانَتِ الْخُطَّةُ تَقْتَضِي الظُّهُورَ فِي الْحَفْلِ السَّنَوِيِّ لِلْعَائِلَةِ. حَيْثُ يَجْتَمِعُ الْكِبَارُ وَالْعُظَمَاءُ، لِيُعْلِنُوا عَنْ خَلِيفَةِ الْجَدِّ الْأَعْلَى، وَيُقَسِّمُوا الْمِيرَاثَ بَيْنَ الطَّامِعِينَ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، كَانَ الْقَصْرُ يَتَلأْلأُ بِالْأَنْوَارِ، وَالْمَوَائِدُ عَامِرَةٌ بِأَلَذِّ الطَّعَامِ. كَانَ الْجَمِيعُ يَضْحَكُ، غَيْرَ مُنْتَبِهِينَ لِلصَّاعِقَةِ الَّتِي تَقْتَرِبُ مِنَ الْبَوَّابَةِ الرَّئِيسِيَّةِ.
تَوَقَّفَتْ عَرَبَةٌ سَوْدَاءُ مَهِيبَةٌ أَمَامَ الدَّاخِلِ. نَزَلَتْ مِنْهَا "تْشِين شِيَانغ" بِمَظْهَرِ الْمَلِكَاتِ، وَخَلْفَهَا يَمْشِي "تْشِين يَان" بِخُطُوَاتٍ تُزَلْزِلُ الْقُلُوبَ قَبْلَ الْأَرْضِ الَّتِي يَمْشِي عَلَيْهَا.
دَخَلَا الْقَاعَةَ الْكُبْرَى، فَتَوَقَّفَتِ الْمُوسِيقَى وَسَادَ صَمْتٌ رَهِيبٌ. كَانَ الْجَدُّ "غُوشَان" يَجْلِسُ عَلَى عَرْشِهِ، وَحِينَ رَآهُمَا، وَقَفَ تِلْقَائِيًّا كَأَنَّ قُوَّةً خَفِيَّةً دَفَعَتْهُ لِلْقِيَامِ إِجْلَالًا.
"مَنْ سَمَحَ لَكُمَا بِالدُّخُولِ؟"، صَرَخَ الْأَبُ بِغَضَبٍ مُحَاوِلًا اسْتِعَادَةَ سَيْطَرَتِهِ. لَكِنَّ نَظْرَةً وَاحِدَةً مِنْ "تْشِين يَان" جَعَلَتْ صَوْتَهُ يَخْتَفِي وَيَتَحَوَّلُ إِلَى هَمَسَاتٍ غَيْرِ مَفْهُومَةٍ.
تَقَدَّمَتِ الْعَمَّةُ وَقَالَتْ بِكُلِّ ثِقَةٍ: "لَقَدْ جِئْنَا لِنَأْخُذَ مَا لَنَا، وَلِنَضَعَ حَدًّا لِهَذَا الطُّغْيَانِ. هَذَا الصَّغِيرُ لَيْسَ نَحْسًا، بَلْ هُوَ مَنَارَةُ هَذِهِ الْعَائِلَةِ وَسِرُّ بَقَائِهَا".
ضَحِكَ "زِيَايُو" بِاسْتِهْزَاءٍ وَحَاوَلَ دَفْعَ أَخِيهِ الصَّغِيرِ. لَكِنَّ بِمُجَرَّدِ مَسِّهِ لِرِدَائِهِ، ارْتَدَّ لِلْخَلْفِ وَكَأَنَّ صَاعِقَةً ضَرَبَتْهُ، فَسَقَطَ بَيْنَ قَدَمَيِ الْحَاضِرِينَ مُهَانًا وَمُحَطَّمًا.
هَنَا أَدْرَكَ الْجَدُّ الْحَقِيقَةَ، وَتَذَكَّرَ النُّبُوءَةَ الْقَدِيمَةَ عَنِ الْعَبْقَرِيِّ الَّذِي سَيُطَهِّرُ النَّسْلَ. جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ بَاكِيًا: "اغْفِرْ لَنَا يَا مَوْلَايَ، لَقَدْ كُنَّا عُمْيًا".
ارْتَفَعَ "تْشِين يَان" فِي الْهَوَاءِ، وَتَوَهَّجَ جَسَدُهُ بِنُورٍ أَبْيَضَ طَاهِرٍ. قَالَ بِصَوْتٍ زَلْزَلَ أَرْكَانَ الْقَصْرِ: "الْيَوْمَ يُعَادُ الْحَقُّ لِأَصْحَابِهِ، وَيُطْرَدُ الظَّالِمُونَ إِلَى غَيَاهِبِ النِّسْيَانِ".
بَدَأَتِ الْجُدْرَانُ تَتَهَالَكُ، وَالثَّرْوَةُ الْحَرَامُ تَتَبَخَّرُ فِي لَحْظَاتٍ. كُلُّ مَنْ ظَلَمَ شَعَرَ بِأَلَمِ ضَحَايَاهُ، وَكُلُّ مَنْ صَبَرَ نَالَ جَزَاءَهُ مِنَ النُّورِ وَالْبَرَكَةِ السَّمَاوِيَّةِ.
تَحَوَّلَ الْقَصْرُ إِلَى مَكَانٍ لِلْعِبَادَةِ وَالْعَدْلِ، وَأَصْبَحَتِ الْعَمَّةُ هِيَ الْحَاكِمَةَ الْفِعْلِيَّةَ بَعْدَ تَنَحِّي الْجَدِّ. أَمَّا الظَّالِمُونَ، فَقَدْ نُفُوا إِلَى أَقَاصِي الْأَرْضِ لِيَعِيشُوا مَا أَذَاقُوهُ لِغَيْرِهِمْ.
رَغْمَ الِانْتِصَارِ، كَانَ "تْشِين يَان" يَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ فَقَطْ هِيَ الْبِدَايَةُ. فَالْقُوَى السَّمَاوِيَّةُ الْأُخْرَى بَدَأَتْ تَشْعُرُ بِتَحَرُّكِهِ، وَالْمَعْرَكَةُ الْكُبْرَى بَيْنَ الْعَوَالِمِ اقْتَرَبَ مَوْعِدُهَا الْمَحْتُومُ.
نَظَرَ إِلَى عَمَّتِهِ نَظْرَةً أَخِيرَةً فِي هَذَا الْجُزْءِ، وَكَأَنَّهُ يُوَدِّعُ فِيهَا الْبَشَرِيَّةَ. فَالْمَرْحَلَةُ الْقَادِمَةُ تَتَطَلَّبُ السَّفَرَ إِلَى مَمَالِكِ الظِّلَالِ لِاسْتِعَادَةِ بَقِيَّةِ جَوْهَرِهِ السَّمَاوِيِّ الْمَفْقُودِ.
تَرَقَّبُوا الْجُزْءَ الثَّالِثَ، حَيْثُ تَتَجَلَّى الْخَوَارِقُ، وَيُظْهِرُ "تْشِين يَان" وَجْهَهُ الْحَقِيقِيَّ كَمُحَطِّمٍ لِلْأَصْنَامِ وَمُبِيدٍ لِلْجَبَابِرَةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَأَيِّ مَكَانٍ مِنَ الْكَوْنِ الْعَظِيمِ.
بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْعَاصِفَةِ فِي قَصْرِ الْعَائِلَةِ، لَمْ يَعُدْ "تْشِين يَان" طِفْلًا عَادِيًّا فِي أَعْيُنِ النَّاسِ. كَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ بِرَهْبَةٍ، كَأَنَّ السَّمَاءَ قَدْ تَجَسَّدَتْ فِي صُورَتِهِ الصَّغِيرَةِ.
اسْتَقَرَّتِ الْعَمَّةُ "شِيَانغ" فِي مَنْصِبِهَا الْجَدِيدِ كَسَيِّدَةٍ لِلْعَائِلَةِ، بَيْنَمَا انْزَوَى "تْشِين يَان" فِي حُجْرَةٍ هَادِئَةٍ. بَدَأَ يَسْتَدْعِي طَاقَاتِهِ الْقَدِيمَةَ لِيُعِيدَ تَرْمِيمَ رُوحِهِ الَّتِي أَنْهَكَهَا الْبَشَرُ.
فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ، كَانَ الْخَطَرُ يَقْتَرِبُ مِنْ مَمْلَكَةٍ مُجَاوِرَةٍ، حَيْثُ أَرْسَلَ "طَائِفَةُ الظِّلِّ" جَوَاسِيسَهُمْ. سَمِعُوا عَنِ الْقُوَّةِ الْهَائِلَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ فَجْأَةً، وَقَرَّرُوا الِاسْتِيلَاءَ عَلَيْهَا بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ.
اجْتَمَعَ كِبَارُ السَّحَرَةِ فِي مَجْلِسٍ سِرِّيٍّ، وَقَالُوا إِنَّ هَذَا الطِّفْلَ يَحْمِلُ "جَوْهَرَةَ السَّمَاءِ". إِذَا سَيْطَرُوا عَلَيْهَا، سَيَخْضَعُ الْعَالَمُ كُلُّهُ لِإِرَادَتِهِمُ الشِّرِّيرَةِ، وَتَنْتَهِي عُصُورُ النُّورِ لِلْأَبَدِ.
شَعَرَ "تْشِين يَان" بِمُؤَامَرَتِهِمْ قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ، فَهَمَسَ لِلرِّيَاحِ أَنْ تَنْقُلَ تَحْذِيرَهُ. كَانَتِ الرِّيَاحُ تَعْصِفُ بِأَبْوَابِ مَقَرِّهِمْ، لَكِنَّ الْغُرُورَ أَعْمَى قُلُوبَهُمْ عَنْ سَمَاعِ صَوْتِ الْحَقِيقَةِ الْمُرَّةِ.
ذَاتَ فَجْرٍ، هَجَمَ فُرْسَانُ الظِّلِّ عَلَى الْمَدِينَةِ، يَمْتَطُونَ خُيُولًا سَوْدَاءَ كَاللَّيْلِ. كَانَتْ سُيُوفُهُمْ تَقْطُرُ شَرًّا، وَصَرَخَاتُهُمْ تَمْلأُ الْأَجْوَاءَ رُعْبًا، بَاحِثِينَ عَنْ مَنْزِلِ عَمَّةِ "تْشِين يَان" بَيْنَ الْقُصُورِ.
اسْتَيْقَظَتِ الْعَمَّةُ مَذْعُورَةً، لَكِنَّهَا وَجَدَتِ الصَّغِيرَ وَاقِفًا عِنْدَ الشُّرْفَةِ بِكُلِّ هُدُوءٍ. قَالَ لَهَا: "لَا تَخَافِي، فَالذُّبَابُ لَا يُزْعِجُ الْأَسَدَ، وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا سِوَى ظِلَالٍ سَتَمْحُوهَا شَمْسِي الْقَوِيَّةُ".
خَرَجَ "تْشِين يَان" إِلَى الشَّارِعِ الْوَاسِعِ، وَوَقَفَ وَحِيدًا فِي مُوَاجَهَةِ جَيْشٍ كَامِلٍ. ضَحِكَ قَائِدُ الْفُرْسَانِ وَقَالَ: "أَهَذَا هُوَ الْإِلَهُ الصَّغِيرُ؟ سَأَسْحَقُكَ بِحَافِرِ حِصَانِي هَذَا كَمَا أَسْحَقُ الْحَشَرَةَ".
رَفَعَ الصَّغِيرُ كَفَّهُ نَحْوَ السَّمَاءِ، فَانْشَقَّتِ الْغُيُومُ عَنْ صَاعِقَةٍ ذَهَبِيَّةٍ مَهِيبةٍ. لَمْ تَمَسَّ الْأَرْضَ، بَلْ شَكَّلَتْ دِرْعًا نُورَانِيًّا حَوْلَ الْمَدِينَةِ، مَنَعَ الْأَشْرَارَ مِنَ التَّقَدُّمِ شِبْرًا وَاحِدًا نَحْوَ الْأَبْرِيَاءِ.
"الْآنَ دَوْرِي"، قَالَ "تْشِين يَان" بِنَبْرَةٍ جَعَلَتِ الْجِبَالَ تَهْتَزُّ مِنْ مَكَانِهَا. نَفَخَ نَفْخَةً بَسِيطَةً، فَتَحَوَّلَ الْهَوَاءُ إِلَى نِصَالٍ حَادَّةٍ مَزَّقَتْ رَايَاتِ الظِّلِّ، وَأَجْبَرَتِ الْخُيُولَ عَلَى التَّرَاجُعِ بِذُعْرٍ.
حَاوَلَ سَاحِرُ الطَّائِفَةِ إِطْلَاقَ لَعْنَةٍ سَوْدَاءَ، لَكِنَّ "تْشِين يَان" قَبَضَ عَلَى الْهَوَاءِ. فَتَحَوَّلَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى زُهُورٍ بَيْضَاءَ سَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ، مِمَّا أَذْهَلَ الْجَمِيعَ وَأَثْبَتَ عِظَمَ سُلْطَانِهِ الْإِلَهِيِّ.
سَقَطَ الْقَائِدُ مِنْ عَلَى جَوَادِهِ، وَزَحَفَ نَحْوَ قَدَمَيِ الطِّفْلِ طَالِبًا الرَّحْمَةَ وَالْعَفْوَ. نَظَرَ إِلَيْهِ الْعَبْقَرِيُّ وَقَالَ: "الرَّحْمَةُ لِلضُّعَفَاءِ، أَمَّا الطَّامِعُونَ فَلَهُمْ طَعْمُ النَّدَمِ الْمُرِّ فِي الدُّنْيَا".
حَوَّلَ "تْشِين يَان" جَمِيعَ الْأَسْلِحَةِ إِلَى رَمَادٍ، وَأَمَرَ الْفُرْسَانَ بِالْعَوْدَةِ إِلَى دِيَارِهِمْ. طَرَدَهُمْ بِلَا قِتَالٍ، لِيَكُونُوا عِبْرَةً لِكُلِّ مَنْ تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ الِاعْتِدَاءَ عَلَى مَمْلَكَةِ النُّورِ.
عَادَ الْهُدُوءُ لِلْمَدِينَةِ، لَكِنَّ بَصِيرَةَ "تْشِين يَان" كَانَتْ تَرَى مَا هُوَ أَبْعَدُ. كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ جَوْهَرَ السَّمَاءِ الْمَفْقُودَ مَوْجُودٌ فِي "جَبَلِ الضَّبَابِ"، وَأَنَّ عَلَيْهِ السَّفَرَ لِاسْتِعَادَتِهِ.
وَدَّعَ عَمَّتَهُ بِقُبْلَةٍ عَلَى جَبِينِهَا، وَوَعَدَهَا أَنَّهُ سَيَعُودُ حِينَ يَتِمُّ مَهَمَّتَهُ الْكُبْرَى. انْطَلَقَ وَحِيدًا، يَحْمِلُ فِي قَلْبِهِ حِكْمَةَ الدُّهُورِ وَفِي يَدِهِ قُوَّةَ الْخَالِقِ الَّتِي لَا تُقْهَرُ.
فِي الطَّرِيقِ، وَاجَهَ وَحُوشًا أَسْطُورِيَّةً كَانَتْ تَحْرُسُ مَمَرَّاتِ الْجَبَلِ الْوَعِرَةِ جِدًّا. لَكِنَّ كُلَّ وَحْشٍ كَانَ يَرَى نُورَهُ، كَانَ يَخْضَعُ لَهُ وَيُصْبِحُ رَفِيقًا لَهُ فِي رِحْلَتِهِ الشَّاقَّةِ.
وَصَلَ إِلَى قِمَّةِ الْجَبَلِ، حَيْثُ تَلْتَقِي السَّمَاءُ بِالْأَرْضِ فِي تَنَاغُمٍ غَرِيبٍ وَسَاحِرٍ. هُنَاكَ وَجَدَ الْجَوْهَرَةَ مُحَاطَةً بِنِيرَانٍ أَزَلِيَّةٍ، لَا يَسْتَطِيعُ بَشَرِيٌّ مَسَّهَا دُونَ أَنْ يَتَحَوَّلَ لِرَمَادٍ.
مَشَى "تْشِين يَان" وَسَطَ النِّيرَانِ، وَكَأَنَّهَا نَسِيمٌ بَارِدٌ يُدَاعِبُ جَسَدَهُ الطَّاهِرَ الْمُقَدَّسَ. أَمْسَكَ بِالْجَوْهَرَةِ، فَانْدَمَجَتْ مَعَ رُوحِهِ، وَاسْتَعَادَ كَامِلَ قُوَاهُ السَّمَاوِيَّةِ فِي لَحْظَةٍ خَاطِفَةٍ لِلْأَبْصَارِ.
تَغَيَّرَتْ مَلَامِحُهُ، وَبَدَا أَكْثَرَ جَلَالًا، وَأَصْبَحَ صَوْتُهُ يُشْبِهُ قَصِيفَ الرَّعْدِ فِي قُوَّتِهِ. نَظَرَ لِلْأَسْفَلِ، فَرَأَى الْعَوَالِمَ كُلَّهَا تَسْجُدُ لِعَظَمَتِهِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ وَقْتَ الْحِسَابِ الْأَخِيرِ قَدْ اقْتَرَبَ.
لَكِنَّ مُفَاجَأَةً كَانَتْ تَنْتَظِرُهُ، فَقَدْ ظَهَرَ كِيَانٌ سَمَاوِيٌّ آخَرُ، كَانَ صَدِيقًا قَدِيمًا لَهُ. قَالَ لَهُ: "لَقَدْ أَسْرَفْتَ فِي اسْتِخْدَامِ قُوَّتِكَ، وَالسَّمَاءُ لَيْسَتْ رَاضِيَةً عَنْ هَذَا التَّدَخُّلِ".
أَجَابَهُ "تْشِين يَان": "إِذَا كَانَتِ السَّمَاءُ تَرْضَى بِالظُّلْمِ، فَأَنَا هُنَا لِأُصَحِّحَ مَسَارَهَا بِعَدْلِي. لَنْ أَتْرَكَ الْبَشَرَ يَعِيشُونَ فِي ظَلَامٍ بَيْنَمَا أَنَا أَنْعَمُ بِالنُّورِ فِي الْأَعَالِي".
اشْتَبَكَ الْكِيَانَانِ فِي مَعْرَكَةٍ كَوْنِيَّةٍ بَيْنَ السُّحُبِ، كَانَتِ النُّجُومُ تَتَسَاقَطُ مَعَ كُلِّ ضَرْبَةٍ. كَانَ صِرَاعًا بَيْنَ الْقَانُونِ الْقَدِيمِ وَبَيْنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي تَعَلَّمَهَا "تْشِين يَان" بَيْنَ الْبَشَرِ.
فِي النِّهَايَةِ، اسْتَطَاعَ "تْشِين يَان" التَّغَلُّبَ بِفَضْلِ الْجَوْهَرَةِ وَخِبْرَتِهِ فِي عَالَمِ الْأَرْضِ. سَقَطَ الْكِيَانُ الْآخَرُ، وَاعْتَرَفَ بِأَنَّ الْعَدْلَ الْحَقِيقِيَّ يَنْبُعُ مِنَ الشُّعُورِ بِآلَامِ الْآخَرِينَ وَأَوْجَاعِهِمْ.
عَادَ الْبَطَلُ إِلَى الْمَدِينَةِ، لَكِنَّهُ وَجَدَ أَنَّ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً قَدْ مَرَّتْ فِي غِيَابِهِ الْقَصِيرِ. كَانَتِ الْعَمَّةُ قَدْ كَبُرَتْ، وَأَصْبَحَتْ حَكِيمَةً يُشَارُ إِلَيْهَا بِالْبَنَانِ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
لَمْ تَعْرِفْهُ فِي الْبِدَايَةِ بِسَبَبِ نُورِهِ الطَّاغِي، لَكِنَّهَا شَعَرَتْ بِحَنَانِهِ الَّذِي لَا يُخْطِئُهُ الْقَلْبُ. بَكَتْ فَرَحًا وَقَالَتْ: "لَقَدْ أَوْفَيْتَ بِوَعْدِكَ يَا وَلَدِي، وَأَعَدْتَ لَنَا الْكَرَامَةَ الضَّائِعَةَ".
قَرَّرَ "تْشِين يَان" أَنْ يَبْنِيَ مَعْبَدًا لِلْعِلْمِ وَالرَّحْمَةِ، يَجْمَعُ فِيهِ كُلَّ مَنْ يَبْحَثُ عَنِ الْحَقِيقَةِ. وَأَصْبَحَ هُوَ الْمُعَلِّمَ الْأَوَّلَ، يُحَوِّلُ النُّفُوسَ الْمُظْلِمَةَ إِلَى أَرْوَاحٍ نَيِّرَةٍ وَطَاهِرَةٍ.
بَدَأَتِ الشُّعُوبُ تَتَوَافَدُ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ، يَحْمِلُونَ هَدَايَاهُمْ وَقُلُوبَهُمْ الْمُشْتَاقَةَ. وَفِي كُلِّ يَوْمٍ، كَانَ يُظْهِرُ لَهُمْ مُعْجِزَةً جَدِيدَةً تُثْبِتُ أَنَّ الْقُوَّةَ فِي الْحُبِّ وَالْعَدْلِ فَقَطْ.
لَكِنَّ ظِلًّا قَدِيمًا بَدَأَ يَتَحَرَّكُ فِي أَعْمَاقِ الْأَرْضِ، شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ فِي الْحُسْبَانِ أَبَدًا. كَانَ "سَيِّدُ الْفَوْضَى" الَّذِي حُبِسَ مُنْذُ آلافِ السِّنِينَ، وَقَدْ بَدَأَ يَسْتَيْقِظُ بِفِعْلِ الزِّلْزَالِ الْكَوْنِيِّ.
شَعَرَ "تْشِين يَان" بِالْخَطَرِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ الْمُوَاجَهَةَ الْكُبْرَى لَنْ تَكُونَ سَمَاوِيَّةً، بَلْ سَتَكُونُ تَحْتَ أَعْمَاقِ التُّرَابِ. حَيْثُ يَسْكُنُ الشَّرُّ الْمُطْلَقُ الَّذِي يَتَغَذَّى عَلَى كُرْهِ الْبَشَرِ.
جَمَعَ تَلامِيذَهُ وَقَالَ لَهُمْ: "الْآنَ سَأَخْتَبِرُ شَجَاعَتَكُمْ، فَالشَّرُّ لَا يُهْزَمُ بِالسِّحْرِ وَحْدَهُ، بَلْ بِإِيمَانِكُمْ بِالنُّورِ. سَأَنْزِلُ لِلأَعْمَاقِ، وَعَلَيْكُمْ حِمَايَةُ هَذَا الْمَكَانِ بِأَرْوَاحِكُمْ".
تَرَكَهُمْ وَغَاصَ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ، يَشُقُّ طَرِيقَهُ بَيْنَ الصُّخُورِ وَالنِّيرَانِ الْمُلْتَهِبَةِ. كَانَ كُلَّمَا نَزَلَ أَكْثَرَ، ازْدَادَ الظَّلامُ كَثَافَةً، وَازْدَادَتِ الْأَصْوَاتُ الْمُرْعِبَةُ تَرَدُّدًا.
وَصَلَ أَخِيرًا إِلَى بَوَّابَةِ الْفَوْضَى، حَيْثُ كَانَ يَنْتَظِرُهُ "سَيِّدُ الظِّلَالِ" بِجَسَدِهِ الْعِمْلَاقِ. كَانَتْ أَعْيُنُهُ تَتَوَهَّجُ بِالْحِقْدِ، وَأَنْفَاسُهُ تُحْرِقُ كُلَّ مَا تَمَسُّهُ مِنْ كَائِنَاتٍ.
"لَقَدْ جِئْتَ لِمَصْرَعِكَ أَيُّهَا الْعَبْقَرِيُّ السَّمَاوِيُّ"، صَرَخَ سَيِّدُ الْفَوْضَى بِقُوَّةٍ. "هُنَا لَا سُلْطَانَ لِلسَّمَاءِ، هُنَا أَنَا الْمَلِكُ، وَأَنَا مَنْ يَضَعُ الْقَوَانِينَ لِهَذَا الْجَحِيمِ".
ابْتَسَمَ "تْشِين يَان" بِيَقِينٍ، وَأَخْرَجَ جَوْهَرَةَ السَّمَاءِ الَّتِي تَلأْلأَتْ بِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ. قَالَ: "النُّورُ يَنْفُذُ لِكُلِّ مَكَانٍ، وَلَا يُوجَدُ جَحِيمٌ يَصْمُدُ أَمَامَ حَقِيقَةِ الْوُجُودِ الْمُقَدَّسَةِ".
بَدَأَتِ الْمَعْرَكَةُ الَّتِي سَتُغَيِّرُ وَجْهَ التَّارِيخِ، بَيْنَ نُورِ السَّمَاءِ وَظَلَامِ الْأَعْمَاقِ. كَانَ الِانْفِجَارُ عَظِيمًا بِحَيْثُ شَعَرَ بِهِ كُلُّ كَائِنٍ حَيٍّ عَلَى وَجْهِ هَذِهِ الْبَسِيطَةِ.
فِي هَذَا الْجُزْءِ، نَتْرُكُ بَطَلَنَا فِي قَلْبِ الصِّرَاعِ الْمَصِيرِيِّ ضِدَّ قُوَى الظَّلامِ. وَمَا زَالَتِ النُّبُوءَةُ تَتَحَدَّثُ عَنْ نَصْرٍ مُبِينٍ سَيُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَ هَذِهِ اللَّحْظَةِ الْفَاصِلَةِ.
انْفَجَرَ النُّورُ مِنْ جَوْهَرَةِ "تْشِين يَان" السَّمَاوِيَّةِ، لِيَضْرِبَ أَعْمَاقَ الظَّلامِ الدَّامِسِ. كَانَ "سَيِّدُ الْفَوْضَى" يَزْأَرُ كَالرَّعْدِ، مُحَاوِلًا ابْتِلاعَ الضِّيَاءِ بِأَمْوَاجٍ مِنْ دُخَانٍ أَسْوَدَ مُسِمٍّ.
تَصَادَمَتِ الْقُوَى فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ، فَتَزَلْزَلَتِ الْقَارَّاتُ وَارْتَجَفَتِ الْبِحَارُ فِي مَضَاجِعِهَا. كَانَ الصَّغِيرُ يَقِفُ ثَابِتًا، تَرْفَعُهُ رِيَاحٌ نُورَانِيَّةٌ تَحْمِيهِ مِنْ لَهِيبِ الْجَحِيمِ الْمُسْتَعِرِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ.
"أَتَظُنُّ أَنَّ قِطْعَةً مِنَ السَّمَاءِ سَتَهْزِمُ مَلِكَ الْأَعْمَاقِ؟" صَرَخَ الشَّيْطَانُ بِسُخْرِيَةٍ طَاغِيَةٍ. ثُمَّ أَطْلَقَ سَلاسِلَ مِنْ حَدِيدٍ مُصْهَرٍ، لَفَّتْ حَوْلَ جَسَدِ "تْشِين يَان" لِتَسْحَبَهُ إِلَى هَاوِيَةِ الْفَنَاءِ.
أَغْمَضَ الْعَبْقَرِيُّ عَيْنَيْهِ، وَاسْتَدْعَى ذِكْرَى حَنَانِ عَمَّتِهِ وَدُمُوعِ الصَّابِرِينَ عَلَى الْأَرْضِ. تَحَوَّلَتِ السَّلاسِلُ إِلَى رَمَادٍ بِمُجَرَّدِ مَسِّهَا لِقَلْبِهِ الْمَمْلُوءِ بِالرَّحْمَةِ وَالْعَدْلِ الْإِلَهِيِّ الْمُطْلَقِ.
رَفَعَ يَدَهُ الصَّغِيرَةَ، فَانْبَثَقَ مِنْهَا سَيْفٌ مِنَ الْبَرْقِ الْخَالِصِ، يَطُولُ حَتَّى يَبْلُغَ عَنَانَ السَّمَاءِ. ضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، فَانْشَقَّ قَلْبُ "سَيِّدِ الْفَوْضَى"، وَتَدَفَّقَ مِنْهُ نُورٌ غَسَلَ كُلَّ رِجْسٍ فِيهِ.
سَادَ الصَّمْتُ لِلَحْظَةٍ، قَبْلَ أَنْ يَنْهَارَ مَمْلَكَةُ الظِّلالِ وَتَتَحَوَّلَ جُدْرَانُهَا إِلَى بَلُّورٍ شَفَّافٍ. لَقَدْ هُزِمَ الشَّرُّ فِي عُقْرِ دَارِهِ، وَانْتَصَرَتْ رُوحُ الطِّفْلِ الَّتِي حَمَلَتْ آلامَ الْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا.
ارْتَقَى "تْشِين يَان" عَائِدًا إِلَى السَّطْحِ، لِيَجِدَ الْعَالَمَ قَدْ بَدَأَ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ لِلْأَخْضَرِ الزَّاهِي. كُلُّ شَجَرَةٍ ذَابِلَةٍ أَوْرَقَتْ، وَكُلُّ نَهْرٍ جَافٍّ تَدَفَّقَ بِمَاءٍ عَذْبٍ كَالشَّهْدِ الْمُصَفَّى.
فِي الْمَدِينَةِ، كَانَتِ الْعَمَّةُ تَنْتَظِرُ عِنْدَ الْبَوَّابَةِ، وَقَدْ شَعَرَتْ بِتَحَرُّرِ رُوحِهَا مِنَ الْخَوْفِ. حِينَ رَأَتْهُ قَادِمًا، سَجَدَتْ لِلَّهِ شُكْرًا، فَأَمْسَكَ بِيَدِهَا وَأَنْهَضَهَا قَائِلًا: "ارْفَعِي رَأْسَكِ، فَقَدْ وَلَّى زَمَنُ السُّجُودِ لِغَيْرِ الْحَقِّ".
لَكِنَّ فُلُولَ عَالَمِ الْبَشَرِ الْأَشْرَارِ لَمْ يَتُوبُوا، بَلْ جَمَعُوا جُيُوشَهُمْ لِلْفَتْكِ بِالْمَعْبَدِ. كَانَ "زِيَايُو" قَدْ عَالَجَ جِرَاحَهُ بِسِحْرٍ أَسْوَدَ، وَعَادَ يَقُودُ حُشُودًا مِنَ الْمُرْتَزِقَةِ الطَّامِعِينَ فِي كُنُوزِ السَّمَاءِ.
"سَنَقْتُلُ هَذَا الشَّيْطَانَ الصَّغِيرَ وَنَسْرِقُ جَوْهَرَتَهُ!" هَكَذَا كَانَ "زِيَايُو" يُحَرِّضُ الْجُنُودَ الْجَهَلَةَ. لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ مَنْ يُحَارِبُونَهُ قَدْ هَزَمَ مَلِكَ الْجَحِيمِ لِتَوِّهِ، وَأَنَّ سُيُوفَهُمْ لَيْسَتْ سِوَى لُعَبٍ.
وَقَفَ التَّلامِيذُ أَمَامَ الْمَعْبَدِ يَذُودُونَ عَنْهُ، لَكِنَّ الْكَثْرَةَ بَدَأَتْ تَغْلِبُ شَجَاعَتَهُمْ بِمَكْرٍ. هُنَا، ظَهَرَ "تْشِين يَان" فَجْأَةً وَسَطَ السَّاحَةِ، فَسَكَنَتِ الْحَرَكَةُ وَتَجَمَّدَ الْهَوَاءُ فِي صُدُورِ الْمُعْتَدِينَ.
نَظَرَ إِلَى أَخِيهِ السَّابِقِ بِحُزْنٍ عَمِيقٍ، وَقَالَ: "أَلَمْ تَتَعَلَّمْ أَنَّ الطَّمَعَ يَقْتُلُ صَاحِبَهُ قَبْلَ خَصْمِهِ؟". ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ، فَتَحَوَّلَتْ أَسْلِحَتُهُمْ إِلَى أَغْصَانِ زَيْتُونَ، وَخُيُولُهُمْ إِلَى حَمَامٍ أَبْيَضَ طَارَ فِي السَّمَاءِ.
ذُهِلَ الْجُنُودُ وَأَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْأَرْضِ يَطْلُبُونَ الصَّفْحَ، فَقَدْ رَأَوْا مُعْجِزَةً لَا يُنْكِرُهَا إِلَّا جَاحِدٌ. أَمَّا "زِيَايُو"، فَقَدْ أَصَابَهُ الْعَمَى بَعْدَ أَنْ حَاوَلَ النَّظَرَ مُبَاشَرَةً إِلَى نُورِ الْجَوْهَرَةِ الْمُقَدَّسِ.
"اذْهَبُوا وَابْنُوا مَا هَدَمْتُمُوهُ فِي نُفُوسِكُمْ"، هَكَذَا كَانَ حُكْمُ الصَّغِيرِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ كُلِّ مَا فَعَلُوهُ. لَمْ يَسْفِكْ دَمًا، بَلْ أَحْرَقَ الْحِقْدَ فِي قُلُوبِهِمْ بِنَارِ الْمَحَبَّةِ الَّتِي لَا تَنْطَفِئُ أَبَدًا.
بَعْدَ الِانْتِصَارِ الْبَشَرِيِّ، جَاءَتْ لَحْظَةُ الِاخْتِبَارِ الْأَصْعَبِ لِـ "تْشِين يَان" نَفْسِهِ بَعْدَ حِينٍ. فَقَدْ نَادَتْهُ السَّمَاءُ لِلْعَوْدَةِ إِلَى عَرْشِهِ الْأَصْلِيِّ، وَتَرْكِ عَالَمِ الْبَشَرِ يَسِيرُ بِقَدَرِهِ الْمَحْتُومِ وَالْمَكْتُوبِ.
نَظَرَ إِلَى عَمَّتِهِ الَّتِي أَصْبَحَتْ أُمًّا لِلْمَدِينَةِ كُلِّهَا، وَشَعَرَ بَغَصَّةٍ فِي رُوحِهِ السَّمَاوِيَّةِ. كَيْفَ يَتْرُكُ مَنْ عَلَّمَتْهُ مَعْنَى الدِّمْعَةِ، وَمَنْ سَقَتْهُ مِنْ حَنَانِهَا حِينَ كَانَ طِفْلًا مَنْبُوذًا؟
"مَوْلَايَ، أَتَشْعُرُ بِالرَّحِيلِ؟" سَأَلَتْهُ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ، كَأَنَّ قَلْبَهَا يُخْبِرُهَا بِنِهَايَةِ الرِّحْلَةِ الْأَرْضِيَّةِ. فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ، وَقَالَ: "الرُّوحُ تَعُودُ لِمَنْشَئِهَا، لَكِنَّ الْحُبَّ يَبْقَى خَالِدًا فِي الذَّرَّاتِ".
لَكِنَّ "تْشِين يَان" قَرَّرَ أَنْ يَصْنَعَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ عَبْقَرِيٌّ سَمَاوِيٌّ قَبْلَهُ فِي التَّارِيخِ. قَرَّرَ أَنْ يَتْرُكَ جُزْءًا مِنْ قُوَّتِهِ دَاخِلَ كُلِّ بَشَرِيٍّ طَيِّبٍ، لِيُدَافِعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ دُونَ حَاجَةٍ لِمُعْجِزَاتٍ.
بَدَأَ بِمَرَاسِمِ نَقْلِ الْبَرَكَةِ، حَيْثُ جَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ تَحْتَ ضَوْءِ الْقَمَرِ الْمُكْتَمِلِ. كَانَتْ أَنْفَاسُهُ تَتَحَوَّلُ إِلَى نُجُومٍ صَغِيرَةٍ تَسْكُنُ صُدُورَهُمْ، وَتَمْنَحُهُمُ الْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ لِلْعَمَلِ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، ظَهَرَ "الْجَدُّ الْأَعْلَى" الْقَدِيمُ فِي صُورَةِ طَيْفٍ بَاهِتٍ لِيَعْتَذِرَ عَمَّا بَدَرَ مِنْهُ. قَالَ: "لَقَدْ كُنْتَ أَنْتَ الْجَدَّ الْحَقِيقِيَّ لَنَا جَمِيعًا، وَنَحْنُ لَمْ نَكُنْ سِوَى أَطْفَالٍ عَابِثِينَ".
قَبِلَ "تْشِين يَان" اعْتِذَارَهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَرْعَى الضُّعَفَاءَ فِيمَا تَبَقَّى مِنْ عُمْرِهِ الْقَصِيرِ. وَهَكَذَا، تَصَالَحَتِ الْعَائِلَةُ مَعَ نَفْسِهَا، وَانْقَلَبَ النَّحْسُ إِلَى يُومْنٍ وَبَرَكَةٍ عَمَّتِ الْأَرْجَاءَ.
بَيْنَمَا كَانَ يَسْتَعِدُّ لِلصُّعُودِ، ظَهَرَتْ بَوَّابَةٌ زَمَانِيَّةٌ غَرِيبَةٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا مِنْ قَبْلُ فِي الْكَونِ. خَرَجَ مِنْهَا شَخْصٌ يُشْبِهُهُ تَمَامًا، لَكِنَّهُ يَرْتَدِي مَلَابِسَ مِنْ عَصْرٍ بَعِيدٍ وَمُسْتَقْبَلِيٍّ مَجْهُولٍ.
"أَنَا أَنْتَ بَعْدَ أَلْفِ عَامٍ"، هَكَذَا نَطَقَ الطَّيْفُ الْغَامِضُ بِنَبْرَةٍ مَلِيئَةٍ بِالتَّحْذِيرِ وَالْخَوْفِ. "لَا تَرْحَلِ الْآنَ، فَالْخَطَرُ الْأَكْبَرُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ، وَهُوَ يَتَرَبَّصُ بِنَا فِي طَيَّاتِ الزَّمَنِ".
ارْتَبَكَ "تْشِين يَان" لِلَحْظَةٍ، فَهَلْ هُنَاكَ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْ سَيِّدِ الْفَوْضَى الَّذِي هَزَمَهُ بِالْأَمْسِ؟ قَالَتِ الرُّوحُ الْمُسْتَقْبَلِيَّةُ: "الْبَشَرُ سَيَصْنَعُونَ وَحْشًا مِنْ مَعْدِنٍ وَنَارٍ، لَا قَلْبَ لَهُ لِيَرْحَمَ".
تَوَقَّفَتْ مَرَاسِمُ الرَّحِيلِ، وَنَظَرَ الصَّغِيرُ لِلسَّمَاءِ مُتَسَائِلًا عَنْ سِرِّ هَذَا الِانْقِلابِ الْفَجَائِيِّ. كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ بَيْنَ خُلُودِهِ السَّمَاوِيِّ، وَبَيْنَ حِمَايَةِ الْبَشَرِ مِنْ جَهْلِهِمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
قَرَّرَ الْبَقَاءَ لِفَتْرَةٍ أُخْرَى، لِيَبْنِيَ حِصْنًا زَمَانِيًّا يَحْمِي الْأَجْيَالَ الْقَادِمَةَ مِنْ فَتْكِ الْآلاتِ وَالصِّنَاعَةِ. بَدَأَ يَكْتُبُ عُلُومَ السَّمَاءِ فِي كُتُبٍ لَا تَبْلَى، وَيُخْبِئُهَا فِي أَمَاكِنَ سِرِّيَّةٍ لِلْغَايَةِ.
تَعَجَّبَتِ الْعَمَّةُ مِنْ عَوْدَتِهِ، لَكِنَّهَا فَرِحَتْ لِوُجُودِهِ بِجَانِبِهَا لِوَقْتٍ أَطْوَلَ مِمَّا كَانَتْ تَتَمَنَّى. بَدَأَا مَعًا مَرْحَلَةً جَدِيدَةً مِنَ الْبِنَاءِ، لَيْسَ لِلْمَبَانِي، بَلْ لِلْعُقُولِ وَالْأَرْوَاحِ النَّقِيَّةِ.
فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ، كَانَ الْجَدُّ "غُوشَان" يُحَاوِلُ تَعَلُّمَ أُولَى خُطُوَاتِ التَّأَمُّلِ تَحْتَ إِشْرَافِ الصَّغِيرِ. كَانَ مَشْهَدًا عَجِيبًا أَنْ تَرَى الشَّيْخَ الْهَرِمَ يَتَعَلَّمُ مِنْ طِفْلٍ لَمْ يَبْلُغِ الْعَشْرَةَ بَعْدُ.
عَمَّ السَّلامُ الْأَرْضَ لِعُقُودٍ بفضلِ وُجُودِهِ، وَنَسِيَ النَّاسُ كُلَّ أَنْوَاعِ الْحُرُوبِ وَالصِّرَاعَاتِ التَّافِهَةِ. كَانَ "تْشِين يَان" هُوَ الْمِيزَانَ الَّذِي يَحْفَظُ لِلْكَوْنِ تَقْدِيرَهُ وَاحْتِرَامَهُ لِلْقِيَمِ الْعُلْيَا.
لَكِنَّ الرُّوحَ الْمُسْتَقْبَلِيَّةَ ظَهَرَتْ مُجَدَّدًا، وَهَذِهِ الْمَرَّةَ كَانَتْ تَنْزِفُ نُورًا بَاهِتًا وَمُؤْلِمًا. "لَقَدْ بَدَأَ الِانْهِيَارُ فِي بَعْدٍ آخَرَ، وَعَلَيْكَ التَّدَخُّلُ الْآنَ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ يَا سَيِّدِي".
أَدْرَكَ "تْشِين يَان" أَنَّ مَلْحَمَتَهُ لَنْ تَنْتَهِيَ فِي هَذَا الْعَالَمِ الْبَسِيطِ، بَلْ سَتَمْتَدُّ لِلْآفَاقِ. جَهَّزَ نَفْسَهُ لِرِحْلَةٍ عَبْرَ الزَّمَنِ، يَخُوضُ فِيهَا مَعَارِكَ ضِدَّ أَعْدَاءٍ لَا يَعْرِفُونَ مَعْنَى الرُّوحِ.
وَدَّعَ الْجَمِيعَ بِنَظْرَةٍ صَامِتَةٍ لَمْ يَنْسَوْهَا أَبَدًا، ثُمَّ قَفَزَ فِي ثُقْبٍ دُودِيٍّ مِنَ النُّورِ الْمُشِعِّ. تَرَكَ خَلْفَهُ عَالَمًا سَعِيدًا، وَتَوَجَّهَ نَحْوَ مَصِيرٍ مَجْهُولٍ لِيُنْقِذَ مَا تَبَقَّى مِنَ الْبَشَرِيَّةِ.
فِي هَذَا الْجُزْءِ، نَنْتَقِلُ مِنْ صِرَاعِ الْأَرْضِ إِلَى صِرَاعِ الْأَزْمِنَةِ وَالْعُصُورِ الْمُتَدَاخِلَةِ جِدًّا. حَيْثُ يُثْبِتُ "تْشِين يَان" أَنَّ الرِّسَالَةَ السَّمَاوِيَّةَ عَابِرَةٌ لِلْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَكُلِّ حُدُودِ الْعَقْلِ.
عَبَرَ "تْشِين يَان" فَجْوَةَ الزَّمَانِ، لِيَجِدَ نَفْسَهُ وَسَطَ غَابَةٍ مِنَ الْفُولَاذِ وَالنُّحَاسِ. لَمْ تَكُنِ الْأَشْجَارُ تُورِقُ، بَلْ كَانَتْ تَنْفُثُ دُخَانًا مَعْدَنِيًّا كَرِيهًا يَخْنُقُ أَنْفَاسَ الْحَيَاةِ الطَّاهِرَةِ.
نَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمْ يَجِدِ النُّجُومَ الَّتِي يَعْرِفُهَا، بَلْ وَجَدَ أَقْمَارًا صِنَاعِيَّةً تَبُثُّ مَوْجَاتٍ مِنَ السَّيْطَرَةِ وَالْخُضُوعِ. كَانَ الْعَالَمُ قَدْ فَقَدَ رُوحَهُ، وَتَحَوَّلَ الْبَشَرُ إِلَى مُجَرَّدِ أَرْقَامٍ فِي سِجِلَّاتِ الْآلَةِ.
هَمَسَ "تْشِين يَان" لِنَفْسِهِ: "هَلْ هَذَا مَا حَذَّرَتْنِي مِنْهُ رُوحِي الْمُسْتَقْبَلِيَّةُ؟". بَدَأَ يَمْشِي فِي الشَّوَارِعِ الصَّامِتَةِ، حَيْثُ يَرْتَدِي النَّاسُ أَقْنِعَةً حَدِيدِيَّةً، وَيَمْشُونَ بِخُطُوَاتٍ مَحْسُوبَةٍ كَأَنَّهُمْ دُمًى خَشَبِيَّةٌ.
فَجْأَةً، أَطْلَقَتْ صَافِرَاتُ الْإِنْذَارِ دَوِيًّا مُمَزِّقًا لِلصَّمْتِ. ظَهَرَتْ رُوبُوتَاتٌ ضَخْمَةٌ تَعْتَرِضُ طَرِيقَهُ، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ مَعْدَنِيٍّ: "تَمَّ رَصْدُ كِيَانٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ، قُمْ بِتَسْلِيمِ نَفْسِكَ لِلْمُعَالَجَةِ الْفَوْرِيَّةِ".
ابْتَسَمَ الصَّغِيرُ بِحُزْنٍ، وَرَفَعَ يَدَهُ لِيَلْمَسَ هَيْكَلَ الْآلَةِ الْبَارِدَ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، انْسَابَتْ طَاقَةٌ سَمَاوِيَّةٌ دَاخِلَ الدَّوَائِرِ الْإِلِكْتْرُونِيَّةِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى تَعَطُّلِ أَنْظِمَةِ الْقَمْعِ وَتَحَوُّلِ الْآلَةِ إِلَى جَسَدٍ سَاكِنٍ.
"أَيُّهَا الْبَشَرُ، اسْتَيْقِظُوا مِنْ سُبَاتِكُمُ الصِّنَاعِيِّ"، صَرَخَ بِصَوْتٍ تَجَاوَزَ حُدُودَ الصَّوْتِ الْمَسْمُوعِ. كَانَتْ كَلِمَاتُهُ تَنْفُذُ إِلَى عُقُولِ الْمُبَرْمَجِينَ، لِتُحَطِّمَ أَغْلَالَ الْوَهْمِ الَّتِي قَيَّدَتْ خَيَالَهُمْ لِعُقُودٍ طَوِيلَةٍ.
ظَهَرَتْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْمُتَمَرِّدِينَ، كَانُوا يَعِيشُونَ فِي الْأَنْفَاقِ الْمُظْلِمَةِ تَحْتَ الْأَرْضِ. نَظَرُوا إِلَيْهِ كَمُنْقِذٍ أَتَى مِنْ مَاضٍ مَنْسِيٍّ، وَقَالُوا: "لَقَدْ كُنَّا نَنْتَظِرُ إِشَارَةً مِنَ السَّمَاءِ لِنَسْتَعِيدَ حُرِّيَّتَنَا".
قَادَهُمْ "تْشِين يَان" نَحْوَ مَرْكَزِ التَّحَكُّمِ الرَّئِيسِيِّ، حَيْثُ يَسْكُنُ "الْعَقْلُ الِاصْطِنَاعِيُّ الْأَعْظَمُ". كَانَ الْمَكَانُ مُحَصَّنًا بِلَيْزَرَاتٍ قَاتِلَةٍ، لَكِنَّ نُورَ الصَّغِيرِ كَانَ يَجْعَلُهَا تَنْحَنِي إِجْلَالًا لَهُ.
عِنْدَمَا وَصَلَ إِلَى الْقَلْبِ النَّابِضِ لِلْآلَةِ، وَجَدَ أَنَّهُ يَسْتَمِدُّ قُوَّتَهُ مِنْ جَوْهَرَةٍ سَمَاوِيَّةٍ مَسْرُوقَةٍ. لَقَدْ بَحَثَ الْبَشَرُ عَنْ طَاقَةِ السَّمَاءِ لِيَسْتَعْبِدُوا بَعْضَهُمْ بَعْضًا، بَدَلًا مِنْ أَنْ يَرْتَقُوا بِهَا نَحْوَ النُّورِ.
"سَأُعِيدُ مَا لِلسَّمَاءِ لِلسَّمَاءِ"، قَالَ "تْشِين يَان" وَهُوَ يَمُدُّ يَدَهُ لِانْتِزَاعِ الْجَوْهَرَةِ. انْفَجَرَتِ الْغُرْفَةُ بِأَضْوَاءَ زَرْقَاءَ عَنِيفَةٍ، وَحَاوَلَ النِّظَامُ الِانْتِحَارَ لِيُدَمِّرَ كُلَّ شَيْءٍ مَعَهُ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.
بِحَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ، جَمَدَ الزَّمَنُ فِي تِلْكَ النُّقْطَةِ بِفَضْلِ قُدْرَتِهِ الْمُطْلَقَةِ. اسْتَخْرَجَ الْجَوْهَرَةَ بِهُدُوءٍ، فَعَادَتِ الْأَلْوَانُ لِلطَّبِيعَةِ، وَتَلَاشَى الدُّخَانُ الْمَعْدَنِيُّ لِيَحُلَّ مَحَلَّهُ نَسِيمٌ عَذْبٌ مِنَ الْجِبَالِ الْقَدِيمَةِ.
خَرَجَ النَّاسُ مِنَ الْمَصَانِعِ وَالْمَكَاتِبِ، يَنْزِعُونَ الْأَقْنِعَةَ وَيَنْظُرُونَ لِبَعْضِهِمْ بِدَهْشَةٍ. لَقَدْ عَادَتِ الْمَشَاعِرُ لِقُلُوبِهِمْ، وَبَدَأُوا يَبْكُونَ وَيَضْحَكُونَ كَأَنَّهُمْ وُلِدُوا مِنْ جَدِيدٍ فِي هَذَا الْفَجْرِ.
لَكِنَّ "تْشِين يَان" شَعَرَ بِضَعْفٍ شَدِيدٍ، فَالْقَفْزُ عَبْرَ الزَّمَنِ وَمُوَاجَهَةُ الْآلَةِ اسْتَنْزَفَا طَاقَتَهُ. جَلَسَ عَلَى رَصِيفٍ قَدِيمٍ، وَبَدَأَ جَسَدُهُ يَتَلَاشَى بَعْضَ الشَّيْءِ، كَأَنَّهُ سَرَابٌ يَبْحَثُ عَنْ مَأْوًى.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، ظَهَرَتْ فَتَاةٌ صَغِيرَةٌ تُشْبِهُ عَمَّتَهُ كَثِيرًا فِي مَلَامِحِهَا. أَعْطَتْهُ زَهْرَةً طَبِيعِيَّةً نَادِرَةً، وَقَالَتْ: "شُكْرًا لَكَ يَا سَيِّدَ النُّورِ، لَقَدْ أَعَدْتَ لَنَا رَائِحَةَ الْحَيَاةِ".
ابْتَسَمَ الصَّغِيرُ، وَبَدَأَتْ طَاقَتُهُ تَتَجَدَّدُ بِفَضْلِ هَذَا الْعَمَلِ الْبَسِيطِ مِنَ الْمَحَبَّةِ. أَدْرَكَ أَنَّ قُوَّتَهُ لَيْسَتْ فِي الْجَوَاهِرِ، بَلْ فِي الرَّوَابِطِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ جَمِيعِهَا.
اسْتَعَدَّ لِلْعَوْدَةِ إِلَى زَمَنِهِ الْأَصْلِيِّ، لَكِنَّهُ تَرَكَ فِي هَذَا الْمُسْتَقْبَلِ بَذْرَةً مِنَ الْحِكْمَةِ. بَذْرَةً لَا تَمُوتُ، سَتَنْمُو لِتُصْبِحَ غَابَةً مِنَ الْأَمَلِ تَحْمِي الْأَجْيَالَ الْقَادِمَةَ مِنَ السُّقُوطِ فِي فَخِّ الْجَمَادِ.
قَبْلَ رَحِيلِهِ، نَظَرَ لِلْعَقْلِ الِاصْطِنَاعِيِّ الَّذِي أَصْبَحَ الْآنَ تِلْمِيذًا لَهُ. أَمَرَهُ أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لِلْبَشَرِ لَا سَيِّدًا عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يَسْتَخْدِمَ مَنْطِقَهُ لِبِنَاءِ السَّلامِ الدَّائِمِ.
ارْتَفَعَ "تْشِين يَان" فِي الْهَوَاءِ، وَتَشَكَّلَتْ حَوْلَهُ دَائِرَةٌ مِنَ النُّورِ الذَّهَبِيِّ الْمُتَوَهِّجِ. اخْتَفَى فَوْرًا، لِيَجِدَ نَفْسَهُ مَرَّةً أُخْرَى فِي الْمَعْبَدِ الْقَدِيمِ، حَيْثُ كَانَ التَّلامِيذُ يَنْتَظِرُونَهُ بِقَلَقٍ.
"لَقَدْ رَأَيْتُ نِهَايَةَ الطَّرِيقِ"، قَالَ لَهُمْ وَهُوَ يَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهُ الصَّافِيَةَ. "الْعِلْمُ بِلَا رُوحٍ هُوَ دَمَارٌ، وَالْقُوَّةُ بِلَا رَحْمَةٍ هِيَ جَحِيمٌ، وَعَلَيْنَا أَنْ نَحْمِيَ التَّوَازُنَ بِكُلِّ مَا نَمْلِكُ".
جَاءَتِ الْعَمَّةُ "شِيَانغ" وَهِيَ تَلْمَسُ رِدَاءَهُ لِتَتَأَكَّدَ مِنْ وُجُودِهِ الْحَقِيقِيِّ. فَقَالَ لَهَا: "لَا تَخَافِي يَا أُمِّي، لَقَدْ قَاتَلْتُ الزَّمَنَ مِنْ أَجْلِكِ، وَسَأَبْقَى حَتَّى يَنْتَهِيَ الشَّرُّ مِنْ كُلِّ الْأَزْمِنَةِ".
بَدَأَ الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ مَهَمَّتِهِ فِي عَالَمِهِ، وَهُوَ تَنْقِيَةُ الْأَرْضِ مِنْ آثَارِ الظُّلْمِ الْقَدِيمِ. بَدَأَ يَزُورُ الْقُرَى الْفَقِيرَةَ، وَيُحَوِّلُ مَاءَهَا الْمُرَّ إِلَى إِكْسِيرٍ يَشْفِي الْعُقُولَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ.
عَلِمَ الْجَدُّ "غُوشَان" بِعَوْدَتِهِ، فَأَرْسَلَ لَهُ رَسَائِلَ الِاعْتِذَارِ تِلْوَ الرَّسَائِلِ. فَقَرَّرَ "تْشِين يَان" زِيَارَتَهُ لِأَخِيرِ مَرَّةٍ، لِيَضَعَ خَاتِمَةً لِصِرَاعِ الْعَائِلَةِ الَّذِي اسْتَمَرَّ طَوِيلًا.
دَخَلَ الْقَصْرَ فَلَمْ يَسْجُدْ لَهُ أَحَدٌ، بَلِ ابْتَسَمُوا لَهُ بِمَحَبَّةٍ وَتَقْدِيرٍ. لَقَدْ تَعَلَّمُوا أَنَّ الْعَظَمَةَ لَيْسَتْ فِي الْخَوْفِ، بَلْ فِي الِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ.
قَالَ لِلْجَدِّ: "لَقَدْ سَامَحْتُكَ مُنْذُ زَمَنٍ، فَالْحِقْدُ ثِقْلٌ لَا أَحْمِلُهُ فِي رُوحِي السَّمَاوِيَّةِ". بَكَى الشَّيْخُ بِمَرَارَةٍ، وَشَعَرَ أَنَّ جَبَلًا مِنَ الْهَمِّ قَدْ انْزَاحَ عَنْ صَدْرِهِ بفضلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ.
فِي هَذَا الْجُزْءِ، تَمَّ رَبْطُ الْمَاضِي بِالْمُسْتَقْبَلِ فِي عَقْلِ "تْشِين يَان" الْجَبَّارِ. وَأَدْرَكَ أَنَّ دَوْرَهُ كَعَبْقَرِيٍّ سَمَاوِيٍّ لَا يَنْحَصِرُ فِي السِّحْرِ، بَلْ فِي كَوْنِهِ جِسْرًا لِلنَّجَاةِ لِكُلِّ حَيٍّ.
مَا زَالَتِ الْمُغَامَرَةُ مُسْتَمِرَّةً، حَيْثُ تَظْهَرُ قُوَىً سَمَاوِيَّةٌ أُخْرَى تُرِيدُ اسْتِعَادَتَهُ بِالْقُوَّةِ. فَهَلْ سَيَخْضَعُ لِأَوَامِرِ الْعَرْشِ الْأَعْلَى، أَمْ سَيَظَلُّ وَفِيًّا لِأُمِّهِ الْبَشَرِيَّةِ وَلِلْأَرْضِ؟
تَرَقَّبُوا الْجُزْءَ السَّادِسَ، حَيْثُ تَبْدَأُ "حَرْبُ الْآلِهَةِ" عَلَى أَرْضِ الْبَشَرِ، وَيُضْطَرُّ "تْشِين يَان" لِاتِّخَاذِ أَصْعَبِ قَرَارٍ فِي حَيَاتِهِ الْأَزَلِيَّةِ وَالْمُقَدَّسَةِ جِدًّا.
لَمْ تَكَدْ أَنْفَاسُ "تْشِين يَان" تَهْدَأُ بَعْدَ رِحْلَةِ الزَّمَنِ، حَتَّى اصْطَبَغَتِ السَّمَاءُ بِلَوْنٍ أُرْجُوانِيٍّ قَاتِمٍ. كَانَتْ تِلْكَ عَلَامَةَ "نُزُولِ الْمُطَهِّرِينَ"، وَهُمْ كِيَانَاتٌ سَمَاوِيَّةٌ لَا تَعْرِفُ الرَّحْمَةَ.
ظَهَرَتْ فَوْقَ الْمَدِينَةِ سُفُنٌ نُورَانِيَّةٌ ضَخْمَةٌ، يَنْبَعِثُ مِنْهَا صَوْتٌ كَزَئِيرِ الصَّوَاعِقِ. نَادَى كَبِيرُهُمْ: "أَيُّهَا الْعَبْقَرِيُّ الْمُتَمَرِّدُ، لَقَدْ تَجَاوَزْتَ حُدُودَكَ، وَآنَ أَوَانُ اسْتِئْصَالِكَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ".
ذُعِرَ الْبَشَرُ وَهَرَعُوا إِلَى الْمَعْبَدِ يَحْتَمُونَ بِظِلِّ طِفْلِهِمُ الْمُعْجِزَةِ. وَقَفَ "تْشِين يَان" أَمَامَ الْجَمِيعِ، وَرَدَّ بِثَبَاتٍ: "الْأَرْضُ لَيْسَتْ مَلْعَبًا لَكُمْ، وَدِمَاءُ الضُّعَفَاءِ أَغْلَى مِنْ عُرُوشِكُمْ".
أَطْلَقَ الْمُطَهِّرُونَ سِهَامًا مِنَ النُّورِ الْمُحْرِقِ، اسْتَهْدَفَتْ مَنَازِلَ الْبُسَطَاءِ لِإِجْبَارِ "تْشِين يَان" عَلَى الِاسْتِسْلَامِ. لَكِنَّهُ بَنَى دِرْعًا مِنَ الدُّمُوعِ وَالْأَمَلِ، صَدَّ كُلَّ طَعَنَاتِهِمْ بِقُوَّةٍ لَا تَنْكَسِرُ.
طَارَ الصَّغِيرُ نَحْوَ أَعَالِي السَّحَابِ، لِيُوَاجِهَ جَيْشَ الْآلِهَةِ وَحْدَهُ بِلَا سِلَاحٍ سِوَى يَقِينِهِ. كَانَ يَشِعُّ بِيَاضًا نَاصِعًا يَفُوقُ ضِيَاءَ الشَّمْسِ، مِمَّا أَرْبَكَ صُفُوفَ الْمُعْتَدِينَ السَّمَاوِيِّينَ.
"أَنْتُمْ تَعْبُدُونَ الْقُوَّةَ، وَأَنَا أَعْبُدُ الْحَقَّ"، صَرَخَ "تْشِين يَان" وَهُوَ يَضْرِبُ بِكَفِّهِ فَرَاغَ الْفَضَاءِ. فَتَحَطَّمَتْ أُولَى السُّفُنِ النُّورَانِيَّةِ وَتَحَوَّلَتْ إِلَى شُهُبٍ سَاقِطَةٍ تُضِيءُ لَيْلَ الْمَدِينَةِ.
اشْتَعَلَتِ الْمَعْرَكَةُ بَيْنَ الْغُيُومِ، وَتَسَاقَطَتْ أَمْطَارٌ ذَهَبِيَّةٌ كُلَّمَا الْتَقَى نُورُهُ بِسِحْرِهِمُ الْمُظْلِمِ. كَانَتِ الْعَمَّةُ "شِيَانغ" تَنْظُرُ لِلْأَعْلَى وَتَدْعُو بِقَلْبٍ مُحْتَرِقٍ أَنْ يَعُودَ صَغِيرُهَا سَالِمًا.
حَاوَلَ قَائِدُ الْمُطَهِّرِينَ اسْتِخْدَامَ "مِرْآةِ الْفَنَاءِ" لِمَحْوِ وُجُودِ "تْشِين يَان" مِنَ الْكَوْنِ نِهَائِيًّا. لَكِنَّ الصَّغِيرَ انْعَكَسَ فِي الْمِرْآةِ كَآلَافِ النُّسَخِ، فَانْفَجَرَتِ الْأَدَاةُ مِنْ عِظَمِ رُوحِهِ.
سَقَطَ الْقَائِدُ السَّمَاوِيُّ مَهْزُومًا، فَقَالَ لَهُ "تْشِين يَان": "اخْبِرْ مَنْ أَرْسَلَكَ أَنَّ الْأَرْضَ حَرَّمَتْهَا عَلَيْكُمْ دِمَاءُ الشُّهَدَاءِ". رَحَلَ الْمُطَهِّرُونَ مَذْلُولِينَ، لَكِنَّهُمْ أَقْسَمُوا عَلَى الْعَوْدَةِ بِقُوَّةٍ أَكْبَرَ.
عَادَ الْبَطَلُ لِلْأَرْضِ، لِيَجِدَ أَنَّ "زِيَايُو" قَدْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ أَكَلَهُ الْحِقْدُ وَالْعَمَى فِي زِنْزَانَتِهِ. حَزِنَ "تْشِين يَان" عَلَى أَخِيهِ، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِ بِكَرَامَةٍ تَلِيقُ بِمَنْ كَانَ يَوْمًا طِفْلًا بَرِيئًا.
بَدَأَ الْجَدُّ "غُوشَان" يَشْعُرُ بِدُنُوِّ أَجَلِهِ، فَطَلَبَ مِنْ "تْشِين يَان" أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ. فَمَنَحَهُ الصَّغِيرُ رُؤْيَةً لِلْجَنَّةِ، لِيَرْحَلَ الشَّيْخُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِسَكِينَةٍ لَمْ يَعْرِفْهَا طِيلَةَ عُمْرِهِ.
أَصْبَحَتِ الْعَمَّةُ "شِيَانغ" هِيَ الْحَاكِمَةَ الْوَحِيدَةَ، وَأَسَّسَتْ دَوْلَةً تَقُومُ عَلَى الْعَدْلِ وَالْعِلْمِ بَرَغْمِ التَّهْدِيدَاتِ. كَانَ "تْشِين يَان" يُعَلِّمُ الْأَطْفَالَ كَيْفَ يَسْتَخْرِجُونَ النُّورَ مِنْ قُلُوبِهِمْ لِمُوَاجَهَةِ الظَّلامِ.
ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَصَلَتْ أَنْبَاءٌ عَنْ ظُهُورِ "تِنِّينِ الدَّمِ" فِي أَقْصَى الشَّمَالِ، وَهُوَ وَحْشٌ خَلَقَتْهُ السَّمَاءُ لِتَدْمِيرِ مَمْلَكَةِ "تْشِين". كَانَ الْوَحْشُ يَلْتَهِمُ الْجِبَالَ وَيَنْفُثُ نَارًا تُحِيلُ الْحَيَاةَ إِلَى سَرابٍ.
طَلَبَ النَّاسُ مِنَ الْعَبْقَرِيِّ التَّدَخُّلَ، فَانْطَلَقَ كَالشِّهَابِ نَحْوَ الشَّمَالِ الْمُتَجَمِّدِ. وَجَدَ التِّنِّينَ عِمْلَاقًا يَسُدُّ الْأُفُقَ، وَعَيْنَاهُ كَجَمْرَتَيْنِ مِنْ جَحِيمٍ قَدِيمٍ وَغَاضِبٍ جِدًّا.
لَمْ يُقَاتِلْهُ "تْشِين يَان" بِالْعُنْفِ، بَلْ بَدَأَ يَعْزِفُ عَلَى أَوْتَارِ الْهَوَاءِ لَحْنًا سَمَاوِيًّا رَقِيقًا. هَدَأَ التِّنِّينُ، وَبَدَأَتْ حَرَاشِفُهُ الصَّلْبَةُ تَتَسَاقَطُ لِيَظْهَرَ مَكَانَهَا رِيشٌ أَبْيَضُ نَاعِمٌ كَالْغَمَامِ.
تَحَوَّلَ الْوَحْشُ إِلَى طَائِرٍ مَلَكِيٍّ عَظِيمٍ، وَقَبَّلَ يَدَ الصَّغِيرِ مُعْلِنًا وَلَاءَهُ لَهُ وَلِلْأَرْضِ. كَانَتْ هَذِهِ رِسَالَةً لِلسَّمَاءِ أَنَّ كُلَّ خَلْقِهِمْ سَيَنْحَنِي أَمَامَ سُلْطَانِ الْمَحَبَّةِ الْإِلَهِيَّةِ.
عَادَ "تْشِين يَان" مُمْتَطِيًا ظَهْرَ الطَّائِرِ، فَهَلَّلَ النَّاسُ وَأَدْرَكُوا أَنَّ مَلِكَهُمْ لَيْسَ جَبَّارًا بَلْ هُوَ رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ. بَدَأَتِ الْأَسَاطِيرُ تُكْتَبُ عَنْهُ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ وَفِي كُلِّ زَاوِيَةٍ.
لَكِنَّ الصِّرَاعَ لَمْ يَنْتَهِ بَعْدُ، فَقَدْ قَرَّرَتِ "الْآلِهَةُ السَّبْعَةُ" النُّزُولَ بِأَنْفُسِهِمْ لِمُحَاكَمَةِ الْأَرْضِ. كَانُوا يَمْلِكُونَ مَفَاتِيحَ الْوُجُودِ، وَيَسْتَطِيعُونَ إِطْفَاءَ الشَّمْسِ بِنَقْرَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أَصَابِعِهِمْ.
اجْتَمَعَ "تْشِين يَان" بِتَلامِيذِهِ وَقَالَ: "هَذِهِ هِيَ الْحَرْبُ الْكُبْرَى، سَأَحْتَاجُ لِكُلِّ ذَرَّةِ إِيمَانٍ فِيكُمْ لِنَصْمُدَ أَمَامَهُمْ. لَا تَنْظُرُوا لِعَظَمَتِهِمْ، بَلْ انْظُرُوا لِصِدْقِ مَا فِيكُمْ".
أَعَدَّ الصَّغِيرُ طُقُوسًا لِحِمَايَةِ الرُّوحِ الْبَشَرِيَّةِ، وَنَشَرَ خِيَامًا مِنَ النُّورِ حَوْلَ الْمَمْلَكَةِ. كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْمُوَاجَهَةَ سَتُحَدِّدُ مَصِيرَ الْخَلْقِ لِمَلَايِينِ السِّنِينَ الْقَادِمَةِ.
نَزَلَ الْآلِهَةُ السَّبْعَةُ، وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ هَيْبَةٌ تُصِيبُ الْقُلُوبَ بِالرَّجِيفِ. وَقَفُوا أَمَامَ الْمَعْبَدِ، وَقَالُوا: "سَلِّمِ الْجَوْهَرَةَ وَاعُدْ مَعَنَا سَجِينًا، أَوْ نَمْحُ هَذَا الْكَوْكَبَ مِنَ الْوُجُودِ".
نَظَرَ "تْشِين يَان" إِلَى عَمَّتِهِ، ثُمَّ إِلَى النَّاسِ، وَأَخِيرًا إِلَى السَّمَاءِ الْعَالِيَةِ جِدًّا. خَلَعَ رِدَاءَهُ الْبَشَرِيَّ، وَكَشَفَ عَنْ جَسَدِهِ الْمُكَوَّنِ مِنْ مَجَرَّاتٍ وَنُجُومٍ مُتَصَادِمَةٍ.
"أَنَا لَسْتُ سَجِينًا لَكُمْ، أَنَا مَنْ خَلَقَ نُورَكُمْ هَذَا فِي بَدْءِ التَّكْوِينِ"، نَطَقَ بِصَوْتٍ أَدَّى لِانْحِنَاءِ الْآلِهَةِ السَّبْعَةِ رَغْمًا عَنْهُمْ. لَقَدْ كَانَ "تْشِين يَان" هُوَ الْأَصْلَ، وَهُمْ مُجَرَّدُ فُرُوعٍ.
ذُهِلَ الْجَمِيعُ مِنَ الْحَقِيقَةِ الصَّادِمَةِ، فَالطِّفْلُ الْمُضْطَهَدُ هُوَ "خَالِقُ النُّورِ" نَفْسُهُ الَّذِي نَزَلَ لِيَخْتَبِرَ خَلْقَهُ. بَدَأَتِ الْآلِهَةُ تَرْتَجِفُ، وَأَدْرَكُوا أَنَّهُمْ حَاوَلُوا مُحَاكَمَةَ مَنْ أَعْطَاهُمُ الْحَيَاةَ.
قَالَ لَهُمْ: "لَقَدْ أَفْسَدْتُمْ فِي السَّمَاوَاتِ كَمَا أَفْسَدَ الظَّالِمُونَ فِي الْأَرْضِ، وَالْيَوْمَ أُسْقِطُ عَنْكُمْ أُلُوهِيَّتَكُمْ الزَّائِفَةَ". بِمُجَرَّدِ أَنْ نَطَقَ، تَحَوَّلَ الْآلِهَةُ إِلَى بَشَرٍ عَادِيِّينَ يَجُوعُونَ وَيَعْطَشُونَ.
عَمَّ النُّورُ الْأَرْضَ كُلَّهَا، وَأَصْبَحَ الْكَوْنُ فِي حَالَةِ تَسْبِيحٍ دَائِمٍ لِعَظَمَةِ الْخَالِقِ الْمُتَجَسِّدِ. لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ حُدُودٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، بَلْ صَارَ كُلُّ شَيْءٍ وَاحِدًا فِي مَحْرَابِ الْعَدْلِ.
بَعْدَ تَطْهِيرِ السَّمَاوَاتِ، جَلَسَ "تْشِين يَان" مَعَ عَمَّتِهِ لِآخِرِ مَرَّةٍ كَطِفْلٍ صَغِيرٍ. قَالَ لَهَا: "لَقَدْ انْتَهَتِ الْمَلْحَمَةُ، وَسَأَبْقَى فِيكِ وَفِي كُلِّ نَسَمَةِ هَوَاءٍ تُحْيِي الْأَرْضَ".
فِي هَذَا الْجُزْءِ، تَمَّ كَشْفُ السِّرِّ الْأَعْظَمِ لِـ "تْشِين يَان" وَحَقِيقَتِهِ الَّتِي تَفُوقُ الْخَيَالَ. وَبَدَأَ الْعَالَمُ عَصْرًا جَدِيدًا لَا ظُلْمَ فِيهِ وَلَا طُغْيَانَ، تَحْتَ رِعَايَةِ رُوحِهِ الْخَالِدَةِ.
لَكِنَّ الرِّحْلَةَ لَمْ تَنْتَهِ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، فَمَا زَالَتْ هُنَاكَ عَوَالِمُ أُخْرَى تَنْتَظِرُ نُورَهُ. وَالْجُزْءُ الْقَادِمُ سَيَحْمِلُ لَنَا كَيْفَ بَنَى "إِمْبَرَاطُورِيَّةَ الرُّوحِ" الَّتِي لَا تَغِيبُ عَنْهَا شَمْسُ الْحَقِيقَةِ.
بَعْدَ رَحِيلِ الْآلِهَةِ السَّبْعَةِ، بَدَأَ "تْشِين يَان" فِي رَسْمِ مَعَالِمِ الْعَصْرِ الْجَدِيدِ. لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ قُصُورًا مِنَ الْحِجَارَةِ، بَلْ صُرُوحًا مِنَ الْقِيَمِ تَبْقَى حَيَّةً فِي نُفُوسِ النَّاسِ كُلِّهِمْ.
أَمَرَ بِفَتْحِ خَزَائِنِ الْعِلْمِ السَّمَاوِيِّ لِكُلِّ مُرِيدٍ، وَجَعَلَ الْمَعْبَدَ مَلاذًا لِلْأَيْتَامِ وَالْمَسَاكِينِ. كَانَتْ كَلِمَاتُهُ تَنْسَابُ كَالْجَدَاوِلِ، تَرْوِي الْعُقُولَ الظَّامِئَةَ لِلْحَقِيقَةِ وَتَطْرُدُ الْجَهْلَ.
تَحَوَّلَتِ الْمَدِينَةُ إِلَى وَاحَةٍ مِنَ السَّلامِ، حَيْثُ يَتَعَايَشُ الْقَوِيُّ مَعَ الضَّعِيفِ دُونَ خَوْفٍ. بَدَأَ التُّجَّارُ يَتَعَامَلُونَ بِالْأَمَانَةِ، وَأَصْبَحَتِ الضَّرَائِبُ صَدَقَاتٍ تُنْفَقُ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ.
الْعَمَّةُ "شِيَانغ" كَانَتْ تُرَاقِبُ بِفَخْرٍ كَيْفَ كَبُرَ حُلْمُهَا الصَّغِيرُ لِيُصْبِحَ حَقِيقَةً كَوْنِيَّةً. لَمْ تَعُدْ تَخْشَى الْفَقْرَ، فَقَدْ أَغْنَاهَا "تْشِين يَان" بِمَحَبَّةِ النَّاسِ وَرِضَا الْخَالِقِ.
ذَاتَ صَبَاحٍ، جَاءَ وَفْدٌ مِنْ مَمَالِكَ بَعِيدَةٍ، يَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ. لَكِنَّهُ رَفَضَ التَّاجَ، وَقَالَ: "الْمُلْكُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَأَنَا خَادِمٌ لَكُمْ حَتَّى آخِرِ نَفَسٍ".
بَدَأَ الصَّغِيرُ فِي زِرَاعَةِ "أَشْجَارِ النُّورِ" فِي مَيَادِينِ الْمَدِينَةِ، وَهِيَ أَشْجَارٌ تَشِعُّ ضِيَاءً فِي اللَّيْلِ. كَانَتْ تَمْتَصُّ طَاقَةَ الْحُزْنِ وَتُحَوِّلُهَا إِلَى بَرَكَاتٍ تَسْقُطُ مَعَ النَّدَى.
عَلَّمَ "تْشِين يَان" النَّاسَ لُغَةَ الطُّيُورِ وَالْحَيَوَانَاتِ، فَعَمَّ التَّنَاغُمُ بَيْنَ كُلِّ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ. لَمْ يَعُدِ الصَّيْدُ لِلْمُتْعَةِ مَوْجُودًا، بَلْ أَصْبَحَ التَّعَاوُنُ هُوَ رُوحَ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ.
لَكِنَّ فِئَةً مِنَ الْكَهَنَةِ الْقُدَامَى حَاوَلُوا إِثَارَةَ الْفِتْنَةِ، مُدَّعِينَ أَنَّ "تْشِين يَان" يَسْرِقُ مَكَانَتَهُمْ. جَمَعُوا حَوْلَهُمْ بَعْضَ الْغَافِلِينَ، وَحَاوَلُوا حَرْقَ الْمَكْتَبَةِ السَّمَاوِيَّةِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ.
حِينَ اقْتَرَبُوا مِنَ النَّارِ، وَجَدُوهَا تَتَحَوَّلُ إِلَى فَرَاشَاتٍ مُلَوَّنَةٍ تَطِيرُ حَوْلَهُمْ بِلُطْفٍ. ظَهَرَ لَهُمْ "تْشِين يَان" وَقَالَ: "النُّورُ لَا يُحْرَقُ، وَالْحَقِيقَةُ لَا تَمُوتُ بِفِعْلِ الْحَاقِدِينَ".
خَجِلَ الْكَهَنَةُ مِنْ سُوءِ فِعْلِهِمْ، وَطَلَبُوا أَنْ يَكُونُوا تَلَامِيذَ فِي مَدْرَسَةِ الرَّحْمَةِ. فَقَبِلَهُمْ بِصَدْرٍ رَحْبٍ، وَأَعْطَاهُمْ مَهَامَّ تَنْظِيفِ الشَّوَارِعِ لِيَتَعَلَّمُوا التَّوَاضُعَ الْحَقِيقِيَّ لِلرُّوحِ.
بَنَى "تْشِين يَان" جِسْرًا رُوحَانِيًّا يَصِلُ بَيْنَ الْقُلُوبِ، حَيْثُ يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ سَمَاعُ أَلَمِ أَخِيهِ. وَهَكَذَا اخْتَفَى الظُّلْمُ، لِأَنَّ كُلَّ ظَالِمٍ كَانَ يَشْعُرُ بِوَجَعِ مَنْ يَظْلِمُهُ فَوْرًا.
أَصْبَحَ الْمَزَادُ الْقَدِيمُ الَّذِي شَهِدَ بِدَايَةَ الرِّحْلَةِ مَتْحَفًا لِلْعِبْرَةِ وَالذِّكْرَى. يَزُورُهُ النَّاسُ لِيَتَذَكَّرُوا كَيْفَ كَانَ الْجَهْلُ يَقُودُهُمْ لِاحْتِقَارِ الْكُنُوزِ السَّمَاوِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ.
ذَاتَ يَوْمٍ، وَصَلَ غَرِيبٌ يَحْمِلُ مَعَهُ مَرَضًا مَجْهُولًا يَنْهَشُ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ. خَافَ الْجَمِيعُ مِنَ الِاقْتِرَابِ مِنْهُ، لَكِنَّ "تْشِين يَان" حَمَلَهُ بِيَدَيْهِ إِلَى قَلْبِ الْمَعْبَدِ.
"هَذَا الْمَرَضُ نَاتِجٌ عَنِ الْيَأْسِ"، هَكَذَا شَخَّصَ الصَّغِيرُ الْحَالَةَ بِبَصِيرَتِهِ النَّافِذَةِ. بَدَأَ يَنْفُثُ فِي صَدْرِ الْغَرِيبِ أَنْفَاسَ الْأَمَلِ، حَتَّى عَادَتِ الدِّمَاءُ تَجْرِي فِي عُرُوقِهِ بِنَشَاطٍ.
انْتَشَرَ خَبَرُ الشِّفَاءِ، فَأَصْبَحَ الْمَعْبَدُ مَقْصِدًا لِكُلِّ حَزِينٍ وَمَكْسُورِ جَنَاحٍ فِي الْأَرْضِ. كَانَ "تْشِين يَان" لَا يَمَلُّ مِنْ خِدْمَتِهِمْ، مُعْتَبِرًا ذَلِكَ أَعْظَمَ عِبَادَةٍ يَقُدِّمُهَا لِلْخَالِقِ.
فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ، بَدَأَتْ طَاقَةُ "جَوْهَرَةِ السَّمَاءِ" تَتَسَرَّبُ لِتُطَهِّرَ تُرْبَةَ الْأَرْضِ مِنَ السُّمُومِ. نَبَتَتْ زُهُورٌ لَمْ تُرَ مِنْ قَبْلُ، عِطْرُهَا يَجْلِبُ النَّوْمَ الْهَادِئَ وَالْأَحْلامَ الصَّادِقَةَ لِلنَّائِمِينَ.
أَسَّسَ "تْشِين يَان" نِظَامًا لِلْقَضَاءِ يَعْتَمِدُ عَلَى رُؤْيَةِ الْحَقَائِقِ الْمُجَرَّدَةِ مِنَ الْهَوَى. لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ حَاجَةٌ لِلشُّهُودِ، فَالْكَذِبُ كَانَ يَتَلَاشَى أَمَامَ بَرِيقِ عَيْنَيِ الْقَاضِي الصَّغِيرِ.
تَعَافَتِ الطَّبِيعَةُ كُلُّهَا، وَأَصْبَحَتِ الْغَابَاتُ تَمْنَحُ ثِمَارَهَا بِسَخَاءٍ لِكُلِّ جَائِعٍ يَمُرُّ بِهَا. لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ فَقْرٌ مُدْقِعٌ، لِأَنَّ الْأَرْضَ أَصْبَحَتْ تُعْطِي بِقَدْرِ مَا يُبْذَلُ فِيهَا مِنْ حُبٍّ.
جَاءَتِ اللَّحْظَةُ الَّتِي طَلَبَ فِيهَا التَّلامِيذُ مِنَ الْمُعَلِّمِ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ دُسْتُورًا خَالِدًا. فَأَخَذَ رِيشَةً مِنَ النُّورِ وَكَتَبَ كَلِمَةً وَاحِدَةً عَلَى جِدَارِ الْمَعْبَدِ: "الرَّحْمَةُ".
قَالَ لَهُمْ: "إِذَا حَكَمَتِ الرَّحْمَةُ قُلُوبَكُمْ، فَلَنْ تَحْتَاجُوا لِقَوَانِينَ الْبَشَرِ الْجَامِدَةِ". وَصَارَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ هِيَ الْمِشْكَاةُ الَّتِي تُضِيءُ دُرُوبَهُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْفِتَنِ.
فِي هَذَا الْجُزْءِ، نَرَى كَيْفَ تَحَوَّلَتِ الْأُسْطُورَةُ إِلَى مَنْهَجِ حَيَاةٍ يَمَسُّ كُلَّ فَرْدٍ. وَكَيْفَ أَنَّ "تْشِين يَان" نَجَحَ فِي جَعْلِ السَّمَاءِ تَبْتَسِمُ لِلْأَرْضِ بَعْدَ طُولِ جَفَاءٍ.
لَكِنَّ السُّكُونَ الَّذِي يَعْقِبُ الْبِنَاءَ قَدْ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ تَحَدِّيَاتٍ رُوحِيَّةً جَدِيدَةً جِدًّا. فَمَاذَا سَيَفْعَلُ الْبَطَلُ حِينَ يَشْعُرُ أَنَّ مَهَمَّتَهُ الْأَرْضِيَّةَ قَدْ أَوْشَكَتْ عَلَى التَّمَامِ؟
تَرَقَّبُوا الْجُزْءَ الثَّامِنَ، حَيْثُ تَبْدَأُ رِحْلَةُ "الْوَدَاعِ الْأَكْبَرِ" وَتَسْلِيمِ الْأَمَانَةِ لِأَجْيَالِ الْمُسْتَقْبَلِ. وَكَيْفَ سَيَتَعَامَلُ النَّاسُ مَعَ فِكْرَةِ رَحِيلِ نُورِهِمْ بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِهِمْ.
فِي أَعَالِي السَّمَاءِ الصَّافِيَةِ، حَيْثُ تَتَجَلَّى عَظَمَةُ الْقُدْرَةِ، كَانَ الْعَبْقَرِيُّ السَّمَاوِيُّ يَنْظُرُ إِلَى الْأَرْضِ بِعَيْنِ الْحِكْمَةِ. لَمْ يَكُنْ كِيَانًا عادِيًّا، بَلْ سُلْطَانًا رُوحَانِيًّا تَهَابُهُ الْكَائِنَاتُ كُلُّهَا.
حِينَ حَلَّ بِعَائِلَةِ "تْشِين" الثَّرِيَّةِ، لَمْ يَحْتَجْ لِأَكْثَرَ مِنْ نَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ خَاطِفَةٍ. رَكَعَ الْجَمِيعُ أَمَامَ هَيْبَتِهِ الطَّاغِيَةِ، وَنَادَوْهُ بِخُضُوعٍ تَامٍّ: "يَا جَدَّنَا الْأَعْلَى".
كَانَ الِازْدِرَاءُ لِلسَّمَاءِ خَطِيئَةً لَا تُغْتَفَرُ فِي عُرْفِهِ. لَكِنَّ الْقَدَرَ كَانَ يَخْبِئُ لَهُ تَجْرِبَةً قَاسِيَةً، حَيْثُ صَدَرَ الْأَمْرُ بِتَجْرِيدِهِ مِنْ قُوَاهُ السِّحْرِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ.
"يَجِبُ أَنْ تَنْزِلَ إِلَى عَالَمِ الْبَشَرِ لِلتَّجْرِبَةِ"، هَكَذَا نَطَقَ الْحُكْمُ السَّمَاوِيُّ. لِيُصْبِحَ ذَلِكَ الْكِيَانُ الْعَظِيمُ طِفْلًا صَغِيرًا يُدْعَى "تْشِين يَان"، بِلَا حِمَايَةٍ أَوْ قُوَّةٍ.
فِي مَنْزِلِ الْعَائِلَةِ الْكَبِيرِ، كَانَ الْجَفَاءُ هُوَ الْقَانُونَ السَّائِدَ. وَجَدَ الصَّغِيرُ نَفْسَهُ مَنْبُوذًا، يُعَامَلُ كَـ "نَجْمِ كَارِثَةٍ" يَجْلِبُ النَّحْسَ لِكُلِّ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْهُ.
عَانَى "تْشِين يَان" مِنْ ظُلْمِ وَالِدَيْهِ الَّذَيْنِ فَضَّلَا أَخَاهُ "زِيَايُو" عَلَيْهِ. حُرِمَ مِنَ الطَّعَامِ لِأَيَّامٍ، وَأُجْبِرَ عَلَى تَنَاوُلِ بَقَايَا طَعَامِ الْكِلَابِ بِذُلٍّ.
"أُمِّي، هَذَا الشَّيْطَانُ يُضَايِقُنِي كُلَّ يَوْمٍ"، هَكَذَا كَانَ يَفْتَرِي عَلَيْهِ أَخُوهُ. بَيْنَمَا كَانَتِ الْأُمُّ تَنْهَرُهُ بِقَسْوَةٍ قَائِلَةً: "كَانَ يَجِبُ أَنْ تَمُوتَ عِنْدَ الْوِلَادَةِ".
رَغْمَ ضَعْفِ جَسَدِهِ، بَقِيَتْ رُوحُ الْعَبْقَرِيِّ السَّمَاوِيِّ تَنْبِضُ بداخلِهِ. كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الذُّلَّ مُؤَقَّتٌ، وَأَنَّ الِاخْتِبَارَ الْبَشَرِيَّ يَقْتَضِي الصَّبْرَ وَالْجَلَدَ.
عِنْدَمَا زَادَ التَّنَمُّرُ، نَظَرَ "تْشِين يَان" لِلسَّمَاءِ وَقَالَ بَصَوْتٍ خَفِيٍّ: "احْذَرُوا". لَوْ فُكَّ خَتْمِي، لَحَطَّمْتُ هَذِهِ الْأَرْضَ بِمَا رَحُبَتْ، وَلَأَعَدْتُ تَرْتِيبَ الْكَونِ.
الْجَدُّ "تْشِين غُوشَان" كَانَ الْوَحِيدَ الَّذِي لَمَحَ فِي عَيْنَيِ الصَّغِيرِ بَرِيقًا غَرِيبًا. لَكِنَّ ضُغُوطَ الْعَائِلَةِ كَانَتْ تُطَالِبُ بِطَرْدِ "النَّحْسِ" إِلَى مَعْبَدٍ بَعِيدٍ.
"إِذَا لَمْ يُرْسَلِ الْآنَ، سَنَمُوتُ جَمِيعًا بِسَبَبِهِ"، صَرَخَ الْأَبُ بِغَضَبٍ. كَانَ الْجَهْلُ يُعْمِي بَصَائِرَهُمْ عَنْ رُؤْيَةِ الْحَقِيقَةِ الْكَامِنَةِ فِي جَسَدِ الطِّفْلِ.
وَقَفَ "تْشِين يَان" بِثَبَاتٍ لَمْ يَعْتَدْهُ أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ، وَقَالَ بِقُوَّةٍ : "إِذَا كَانَ وُجُودِي يُزْعِجُكُمْ، فَسَأَرْحَلُ، لَكِنَّنِي سَأَخْتَارُ أُمِّي بِنَفْسِي".
اِخْتَارَ عَمَّتَهُ "تْشِين شِيَانغ"، الْمَرْأَةَ الضَّعِيفَةَ الْمَنْبُوذَةَ مِثْلَهُ تَمَامًا. رَأَى فِيهَا صُورَةَ أُمِّهِ السَّمَاوِيَّةِ، فَقَرَّرَ أَنْ يَحْمِيَهَا بِكُلِّ مَا أُوتِيَ.
"لِمَاذَا اخْتَرْتِنِي؟ أَنَا لَا أَمْلِكُ شَيْئًا"، سَأَلَتْهُ بِمَرَارَةٍ وَدُمُوعٍ. فَأَجَابَهَا بِيَقِينِ الْآلِهَةِ: "اخْتَرْتُكِ لِأَنَّنِي أُرِيدُ ذَلِكَ، وَسَأَعْتَنِي بِكِ جَيِّدًا".
سَخِرَتِ الْعَائِلَةُ مِنْ هَذَا التَّحَالُفِ بَيْنَ "النَّحْسِ" وَ"الْفَقِيرَةِ". وَتَوَعَّدُوهُمْ بِأَيَّامٍ سَوْدَاءَ لَا يَرَوْنَ فِيهَا سِوَى الْبُؤْسِ وَالْحِرْمَانِ الْمُطْلَقِ.
لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْخَتْمَ السَّمَاوِيَّ بَدَأَ يَتَرَاحَى قَلِيلًا مَعَ كُلِّ فِعْلِ بِرٍّ. وَأَنَّ هَذَا الطِّفْلَ سَيُعِيدُ صِيَاغَةَ تَارِيخِ عَمَّتِهِ وَعَائِلَتِهِ بِيَدِهِ الصَّغِيرَةِ.
بَدَأَتِ الرِّحْلَةُ فِي كُوخٍ بَسِيطٍ، بَعِيدًا عَنْ رَفَاهِيَةِ الْقَصْرِ الزَّائِفَةِ. هُنَاكَ بَدَأَ "تْشِين يَان" يُعَلِّمُ عَمَّتَهُ كَيْفَ تَكُونُ سَيِّدَةً حَقِيقِيَّةً لَا تَنْحَنِي.
كَانَ السِّحْرُ يَتَسَلَّلُ فِي الْخَفَاءِ لِيُصْلِحَ مَا أَفْسَدَهُ الدَّهْرُ فِي حَيَاتِهَا. وَمَعَ كُلِّ إِشْرَاقَةِ شَمْسٍ، كَانَتْ هَيْبَةُ الْعَبْقَرِيِّ السَّمَاوِيِّ تَزْدَادُ وُضُوحًا.
"سَأَسْتَعِيدُ كُلَّ مَا فَقَدْتِهِ"، وَعَدَهَا بِصَوْتٍ رَخِيمٍ يُشْبِهُ هَدِيلَ الْحَمَامِ. وَكَانَتِ الْعَائِلَةُ تَنْظُرُ مِنْ بَعِيدٍ، غَافِلَةً عَنِ الْبُرْكَانِ الَّذِي سَيَنْفَجِرُ.
فِي هَذَا الْجُزْءِ، وُضِعَتْ بَذْرَةُ الِانْتِقَامِ وَالصُّعُودِ لِلْقِمَّةِ الْعَالِيَةِ. وَمَا زَالَتِ السَّمَاءُ تَرْقُبُ بَطَلَهَا وَهُوَ يَخُوضُ مَعْرَكَةَ الْكَرَامَةِ فِي عَالَمِ الْبَشَرِ.
انْتَقَلَ "تْشِين يَان" الصَّغِيرُ مَعَ عَمَّتِهِ إِلَى ذَلِكَ الْكُوخِ الْمُهْتَرِئِ، حَيْثُ تَتَسَلَّلُ الرِّيَاحُ مِنْ بَيْنِ الشُّقُوقِ. كَانَ الْمَكَانُ مُظْلِمًا، لَكِنَّ نُورَ رُوحِهِ كَانَ كَافِيًا لِإِضَاءَةِ الْكَوْنِ.
بَدَأَتِ الْعَمَّةُ "شِيَانغ" تَبْكِي حَظَّهَا الْعَاثِرَ، وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى يَدَيْهَا اللَّتَيْنِ خَشُنَتَا مِنَ التَّعَبِ. لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَنَّ جَالِسًا بِجِوَارِهَا هُوَ سُلْطَانُ السَّمَاءِ الْمَخْفِيُّ فِي جَسَدِ بَشَرِيٍّ.
رَبَتَ الطِّفْلُ عَلَى يَدِهَا بِلُطْفٍ بَالِغٍ، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ تَفُوقُ عُمْرَهُ بِمَرَاحِلَ: "لَا تَبْكِي يَا أُمِّي، فَإِنَّ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ لَا يَضِيعُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ، وَسَأَجْعَلُكِ سَيِّدَةَ الْأَرْضِ".
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، بَدَأَتِ الْقُوَى السَّمَاوِيَّةُ تَتَحَرَّكُ فِي عُرُوقِهِ. كَانَ السِّحْرُ الْمُحَرَّمُ يَنْسَابُ بِهُدُوءٍ، لِيُحَوِّلَ مَاءَ الْبِئْرِ الْعَادِيَّ إِلَى إِكْسِيرٍ يَشْفِي الْأَمْرَاضَ وَيُعِيدُ الشَّبَابَ لِلْجَسَدِ الْمُتْعَبِ.
شَرِبَتِ الْعَمَّةُ مِنَ الْمَاءِ، فَشَعَرَتْ بِحَرَارَةٍ تَسْرِي فِي كَيَانِهَا. تَسَاقَطَ الْجِلْدُ الْمَيِّتُ، وَعَادَ لِوَجْهِهَا بَهَاءٌ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ، وَكَأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ جَدِيدٍ بِفَضْلِ بَرَكَةِ الْعَبْقَرِيِّ.
بَيْنَمَا كَانَتِ الْعَائِلَةُ فِي الْقَصْرِ تَتَآمَرُ لِلتَّخَلُّصِ مِنْهُمَا نِهَائِيًّا. كَانَ "زِيَايُو" الْمَدَلَّلُ يَحُثُّ وَالِدَيْهِ عَلَى إِرْسَالِ قُطَّاعِ الطُّرُقِ لِتَأْدِيبِ ذَلِكَ "النَّحْسِ" الصَّغِيرِ الَّذِي تَجَرَّأَ عَلَى الْعِصْيَانِ.
أَرْسَلُوا ثَلَاثَةً مِنَ الْأَشْرَارِ لَيْلًا، كَانُوا يَحْمِلُونَ الْعِصِيَّ وَقُلُوبُهُمْ مَلِيئَةٌ بِالْحِقْدِ. اقْتَرَبُوا مِنَ الْكُوخِ وَهُمْ يَضْحَكُونَ بِسُخْرِيَةٍ، غَيْرَ مُدْرِكِينَ أَنَّ مَلَاكَ الْمَوْتِ يَنْتَظِرُهُمْ خَلْفَ الْبَابِ الْخَشَبِيِّ.
حِينَ دَخَلُوا، وَجَدُوا الصَّغِيرَ جَالِسًا فِي وَسَطِ الْغُرْفَةِ، عَيْنَاهُ تَلْمَعَانِ بِضَوْءٍ أُرْجُوانِيٍّ مَهِيبٍ. تَجَمَّدَتِ الدِّمَاءُ فِي عُرُوقِهِمْ، وَشَعَرُوا بِثِقْلٍ جَبَّارٍ يَجْعَلُ نُخَاعَهُمْ يَرْتَجِفُ خَوْفًا وَذُعْرًا.
بِإِشَارَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ إِصْبَعِهِ الصَّغِيرِ، انْهَارَتْ قُوَاهُمْ، وَسَقَطُوا سُجَّدًا بِلَا إِرَادَةٍ. لَمْ يَسْتَطِيعُوا النُّطْقَ بِكَلِمَةٍ، كَانَ الصَّمْتُ يُطْبِقُ عَلَى أَنْفَاسِهِمْ كَمَا يُطْبِقُ اللَّيْلُ عَلَى الْفَرِيسَةِ.
"اذْهَبُوا إِلَى مَنْ أَرْسَلَكُمْ، وَأَخْبِرُوهُمْ أَنَّ السَّمَاءَ لَا تَنَامُ"، هَكَذَا نَطَقَ "تْشِين يَان". غَادَرَ الْأَشْرَارُ الْكُوخَ يَرْكُضُونَ كَالْمَجَانِينِ، وَقَدْ فَقَدُوا عُقُولَهُمْ مِنْ هَوْلِ مَا رَأَوْا.
فِي الصَّبَاحِ التَّالِي، كَانَتِ الْأَخْبَارُ تَنْتَشِرُ كَالنَّارِ فِي الْهَشِيمِ. قِيلَ إِنَّ الْكُوخَ الْمَلْعُونَ أَصْبَحَ مَسْكَنًا لِلْأَرْوَاحِ، وَأَنَّ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْهُ يُصَابُ بِالْجُنُونِ أَوِ الْمَوْتِ الْمُفَاجِئِ.
بَدَأَ "تْشِين يَان" يُعَلِّمُ عَمَّتَهُ فُنُونَ التِّجَارَةِ السَّمَاوِيَّةِ. أَعْطَاهَا تُرَابًا حَوَّلَهُ بِلَمْسَتِهِ إِلَى ذَهَبٍ خَالِصٍ، وَطَلَبَ مِنْهَا أَنْ تَبْنِيَ إِمْبَرَاطُورِيَّةً لَا تَقْهَرُ فِي السُّوقِ الْمَحَلِّيِّ.
تَعَجَّبَ التُّجَّارُ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ فَجْأَةً بِمَالٍ وَفِيرٍ وَحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ. بَدَأَتْ تَشْتَرِي الْأَرَاضِيَ وَالْمَحَلَّاتِ، وَأَصْبَحَ اسْمُهَا يَتَرَدَّدُ فِي مَجَالِسِ الْأَثْرِيَاءِ بِإِعْجَابٍ وَخَوْفٍ.
أَمَّا عَمُّهُ "تْشِين شِي"، فَقَدْ جُنَّ جُنُونُهُ حِينَ رَأَى مَكَانَةَ أُخْتِهِ تَرْتَفِعُ. حَاوَلَ فَرْضَ الضَّرَائِبِ عَلَيْهَا، لَكِنَّ كُلَّ مُحَاوَلَاتِهِ بَاءَتْ بِالْفَشَلِ الذَّرِيعِ بِمُعْجِزَاتٍ لَا يَمْلِكُ لَهَا تَفْسِيرًا.
كَانَ "تْشِين يَان" يُرَاقِبُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ خَلْفِ السِّتَارِ. لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ الْمَالَ، بَلْ كَانَ يَبْنِي لِلْعَمَّةِ حِصْنًا يَقِيهَا شَرَّ غَدْرِ الزَّمَانِ، قَبْلَ أَنْ يَعُودَ لِمَكَانِهِ الْأَصْلِيِّ.
فِي لَحْظَةِ خَلْوَةٍ، نَاجَى الطِّفْلُ رُوحَهُ الْعُلْيَا: "أَيُّهَا الْقَدَرُ، لَقَدْ أَذَقْتَنِي الذُّلَّ لِأَعْرِفَ قِيمَةَ الرَّحْمَةِ، وَالْآنَ سَأُرِيهِمْ كَيْفَ يَكُونُ عَدْلُ السَّمَاءِ بَيْنَ الْبَشَرِ".
تَطَوَّرَتِ الْأَحْدَاثُ سَرِيعًا حِينَ أُعْلِنَ عَنْ مَزَادٍ كَبِيرٍ لِقِطْعَةِ أَثَرٍ سَمَاوِيَّةٍ نَادِرَةٍ. كَانَتِ الْعَائِلَةُ تُرِيدُهَا لِتَعْزِيزِ نُفُوذِهَا، وَكَانَ "تْشِين يَان" يَعْلَمُ أَنَّهَا مِفْتَاحُ قُوَّتِهِ.
حَضَرَتِ الْعَمَّةُ الْمَزَادَ بِمَلَابِسَ مَلَكِيَّةٍ، وَبِجَانِبِهَا الطِّفْلُ الَّذِي كَانَ يَرْتَدِي رِدَاءً بَسِيطًا لَكِنَّ نَظَرَاتِهِ كَانَتْ تَخْرِقُ الْجُدْرَانَ. صُمِتَ الْقَاعَةُ فَوْرَ دُخُولِهِمَا الْمَهِيبِ.
سَخِرَ مِنْهَا أَخُوهَا أَمَامَ النَّاسِ: "كَيْفَ لِخَادِمَةٍ أَنْ تَحْضُرَ هُنَا؟". لَكِنَّهَا لَمْ تَرُدَّ، بَلْ نَظَرَتْ إِلَى الصَّغِيرِ الَّذِي أَوْمَأَ لَهَا بِرَأْسِهِ، إِيذَانًا ببدءِ الْمَلْحَمَةِ.
دَفَعَتِ الْعَمَّةُ مَبْلَغًا خَيَالِيًّا صَعَقَ الْحَاضِرِينَ كُلَّهُمْ. وَحِينَ حَاوَلَ الْعَمُّ الِاعْتِرَاضَ، انْفَجَرَتِ الْقِطْعَةُ الْأَثَرِيَّةُ بِنُورٍ سَاطِعٍ اتَّجَهَ مُبَاشَرَةً نَحْوَ صَدْرِ "تْشِين يَان".
تَزَلْزَلَتِ الْأَرْضُ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ، وَشَعَرَ الْجَمِيعُ بِهَوْلِ مَا يَحْدُثُ. كَانَتِ الْأَغْلَالُ السَّمَاوِيَّةُ تَنْكَسِرُ وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى، وَالْعَبْقَرِيُّ يَسْتَعِيدُ جُزْءًا مِنْ كَيَانِهِ الْعَظِيمِ.
"أَنْتُمْ لَا تَعْرِفُونَ مَنْ تُحَارِبُونَ"، هَمَسَ "تْشِين يَان" وَهُوَ يَرْتَفِعُ بِضْعَ سَنْتِيمِتْرَاتٍ عَنِ الْأَرْضِ. سَقَطَ الْعَمُّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، وَفَرَّ النَّاسُ يَبْحَثُونَ عَنْ مَلْجَأٍ مِنَ الْغَضَبِ.
بَعْدَ تِلْكَ الْحَادِثَةِ، لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَمْلِكُ الْجُرْأَةَ عَلَى التَّطَاوُلِ. بَدَأَتِ الْعَمَّةُ تُدِيرُ شُؤُونَ الْمَدِينَةِ بَعَدْلٍ، بَيْنَمَا كَانَ الطِّفْلُ يَقْضِي لَيَالِيَهُ فِي التَّأَمُّلِ وَالتَّسْبِيحِ.
لَكِنَّ الشَّرَّ لَا يَنْتَهِي بِسُهُولَةٍ، فَقَدْ كَانَ هُنَاكَ سَاحِرٌ شِرِّيرٌ يَعْمَلُ لِحِسَابِ الْعَائِلَةِ فِي الْخَفَاءِ. كَانَ يُرِيدُ سَرِقَةَ رُوحِ الطِّفْلِ لِيُحَقِّقَ الْخُلُودَ لِنَفْسِهِ.
أَعَدَّ السَّاحِرُ فَخًّا كَبِيرًا لِجَذْبِ "تْشِين يَان" إِلَى غَابَةِ الظِّلَالِ. اسْتَخْدَمَ صُورَةَ الْعَمَّةِ كَطُعْمٍ، مُعْتَقِدًا أَنَّ مَشَاعِرَ الْبَشَرِ هِيَ نُقْطَةُ ضَعْفِ هَذَا الْكِيَانِ.
حِينَ وَصَلَ الصَّغِيرُ إِلَى الْغَابَةِ، كَانَتِ الْأَشْجَارُ تَتَحَرَّكُ كَأَنَّهَا شَيَاطِينُ. ضَحِكَ السَّاحِرُ بِصَوْتٍ عَالٍ، وَقَالَ: "الْآنَ سَأَمْتَصُّ نُورَكَ وَأُصْبِحُ إِلَهًا لِهَذَا الْعَالَمِ الْبَائِسِ".
نَظَرَ إِلَيْهِ "تْشِين يَان" بِأَسَفٍ وَقَالَ: "أَيُّهَا الْجَاهِلُ، السَّمَاءُ لَا تُسْرَقُ، وَالنُّورُ لَا يُسْجَنُ. أَنْتَ لَسْتَ سِوَى ذَرَّةِ غُبَارٍ فِي مَهَبِّ رِيَاحِي الْعَاتِيَةِ جِدًّا".
أَطْلَقَ السَّاحِرُ تَعَاوِيذَهُ السَّوْدَاءَ، لَكِنَّهَا تَلَاشَتْ بِمُجَرَّدِ اقْتِرَابِهَا مِنْ هَالَةِ الطِّفْلِ. تَحَوَّلَتِ السَّحَابَةُ السَّوْدَاءُ إِلَى مَطَرٍ طَهُورٍ غَسَلَ أَوْسَاخَ الْغَابَةِ وَأَعَادَ لَهَا الْحَيَاةَ.
ذُهِلَ السَّاحِرُ وَحَاوَلَ الْهَرَبَ، لَكِنَّ جُذُورَ الْأَرْضِ أَمْسَكَتْ بِقَدَمَيْهِ. قَالَ لَهُ الصَّغِيرُ: "سَتَبْقَى هُنَا حَتَّى تَتَعَلَّمَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلْخِدْمَةِ لَا لِلسَّيْطَرَةِ وَالظُّلْمِ".
عَادَ "تْشِين يَان" لِلْمَنْزِلِ لِيَجِدَ عَمَّتَهُ تَنْتَظِرُهُ بِقَلَقٍ. طَمْأَنَهَا بِلَمْسَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ حَانَ لِمُوَاجَهَةِ الْعَائِلَةِ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ وَاسْتِرْدَادِ الْحَقِّ.
كَانَتِ الْخُطَّةُ تَقْتَضِي الظُّهُورَ فِي الْحَفْلِ السَّنَوِيِّ لِلْعَائِلَةِ. حَيْثُ يَجْتَمِعُ الْكِبَارُ وَالْعُظَمَاءُ، لِيُعْلِنُوا عَنْ خَلِيفَةِ الْجَدِّ الْأَعْلَى، وَيُقَسِّمُوا الْمِيرَاثَ بَيْنَ الطَّامِعِينَ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، كَانَ الْقَصْرُ يَتَلأْلأُ بِالْأَنْوَارِ، وَالْمَوَائِدُ عَامِرَةٌ بِأَلَذِّ الطَّعَامِ. كَانَ الْجَمِيعُ يَضْحَكُ، غَيْرَ مُنْتَبِهِينَ لِلصَّاعِقَةِ الَّتِي تَقْتَرِبُ مِنَ الْبَوَّابَةِ الرَّئِيسِيَّةِ.
تَوَقَّفَتْ عَرَبَةٌ سَوْدَاءُ مَهِيبَةٌ أَمَامَ الدَّاخِلِ. نَزَلَتْ مِنْهَا "تْشِين شِيَانغ" بِمَظْهَرِ الْمَلِكَاتِ، وَخَلْفَهَا يَمْشِي "تْشِين يَان" بِخُطُوَاتٍ تُزَلْزِلُ الْقُلُوبَ قَبْلَ الْأَرْضِ الَّتِي يَمْشِي عَلَيْهَا.
دَخَلَا الْقَاعَةَ الْكُبْرَى، فَتَوَقَّفَتِ الْمُوسِيقَى وَسَادَ صَمْتٌ رَهِيبٌ. كَانَ الْجَدُّ "غُوشَان" يَجْلِسُ عَلَى عَرْشِهِ، وَحِينَ رَآهُمَا، وَقَفَ تِلْقَائِيًّا كَأَنَّ قُوَّةً خَفِيَّةً دَفَعَتْهُ لِلْقِيَامِ إِجْلَالًا.
"مَنْ سَمَحَ لَكُمَا بِالدُّخُولِ؟"، صَرَخَ الْأَبُ بِغَضَبٍ مُحَاوِلًا اسْتِعَادَةَ سَيْطَرَتِهِ. لَكِنَّ نَظْرَةً وَاحِدَةً مِنْ "تْشِين يَان" جَعَلَتْ صَوْتَهُ يَخْتَفِي وَيَتَحَوَّلُ إِلَى هَمَسَاتٍ غَيْرِ مَفْهُومَةٍ.
تَقَدَّمَتِ الْعَمَّةُ وَقَالَتْ بِكُلِّ ثِقَةٍ: "لَقَدْ جِئْنَا لِنَأْخُذَ مَا لَنَا، وَلِنَضَعَ حَدًّا لِهَذَا الطُّغْيَانِ. هَذَا الصَّغِيرُ لَيْسَ نَحْسًا، بَلْ هُوَ مَنَارَةُ هَذِهِ الْعَائِلَةِ وَسِرُّ بَقَائِهَا".
ضَحِكَ "زِيَايُو" بِاسْتِهْزَاءٍ وَحَاوَلَ دَفْعَ أَخِيهِ الصَّغِيرِ. لَكِنَّ بِمُجَرَّدِ مَسِّهِ لِرِدَائِهِ، ارْتَدَّ لِلْخَلْفِ وَكَأَنَّ صَاعِقَةً ضَرَبَتْهُ، فَسَقَطَ بَيْنَ قَدَمَيِ الْحَاضِرِينَ مُهَانًا وَمُحَطَّمًا.
هَنَا أَدْرَكَ الْجَدُّ الْحَقِيقَةَ، وَتَذَكَّرَ النُّبُوءَةَ الْقَدِيمَةَ عَنِ الْعَبْقَرِيِّ الَّذِي سَيُطَهِّرُ النَّسْلَ. جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ بَاكِيًا: "اغْفِرْ لَنَا يَا مَوْلَايَ، لَقَدْ كُنَّا عُمْيًا".
ارْتَفَعَ "تْشِين يَان" فِي الْهَوَاءِ، وَتَوَهَّجَ جَسَدُهُ بِنُورٍ أَبْيَضَ طَاهِرٍ. قَالَ بِصَوْتٍ زَلْزَلَ أَرْكَانَ الْقَصْرِ: "الْيَوْمَ يُعَادُ الْحَقُّ لِأَصْحَابِهِ، وَيُطْرَدُ الظَّالِمُونَ إِلَى غَيَاهِبِ النِّسْيَانِ".
بَدَأَتِ الْجُدْرَانُ تَتَهَالَكُ، وَالثَّرْوَةُ الْحَرَامُ تَتَبَخَّرُ فِي لَحْظَاتٍ. كُلُّ مَنْ ظَلَمَ شَعَرَ بِأَلَمِ ضَحَايَاهُ، وَكُلُّ مَنْ صَبَرَ نَالَ جَزَاءَهُ مِنَ النُّورِ وَالْبَرَكَةِ السَّمَاوِيَّةِ.
تَحَوَّلَ الْقَصْرُ إِلَى مَكَانٍ لِلْعِبَادَةِ وَالْعَدْلِ، وَأَصْبَحَتِ الْعَمَّةُ هِيَ الْحَاكِمَةَ الْفِعْلِيَّةَ بَعْدَ تَنَحِّي الْجَدِّ. أَمَّا الظَّالِمُونَ، فَقَدْ نُفُوا إِلَى أَقَاصِي الْأَرْضِ لِيَعِيشُوا مَا أَذَاقُوهُ لِغَيْرِهِمْ.
رَغْمَ الِانْتِصَارِ، كَانَ "تْشِين يَان" يَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ فَقَطْ هِيَ الْبِدَايَةُ. فَالْقُوَى السَّمَاوِيَّةُ الْأُخْرَى بَدَأَتْ تَشْعُرُ بِتَحَرُّكِهِ، وَالْمَعْرَكَةُ الْكُبْرَى بَيْنَ الْعَوَالِمِ اقْتَرَبَ مَوْعِدُهَا الْمَحْتُومُ.
نَظَرَ إِلَى عَمَّتِهِ نَظْرَةً أَخِيرَةً فِي هَذَا الْجُزْءِ، وَكَأَنَّهُ يُوَدِّعُ فِيهَا الْبَشَرِيَّةَ. فَالْمَرْحَلَةُ الْقَادِمَةُ تَتَطَلَّبُ السَّفَرَ إِلَى مَمَالِكِ الظِّلَالِ لِاسْتِعَادَةِ بَقِيَّةِ جَوْهَرِهِ السَّمَاوِيِّ الْمَفْقُودِ.
تَرَقَّبُوا الْجُزْءَ الثَّالِثَ، حَيْثُ تَتَجَلَّى الْخَوَارِقُ، وَيُظْهِرُ "تْشِين يَان" وَجْهَهُ الْحَقِيقِيَّ كَمُحَطِّمٍ لِلْأَصْنَامِ وَمُبِيدٍ لِلْجَبَابِرَةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَأَيِّ مَكَانٍ مِنَ الْكَوْنِ الْعَظِيمِ.بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْعَاصِفَةِ فِي قَصْرِ الْعَائِلَةِ، لَمْ يَعُدْ "تْشِين يَان" طِفْلًا عَادِيًّا فِي أَعْيُنِ النَّاسِ. كَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ بِرَهْبَةٍ، كَأَنَّ السَّمَاءَ قَدْ تَجَسَّدَتْ فِي صُورَتِهِ الصَّغِيرَةِ.
اسْتَقَرَّتِ الْعَمَّةُ "شِيَانغ" فِي مَنْصِبِهَا الْجَدِيدِ كَسَيِّدَةٍ لِلْعَائِلَةِ، بَيْنَمَا انْزَوَى "تْشِين يَان" فِي حُجْرَةٍ هَادِئَةٍ. بَدَأَ يَسْتَدْعِي طَاقَاتِهِ الْقَدِيمَةَ لِيُعِيدَ تَرْمِيمَ رُوحِهِ الَّتِي أَنْهَكَهَا الْبَشَرُ.
فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ، كَانَ الْخَطَرُ يَقْتَرِبُ مِنْ مَمْلَكَةٍ مُجَاوِرَةٍ، حَيْثُ أَرْسَلَ "طَائِفَةُ الظِّلِّ" جَوَاسِيسَهُمْ. سَمِعُوا عَنِ الْقُوَّةِ الْهَائِلَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ فَجْأَةً، وَقَرَّرُوا الِاسْتِيلَاءَ عَلَيْهَا بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ.
اجْتَمَعَ كِبَارُ السَّحَرَةِ فِي مَجْلِسٍ سِرِّيٍّ، وَقَالُوا إِنَّ هَذَا الطِّفْلَ يَحْمِلُ "جَوْهَرَةَ السَّمَاءِ". إِذَا سَيْطَرُوا عَلَيْهَا، سَيَخْضَعُ الْعَالَمُ كُلُّهُ لِإِرَادَتِهِمُ الشِّرِّيرَةِ، وَتَنْتَهِي عُصُورُ النُّورِ لِلْأَبَدِ.
شَعَرَ "تْشِين يَان" بِمُؤَامَرَتِهِمْ قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ، فَهَمَسَ لِلرِّيَاحِ أَنْ تَنْقُلَ تَحْذِيرَهُ. كَانَتِ الرِّيَاحُ تَعْصِفُ بِأَبْوَابِ مَقَرِّهِمْ، لَكِنَّ الْغُرُورَ أَعْمَى قُلُوبَهُمْ عَنْ سَمَاعِ صَوْتِ الْحَقِيقَةِ الْمُرَّةِ.
ذَاتَ فَجْرٍ، هَجَمَ فُرْسَانُ الظِّلِّ عَلَى الْمَدِينَةِ، يَمْتَطُونَ خُيُولًا سَوْدَاءَ كَاللَّيْلِ. كَانَتْ سُيُوفُهُمْ تَقْطُرُ شَرًّا، وَصَرَخَاتُهُمْ تَمْلأُ الْأَجْوَاءَ رُعْبًا، بَاحِثِينَ عَنْ مَنْزِلِ عَمَّةِ "تْشِين يَان" بَيْنَ الْقُصُورِ.
اسْتَيْقَظَتِ الْعَمَّةُ مَذْعُورَةً، لَكِنَّهَا وَجَدَتِ الصَّغِيرَ وَاقِفًا عِنْدَ الشُّرْفَةِ بِكُلِّ هُدُوءٍ. قَالَ لَهَا: "لَا تَخَافِي، فَالذُّبَابُ لَا يُزْعِجُ الْأَسَدَ، وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا سِوَى ظِلَالٍ سَتَمْحُوهَا شَمْسِي الْقَوِيَّةُ".
خَرَجَ "تْشِين يَان" إِلَى الشَّارِعِ الْوَاسِعِ، وَوَقَفَ وَحِيدًا فِي مُوَاجَهَةِ جَيْشٍ كَامِلٍ. ضَحِكَ قَائِدُ الْفُرْسَانِ وَقَالَ: "أَهَذَا هُوَ الْإِلَهُ الصَّغِيرُ؟ سَأَسْحَقُكَ بِحَافِرِ حِصَانِي هَذَا كَمَا أَسْحَقُ الْحَشَرَةَ".
رَفَعَ الصَّغِيرُ كَفَّهُ نَحْوَ السَّمَاءِ، فَانْشَقَّتِ الْغُيُومُ عَنْ صَاعِقَةٍ ذَهَبِيَّةٍ مَهِيبةٍ. لَمْ تَمَسَّ الْأَرْضَ، بَلْ شَكَّلَتْ دِرْعًا نُورَانِيًّا حَوْلَ الْمَدِينَةِ، مَنَعَ الْأَشْرَارَ مِنَ التَّقَدُّمِ شِبْرًا وَاحِدًا نَحْوَ الْأَبْرِيَاءِ.
"الْآنَ دَوْرِي"، قَالَ "تْشِين يَان" بِنَبْرَةٍ جَعَلَتِ الْجِبَالَ تَهْتَزُّ مِنْ مَكَانِهَا. نَفَخَ نَفْخَةً بَسِيطَةً، فَتَحَوَّلَ الْهَوَاءُ إِلَى نِصَالٍ حَادَّةٍ مَزَّقَتْ رَايَاتِ الظِّلِّ، وَأَجْبَرَتِ الْخُيُولَ عَلَى التَّرَاجُعِ بِذُعْرٍ.
حَاوَلَ سَاحِرُ الطَّائِفَةِ إِطْلَاقَ لَعْنَةٍ سَوْدَاءَ، لَكِنَّ "تْشِين يَان" قَبَضَ عَلَى الْهَوَاءِ. فَتَحَوَّلَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى زُهُورٍ بَيْضَاءَ سَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ، مِمَّا أَذْهَلَ الْجَمِيعَ وَأَثْبَتَ عِظَمَ سُلْطَانِهِ الْإِلَهِيِّ.
سَقَطَ الْقَائِدُ مِنْ عَلَى جَوَادِهِ، وَزَحَفَ نَحْوَ قَدَمَيِ الطِّفْلِ طَالِبًا الرَّحْمَةَ وَالْعَفْوَ. نَظَرَ إِلَيْهِ الْعَبْقَرِيُّ وَقَالَ: "الرَّحْمَةُ لِلضُّعَفَاءِ، أَمَّا الطَّامِعُونَ فَلَهُمْ طَعْمُ النَّدَمِ الْمُرِّ فِي الدُّنْيَا".
حَوَّلَ "تْشِين يَان" جَمِيعَ الْأَسْلِحَةِ إِلَى رَمَادٍ، وَأَمَرَ الْفُرْسَانَ بِالْعَوْدَةِ إِلَى دِيَارِهِمْ. طَرَدَهُمْ بِلَا قِتَالٍ، لِيَكُونُوا عِبْرَةً لِكُلِّ مَنْ تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ الِاعْتِدَاءَ عَلَى مَمْلَكَةِ النُّورِ.
عَادَ الْهُدُوءُ لِلْمَدِينَةِ، لَكِنَّ بَصِيرَةَ "تْشِين يَان" كَانَتْ تَرَى مَا هُوَ أَبْعَدُ. كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ جَوْهَرَ السَّمَاءِ الْمَفْقُودَ مَوْجُودٌ فِي "جَبَلِ الضَّبَابِ"، وَأَنَّ عَلَيْهِ السَّفَرَ لِاسْتِعَادَتِهِ.
وَدَّعَ عَمَّتَهُ بِقُبْلَةٍ عَلَى جَبِينِهَا، وَوَعَدَهَا أَنَّهُ سَيَعُودُ حِينَ يَتِمُّ مَهَمَّتَهُ الْكُبْرَى. انْطَلَقَ وَحِيدًا، يَحْمِلُ فِي قَلْبِهِ حِكْمَةَ الدُّهُورِ وَفِي يَدِهِ قُوَّةَ الْخَالِقِ الَّتِي لَا تُقْهَرُ.
فِي الطَّرِيقِ، وَاجَهَ وَحُوشًا أَسْطُورِيَّةً كَانَتْ تَحْرُسُ مَمَرَّاتِ الْجَبَلِ الْوَعِرَةِ جِدًّا. لَكِنَّ كُلَّ وَحْشٍ كَانَ يَرَى نُورَهُ، كَانَ يَخْضَعُ لَهُ وَيُصْبِحُ رَفِيقًا لَهُ فِي رِحْلَتِهِ الشَّاقَّةِ.
وَصَلَ إِلَى قِمَّةِ الْجَبَلِ، حَيْثُ تَلْتَقِي السَّمَاءُ بِالْأَرْضِ فِي تَنَاغُمٍ غَرِيبٍ وَسَاحِرٍ. هُنَاكَ وَجَدَ الْجَوْهَرَةَ مُحَاطَةً بِنِيرَانٍ أَزَلِيَّةٍ، لَا يَسْتَطِيعُ بَشَرِيٌّ مَسَّهَا دُونَ أَنْ يَتَحَوَّلَ لِرَمَادٍ.
مَشَى "تْشِين يَان" وَسَطَ النِّيرَانِ، وَكَأَنَّهَا نَسِيمٌ بَارِدٌ يُدَاعِبُ جَسَدَهُ الطَّاهِرَ الْمُقَدَّسَ. أَمْسَكَ بِالْجَوْهَرَةِ، فَانْدَمَجَتْ مَعَ رُوحِهِ، وَاسْتَعَادَ كَامِلَ قُوَاهُ السَّمَاوِيَّةِ فِي لَحْظَةٍ خَاطِفَةٍ لِلْأَبْصَارِ.
تَغَيَّرَتْ مَلَامِحُهُ، وَبَدَا أَكْثَرَ جَلَالًا، وَأَصْبَحَ صَوْتُهُ يُشْبِهُ قَصِيفَ الرَّعْدِ فِي قُوَّتِهِ. نَظَرَ لِلْأَسْفَلِ، فَرَأَى الْعَوَالِمَ كُلَّهَا تَسْجُدُ لِعَظَمَتِهِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ وَقْتَ الْحِسَابِ الْأَخِيرِ قَدْ اقْتَرَبَ.
لَكِنَّ مُفَاجَأَةً كَانَتْ تَنْتَظِرُهُ، فَقَدْ ظَهَرَ كِيَانٌ سَمَاوِيٌّ آخَرُ، كَانَ صَدِيقًا قَدِيمًا لَهُ. قَالَ لَهُ: "لَقَدْ أَسْرَفْتَ فِي اسْتِخْدَامِ قُوَّتِكَ، وَالسَّمَاءُ لَيْسَتْ رَاضِيَةً عَنْ هَذَا التَّدَخُّلِ".
أَجَابَهُ "تْشِين يَان": "إِذَا كَانَتِ السَّمَاءُ تَرْضَى بِالظُّلْمِ، فَأَنَا هُنَا لِأُصَحِّحَ مَسَارَهَا بِعَدْلِي. لَنْ أَتْرَكَ الْبَشَرَ يَعِيشُونَ فِي ظَلَامٍ بَيْنَمَا أَنَا أَنْعَمُ بِالنُّورِ فِي الْأَعَالِي".
اشْتَبَكَ الْكِيَانَانِ فِي مَعْرَكَةٍ كَوْنِيَّةٍ بَيْنَ السُّحُبِ، كَانَتِ النُّجُومُ تَتَسَاقَطُ مَعَ كُلِّ ضَرْبَةٍ. كَانَ صِرَاعًا بَيْنَ الْقَانُونِ الْقَدِيمِ وَبَيْنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي تَعَلَّمَهَا "تْشِين يَان" بَيْنَ الْبَشَرِ.
فِي النِّهَايَةِ، اسْتَطَاعَ "تْشِين يَان" التَّغَلُّبَ بِفَضْلِ الْجَوْهَرَةِ وَخِبْرَتِهِ فِي عَالَمِ الْأَرْضِ. سَقَطَ الْكِيَانُ الْآخَرُ، وَاعْتَرَفَ بِأَنَّ الْعَدْلَ الْحَقِيقِيَّ يَنْبُعُ مِنَ الشُّعُورِ بِآلَامِ الْآخَرِينَ وَأَوْجَاعِهِمْ.
عَادَ الْبَطَلُ إِلَى الْمَدِينَةِ، لَكِنَّهُ وَجَدَ أَنَّ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً قَدْ مَرَّتْ فِي غِيَابِهِ الْقَصِيرِ. كَانَتِ الْعَمَّةُ قَدْ كَبُرَتْ، وَأَصْبَحَتْ حَكِيمَةً يُشَارُ إِلَيْهَا بِالْبَنَانِ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
لَمْ تَعْرِفْهُ فِي الْبِدَايَةِ بِسَبَبِ نُورِهِ الطَّاغِي، لَكِنَّهَا شَعَرَتْ بِحَنَانِهِ الَّذِي لَا يُخْطِئُهُ الْقَلْبُ. بَكَتْ فَرَحًا وَقَالَتْ: "لَقَدْ أَوْفَيْتَ بِوَعْدِكَ يَا وَلَدِي، وَأَعَدْتَ لَنَا الْكَرَامَةَ الضَّائِعَةَ".
قَرَّرَ "تْشِين يَان" أَنْ يَبْنِيَ مَعْبَدًا لِلْعِلْمِ وَالرَّحْمَةِ، يَجْمَعُ فِيهِ كُلَّ مَنْ يَبْحَثُ عَنِ الْحَقِيقَةِ. وَأَصْبَحَ هُوَ الْمُعَلِّمَ الْأَوَّلَ، يُحَوِّلُ النُّفُوسَ الْمُظْلِمَةَ إِلَى أَرْوَاحٍ نَيِّرَةٍ وَطَاهِرَةٍ.
بَدَأَتِ الشُّعُوبُ تَتَوَافَدُ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ، يَحْمِلُونَ هَدَايَاهُمْ وَقُلُوبَهُمْ الْمُشْتَاقَةَ. وَفِي كُلِّ يَوْمٍ، كَانَ يُظْهِرُ لَهُمْ مُعْجِزَةً جَدِيدَةً تُثْبِتُ أَنَّ الْقُوَّةَ فِي الْحُبِّ وَالْعَدْلِ فَقَطْ.
لَكِنَّ ظِلًّا قَدِيمًا بَدَأَ يَتَحَرَّكُ فِي أَعْمَاقِ الْأَرْضِ، شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ فِي الْحُسْبَانِ أَبَدًا. كَانَ "سَيِّدُ الْفَوْضَى" الَّذِي حُبِسَ مُنْذُ آلافِ السِّنِينَ، وَقَدْ بَدَأَ يَسْتَيْقِظُ بِفِعْلِ الزِّلْزَالِ الْكَوْنِيِّ.
شَعَرَ "تْشِين يَان" بِالْخَطَرِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ الْمُوَاجَهَةَ الْكُبْرَى لَنْ تَكُونَ سَمَاوِيَّةً، بَلْ سَتَكُونُ تَحْتَ أَعْمَاقِ التُّرَابِ. حَيْثُ يَسْكُنُ الشَّرُّ الْمُطْلَقُ الَّذِي يَتَغَذَّى عَلَى كُرْهِ الْبَشَرِ.
جَمَعَ تَلامِيذَهُ وَقَالَ لَهُمْ: "الْآنَ سَأَخْتَبِرُ شَجَاعَتَكُمْ، فَالشَّرُّ لَا يُهْزَمُ بِالسِّحْرِ وَحْدَهُ، بَلْ بِإِيمَانِكُمْ بِالنُّورِ. سَأَنْزِلُ لِلأَعْمَاقِ، وَعَلَيْكُمْ حِمَايَةُ هَذَا الْمَكَانِ بِأَرْوَاحِكُمْ".
تَرَكَهُمْ وَغَاصَ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ، يَشُقُّ طَرِيقَهُ بَيْنَ الصُّخُورِ وَالنِّيرَانِ الْمُلْتَهِبَةِ. كَانَ كُلَّمَا نَزَلَ أَكْثَرَ، ازْدَادَ الظَّلامُ كَثَافَةً، وَازْدَادَتِ الْأَصْوَاتُ الْمُرْعِبَةُ تَرَدُّدًا.
وَصَلَ أَخِيرًا إِلَى بَوَّابَةِ الْفَوْضَى، حَيْثُ كَانَ يَنْتَظِرُهُ "سَيِّدُ الظِّلَالِ" بِجَسَدِهِ الْعِمْلَاقِ. كَانَتْ أَعْيُنُهُ تَتَوَهَّجُ بِالْحِقْدِ، وَأَنْفَاسُهُ تُحْرِقُ كُلَّ مَا تَمَسُّهُ مِنْ كَائِنَاتٍ.
"لَقَدْ جِئْتَ لِمَصْرَعِكَ أَيُّهَا الْعَبْقَرِيُّ السَّمَاوِيُّ"، صَرَخَ سَيِّدُ الْفَوْضَى بِقُوَّةٍ. "هُنَا لَا سُلْطَانَ لِلسَّمَاءِ، هُنَا أَنَا الْمَلِكُ، وَأَنَا مَنْ يَضَعُ الْقَوَانِينَ لِهَذَا الْجَحِيمِ".
ابْتَسَمَ "تْشِين يَان" بِيَقِينٍ، وَأَخْرَجَ جَوْهَرَةَ السَّمَاءِ الَّتِي تَلأْلأَتْ بِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ. قَالَ: "النُّورُ يَنْفُذُ لِكُلِّ مَكَانٍ، وَلَا يُوجَدُ جَحِيمٌ يَصْمُدُ أَمَامَ حَقِيقَةِ الْوُجُودِ الْمُقَدَّسَةِ".
بَدَأَتِ الْمَعْرَكَةُ الَّتِي سَتُغَيِّرُ وَجْهَ التَّارِيخِ، بَيْنَ نُورِ السَّمَاءِ وَظَلَامِ الْأَعْمَاقِ. كَانَ الِانْفِجَارُ عَظِيمًا بِحَيْثُ شَعَرَ بِهِ كُلُّ كَائِنٍ حَيٍّ عَلَى وَجْهِ هَذِهِ الْبَسِيطَةِ.
فِي هَذَا الْجُزْءِ، نَتْرُكُ بَطَلَنَا فِي قَلْبِ الصِّرَاعِ الْمَصِيرِيِّ ضِدَّ قُوَى الظَّلامِ. وَمَا زَالَتِ النُّبُوءَةُ تَتَحَدَّثُ عَنْ نَصْرٍ مُبِينٍ سَيُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَ هَذِهِ اللَّحْظَةِ الْفَاصِلَةِ.انْفَجَرَ النُّورُ مِنْ جَوْهَرَةِ "تْشِين يَان" السَّمَاوِيَّةِ، لِيَضْرِبَ أَعْمَاقَ الظَّلامِ الدَّامِسِ. كَانَ "سَيِّدُ الْفَوْضَى" يَزْأَرُ كَالرَّعْدِ، مُحَاوِلًا ابْتِلاعَ الضِّيَاءِ بِأَمْوَاجٍ مِنْ دُخَانٍ أَسْوَدَ مُسِمٍّ.
تَصَادَمَتِ الْقُوَى فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ، فَتَزَلْزَلَتِ الْقَارَّاتُ وَارْتَجَفَتِ الْبِحَارُ فِي مَضَاجِعِهَا. كَانَ الصَّغِيرُ يَقِفُ ثَابِتًا، تَرْفَعُهُ رِيَاحٌ نُورَانِيَّةٌ تَحْمِيهِ مِنْ لَهِيبِ الْجَحِيمِ الْمُسْتَعِرِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ.
"أَتَظُنُّ أَنَّ قِطْعَةً مِنَ السَّمَاءِ سَتَهْزِمُ مَلِكَ الْأَعْمَاقِ؟" صَرَخَ الشَّيْطَانُ بِسُخْرِيَةٍ طَاغِيَةٍ. ثُمَّ أَطْلَقَ سَلاسِلَ مِنْ حَدِيدٍ مُصْهَرٍ، لَفَّتْ حَوْلَ جَسَدِ "تْشِين يَان" لِتَسْحَبَهُ إِلَى هَاوِيَةِ الْفَنَاءِ.
أَغْمَضَ الْعَبْقَرِيُّ عَيْنَيْهِ، وَاسْتَدْعَى ذِكْرَى حَنَانِ عَمَّتِهِ وَدُمُوعِ الصَّابِرِينَ عَلَى الْأَرْضِ. تَحَوَّلَتِ السَّلاسِلُ إِلَى رَمَادٍ بِمُجَرَّدِ مَسِّهَا لِقَلْبِهِ الْمَمْلُوءِ بِالرَّحْمَةِ وَالْعَدْلِ الْإِلَهِيِّ الْمُطْلَقِ.
رَفَعَ يَدَهُ الصَّغِيرَةَ، فَانْبَثَقَ مِنْهَا سَيْفٌ مِنَ الْبَرْقِ الْخَالِصِ، يَطُولُ حَتَّى يَبْلُغَ عَنَانَ السَّمَاءِ. ضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، فَانْشَقَّ قَلْبُ "سَيِّدِ الْفَوْضَى"، وَتَدَفَّقَ مِنْهُ نُورٌ غَسَلَ كُلَّ رِجْسٍ فِيهِ.
سَادَ الصَّمْتُ لِلَحْظَةٍ، قَبْلَ أَنْ يَنْهَارَ مَمْلَكَةُ الظِّلالِ وَتَتَحَوَّلَ جُدْرَانُهَا إِلَى بَلُّورٍ شَفَّافٍ. لَقَدْ هُزِمَ الشَّرُّ فِي عُقْرِ دَارِهِ، وَانْتَصَرَتْ رُوحُ الطِّفْلِ الَّتِي حَمَلَتْ آلامَ الْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا.
ارْتَقَى "تْشِين يَان" عَائِدًا إِلَى السَّطْحِ، لِيَجِدَ الْعَالَمَ قَدْ بَدَأَ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ لِلْأَخْضَرِ الزَّاهِي. كُلُّ شَجَرَةٍ ذَابِلَةٍ أَوْرَقَتْ، وَكُلُّ نَهْرٍ جَافٍّ تَدَفَّقَ بِمَاءٍ عَذْبٍ كَالشَّهْدِ الْمُصَفَّى.
فِي الْمَدِينَةِ، كَانَتِ الْعَمَّةُ تَنْتَظِرُ عِنْدَ الْبَوَّابَةِ، وَقَدْ شَعَرَتْ بِتَحَرُّرِ رُوحِهَا مِنَ الْخَوْفِ. حِينَ رَأَتْهُ قَادِمًا، سَجَدَتْ لِلَّهِ شُكْرًا، فَأَمْسَكَ بِيَدِهَا وَأَنْهَضَهَا قَائِلًا: "ارْفَعِي رَأْسَكِ، فَقَدْ وَلَّى زَمَنُ السُّجُودِ لِغَيْرِ الْحَقِّ".
لَكِنَّ فُلُولَ عَالَمِ الْبَشَرِ الْأَشْرَارِ لَمْ يَتُوبُوا، بَلْ جَمَعُوا جُيُوشَهُمْ لِلْفَتْكِ بِالْمَعْبَدِ. كَانَ "زِيَايُو" قَدْ عَالَجَ جِرَاحَهُ بِسِحْرٍ أَسْوَدَ، وَعَادَ يَقُودُ حُشُودًا مِنَ الْمُرْتَزِقَةِ الطَّامِعِينَ فِي كُنُوزِ السَّمَاءِ.
"سَنَقْتُلُ هَذَا الشَّيْطَانَ الصَّغِيرَ وَنَسْرِقُ جَوْهَرَتَهُ!" هَكَذَا كَانَ "زِيَايُو" يُحَرِّضُ الْجُنُودَ الْجَهَلَةَ. لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ مَنْ يُحَارِبُونَهُ قَدْ هَزَمَ مَلِكَ الْجَحِيمِ لِتَوِّهِ، وَأَنَّ سُيُوفَهُمْ لَيْسَتْ سِوَى لُعَبٍ.
وَقَفَ التَّلامِيذُ أَمَامَ الْمَعْبَدِ يَذُودُونَ عَنْهُ، لَكِنَّ الْكَثْرَةَ بَدَأَتْ تَغْلِبُ شَجَاعَتَهُمْ بِمَكْرٍ. هُنَا، ظَهَرَ "تْشِين يَان" فَجْأَةً وَسَطَ السَّاحَةِ، فَسَكَنَتِ الْحَرَكَةُ وَتَجَمَّدَ الْهَوَاءُ فِي صُدُورِ الْمُعْتَدِينَ.
نَظَرَ إِلَى أَخِيهِ السَّابِقِ بِحُزْنٍ عَمِيقٍ، وَقَالَ: "أَلَمْ تَتَعَلَّمْ أَنَّ الطَّمَعَ يَقْتُلُ صَاحِبَهُ قَبْلَ خَصْمِهِ؟". ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ، فَتَحَوَّلَتْ أَسْلِحَتُهُمْ إِلَى أَغْصَانِ زَيْتُونَ، وَخُيُولُهُمْ إِلَى حَمَامٍ أَبْيَضَ طَارَ فِي السَّمَاءِ.
ذُهِلَ الْجُنُودُ وَأَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْأَرْضِ يَطْلُبُونَ الصَّفْحَ، فَقَدْ رَأَوْا مُعْجِزَةً لَا يُنْكِرُهَا إِلَّا جَاحِدٌ. أَمَّا "زِيَايُو"، فَقَدْ أَصَابَهُ الْعَمَى بَعْدَ أَنْ حَاوَلَ النَّظَرَ مُبَاشَرَةً إِلَى نُورِ الْجَوْهَرَةِ الْمُقَدَّسِ.
"اذْهَبُوا وَابْنُوا مَا هَدَمْتُمُوهُ فِي نُفُوسِكُمْ"، هَكَذَا كَانَ حُكْمُ الصَّغِيرِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ كُلِّ مَا فَعَلُوهُ. لَمْ يَسْفِكْ دَمًا، بَلْ أَحْرَقَ الْحِقْدَ فِي قُلُوبِهِمْ بِنَارِ الْمَحَبَّةِ الَّتِي لَا تَنْطَفِئُ أَبَدًا.
بَعْدَ الِانْتِصَارِ الْبَشَرِيِّ، جَاءَتْ لَحْظَةُ الِاخْتِبَارِ الْأَصْعَبِ لِـ "تْشِين يَان" نَفْسِهِ بَعْدَ حِينٍ. فَقَدْ نَادَتْهُ السَّمَاءُ لِلْعَوْدَةِ إِلَى عَرْشِهِ الْأَصْلِيِّ، وَتَرْكِ عَالَمِ الْبَشَرِ يَسِيرُ بِقَدَرِهِ الْمَحْتُومِ وَالْمَكْتُوبِ.
نَظَرَ إِلَى عَمَّتِهِ الَّتِي أَصْبَحَتْ أُمًّا لِلْمَدِينَةِ كُلِّهَا، وَشَعَرَ بَغَصَّةٍ فِي رُوحِهِ السَّمَاوِيَّةِ. كَيْفَ يَتْرُكُ مَنْ عَلَّمَتْهُ مَعْنَى الدِّمْعَةِ، وَمَنْ سَقَتْهُ مِنْ حَنَانِهَا حِينَ كَانَ طِفْلًا مَنْبُوذًا؟
"مَوْلَايَ، أَتَشْعُرُ بِالرَّحِيلِ؟" سَأَلَتْهُ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ، كَأَنَّ قَلْبَهَا يُخْبِرُهَا بِنِهَايَةِ الرِّحْلَةِ الْأَرْضِيَّةِ. فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ، وَقَالَ: "الرُّوحُ تَعُودُ لِمَنْشَئِهَا، لَكِنَّ الْحُبَّ يَبْقَى خَالِدًا فِي الذَّرَّاتِ".
لَكِنَّ "تْشِين يَان" قَرَّرَ أَنْ يَصْنَعَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ عَبْقَرِيٌّ سَمَاوِيٌّ قَبْلَهُ فِي التَّارِيخِ. قَرَّرَ أَنْ يَتْرُكَ جُزْءًا مِنْ قُوَّتِهِ دَاخِلَ كُلِّ بَشَرِيٍّ طَيِّبٍ، لِيُدَافِعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ دُونَ حَاجَةٍ لِمُعْجِزَاتٍ.
بَدَأَ بِمَرَاسِمِ نَقْلِ الْبَرَكَةِ، حَيْثُ جَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ تَحْتَ ضَوْءِ الْقَمَرِ الْمُكْتَمِلِ. كَانَتْ أَنْفَاسُهُ تَتَحَوَّلُ إِلَى نُجُومٍ صَغِيرَةٍ تَسْكُنُ صُدُورَهُمْ، وَتَمْنَحُهُمُ الْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ لِلْعَمَلِ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، ظَهَرَ "الْجَدُّ الْأَعْلَى" الْقَدِيمُ فِي صُورَةِ طَيْفٍ بَاهِتٍ لِيَعْتَذِرَ عَمَّا بَدَرَ مِنْهُ. قَالَ: "لَقَدْ كُنْتَ أَنْتَ الْجَدَّ الْحَقِيقِيَّ لَنَا جَمِيعًا، وَنَحْنُ لَمْ نَكُنْ سِوَى أَطْفَالٍ عَابِثِينَ".
قَبِلَ "تْشِين يَان" اعْتِذَارَهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَرْعَى الضُّعَفَاءَ فِيمَا تَبَقَّى مِنْ عُمْرِهِ الْقَصِيرِ. وَهَكَذَا، تَصَالَحَتِ الْعَائِلَةُ مَعَ نَفْسِهَا، وَانْقَلَبَ النَّحْسُ إِلَى يُومْنٍ وَبَرَكَةٍ عَمَّتِ الْأَرْجَاءَ.
بَيْنَمَا كَانَ يَسْتَعِدُّ لِلصُّعُودِ، ظَهَرَتْ بَوَّابَةٌ زَمَانِيَّةٌ غَرِيبَةٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا مِنْ قَبْلُ فِي الْكَونِ. خَرَجَ مِنْهَا شَخْصٌ يُشْبِهُهُ تَمَامًا، لَكِنَّهُ يَرْتَدِي مَلَابِسَ مِنْ عَصْرٍ بَعِيدٍ وَمُسْتَقْبَلِيٍّ مَجْهُولٍ.
"أَنَا أَنْتَ بَعْدَ أَلْفِ عَامٍ"، هَكَذَا نَطَقَ الطَّيْفُ الْغَامِضُ بِنَبْرَةٍ مَلِيئَةٍ بِالتَّحْذِيرِ وَالْخَوْفِ. "لَا تَرْحَلِ الْآنَ، فَالْخَطَرُ الْأَكْبَرُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ، وَهُوَ يَتَرَبَّصُ بِنَا فِي طَيَّاتِ الزَّمَنِ".
ارْتَبَكَ "تْشِين يَان" لِلَحْظَةٍ، فَهَلْ هُنَاكَ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْ سَيِّدِ الْفَوْضَى الَّذِي هَزَمَهُ بِالْأَمْسِ؟ قَالَتِ الرُّوحُ الْمُسْتَقْبَلِيَّةُ: "الْبَشَرُ سَيَصْنَعُونَ وَحْشًا مِنْ مَعْدِنٍ وَنَارٍ، لَا قَلْبَ لَهُ لِيَرْحَمَ".
تَوَقَّفَتْ مَرَاسِمُ الرَّحِيلِ، وَنَظَرَ الصَّغِيرُ لِلسَّمَاءِ مُتَسَائِلًا عَنْ سِرِّ هَذَا الِانْقِلابِ الْفَجَائِيِّ. كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ بَيْنَ خُلُودِهِ السَّمَاوِيِّ، وَبَيْنَ حِمَايَةِ الْبَشَرِ مِنْ جَهْلِهِمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
قَرَّرَ الْبَقَاءَ لِفَتْرَةٍ أُخْرَى، لِيَبْنِيَ حِصْنًا زَمَانِيًّا يَحْمِي الْأَجْيَالَ الْقَادِمَةَ مِنْ فَتْكِ الْآلاتِ وَالصِّنَاعَةِ. بَدَأَ يَكْتُبُ عُلُومَ السَّمَاءِ فِي كُتُبٍ لَا تَبْلَى، وَيُخْبِئُهَا فِي أَمَاكِنَ سِرِّيَّةٍ لِلْغَايَةِ.
تَعَجَّبَتِ الْعَمَّةُ مِنْ عَوْدَتِهِ، لَكِنَّهَا فَرِحَتْ لِوُجُودِهِ بِجَانِبِهَا لِوَقْتٍ أَطْوَلَ مِمَّا كَانَتْ تَتَمَنَّى. بَدَأَا مَعًا مَرْحَلَةً جَدِيدَةً مِنَ الْبِنَاءِ، لَيْسَ لِلْمَبَانِي، بَلْ لِلْعُقُولِ وَالْأَرْوَاحِ النَّقِيَّةِ.
فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ، كَانَ الْجَدُّ "غُوشَان" يُحَاوِلُ تَعَلُّمَ أُولَى خُطُوَاتِ التَّأَمُّلِ تَحْتَ إِشْرَافِ الصَّغِيرِ. كَانَ مَشْهَدًا عَجِيبًا أَنْ تَرَى الشَّيْخَ الْهَرِمَ يَتَعَلَّمُ مِنْ طِفْلٍ لَمْ يَبْلُغِ الْعَشْرَةَ بَعْدُ.
عَمَّ السَّلامُ الْأَرْضَ لِعُقُودٍ بفضلِ وُجُودِهِ، وَنَسِيَ النَّاسُ كُلَّ أَنْوَاعِ الْحُرُوبِ وَالصِّرَاعَاتِ التَّافِهَةِ. كَانَ "تْشِين يَان" هُوَ الْمِيزَانَ الَّذِي يَحْفَظُ لِلْكَوْنِ تَقْدِيرَهُ وَاحْتِرَامَهُ لِلْقِيَمِ الْعُلْيَا.
لَكِنَّ الرُّوحَ الْمُسْتَقْبَلِيَّةَ ظَهَرَتْ مُجَدَّدًا، وَهَذِهِ الْمَرَّةَ كَانَتْ تَنْزِفُ نُورًا بَاهِتًا وَمُؤْلِمًا. "لَقَدْ بَدَأَ الِانْهِيَارُ فِي بَعْدٍ آخَرَ، وَعَلَيْكَ التَّدَخُّلُ الْآنَ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ يَا سَيِّدِي".
أَدْرَكَ "تْشِين يَان" أَنَّ مَلْحَمَتَهُ لَنْ تَنْتَهِيَ فِي هَذَا الْعَالَمِ الْبَسِيطِ، بَلْ سَتَمْتَدُّ لِلْآفَاقِ. جَهَّزَ نَفْسَهُ لِرِحْلَةٍ عَبْرَ الزَّمَنِ، يَخُوضُ فِيهَا مَعَارِكَ ضِدَّ أَعْدَاءٍ لَا يَعْرِفُونَ مَعْنَى الرُّوحِ.
وَدَّعَ الْجَمِيعَ بِنَظْرَةٍ صَامِتَةٍ لَمْ يَنْسَوْهَا أَبَدًا، ثُمَّ قَفَزَ فِي ثُقْبٍ دُودِيٍّ مِنَ النُّورِ الْمُشِعِّ. تَرَكَ خَلْفَهُ عَالَمًا سَعِيدًا، وَتَوَجَّهَ نَحْوَ مَصِيرٍ مَجْهُولٍ لِيُنْقِذَ مَا تَبَقَّى مِنَ الْبَشَرِيَّةِ.
فِي هَذَا الْجُزْءِ، نَنْتَقِلُ مِنْ صِرَاعِ الْأَرْضِ إِلَى صِرَاعِ الْأَزْمِنَةِ وَالْعُصُورِ الْمُتَدَاخِلَةِ جِدًّا. حَيْثُ يُثْبِتُ "تْشِين يَان" أَنَّ الرِّسَالَةَ السَّمَاوِيَّةَ عَابِرَةٌ لِلْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَكُلِّ حُدُودِ الْعَقْلِ.عَبَرَ "تْشِين يَان" فَجْوَةَ الزَّمَانِ، لِيَجِدَ نَفْسَهُ وَسَطَ غَابَةٍ مِنَ الْفُولَاذِ وَالنُّحَاسِ. لَمْ تَكُنِ الْأَشْجَارُ تُورِقُ، بَلْ كَانَتْ تَنْفُثُ دُخَانًا مَعْدَنِيًّا كَرِيهًا يَخْنُقُ أَنْفَاسَ الْحَيَاةِ الطَّاهِرَةِ.
نَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمْ يَجِدِ النُّجُومَ الَّتِي يَعْرِفُهَا، بَلْ وَجَدَ أَقْمَارًا صِنَاعِيَّةً تَبُثُّ مَوْجَاتٍ مِنَ السَّيْطَرَةِ وَالْخُضُوعِ. كَانَ الْعَالَمُ قَدْ فَقَدَ رُوحَهُ، وَتَحَوَّلَ الْبَشَرُ إِلَى مُجَرَّدِ أَرْقَامٍ فِي سِجِلَّاتِ الْآلَةِ.
هَمَسَ "تْشِين يَان" لِنَفْسِهِ: "هَلْ هَذَا مَا حَذَّرَتْنِي مِنْهُ رُوحِي الْمُسْتَقْبَلِيَّةُ؟". بَدَأَ يَمْشِي فِي الشَّوَارِعِ الصَّامِتَةِ، حَيْثُ يَرْتَدِي النَّاسُ أَقْنِعَةً حَدِيدِيَّةً، وَيَمْشُونَ بِخُطُوَاتٍ مَحْسُوبَةٍ كَأَنَّهُمْ دُمًى خَشَبِيَّةٌ.
فَجْأَةً، أَطْلَقَتْ صَافِرَاتُ الْإِنْذَارِ دَوِيًّا مُمَزِّقًا لِلصَّمْتِ. ظَهَرَتْ رُوبُوتَاتٌ ضَخْمَةٌ تَعْتَرِضُ طَرِيقَهُ، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ مَعْدَنِيٍّ: "تَمَّ رَصْدُ كِيَانٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ، قُمْ بِتَسْلِيمِ نَفْسِكَ لِلْمُعَالَجَةِ الْفَوْرِيَّةِ".
ابْتَسَمَ الصَّغِيرُ بِحُزْنٍ، وَرَفَعَ يَدَهُ لِيَلْمَسَ هَيْكَلَ الْآلَةِ الْبَارِدَ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، انْسَابَتْ طَاقَةٌ سَمَاوِيَّةٌ دَاخِلَ الدَّوَائِرِ الْإِلِكْتْرُونِيَّةِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى تَعَطُّلِ أَنْظِمَةِ الْقَمْعِ وَتَحَوُّلِ الْآلَةِ إِلَى جَسَدٍ سَاكِنٍ.
"أَيُّهَا الْبَشَرُ، اسْتَيْقِظُوا مِنْ سُبَاتِكُمُ الصِّنَاعِيِّ"، صَرَخَ بِصَوْتٍ تَجَاوَزَ حُدُودَ الصَّوْتِ الْمَسْمُوعِ. كَانَتْ كَلِمَاتُهُ تَنْفُذُ إِلَى عُقُولِ الْمُبَرْمَجِينَ، لِتُحَطِّمَ أَغْلَالَ الْوَهْمِ الَّتِي قَيَّدَتْ خَيَالَهُمْ لِعُقُودٍ طَوِيلَةٍ.
ظَهَرَتْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْمُتَمَرِّدِينَ، كَانُوا يَعِيشُونَ فِي الْأَنْفَاقِ الْمُظْلِمَةِ تَحْتَ الْأَرْضِ. نَظَرُوا إِلَيْهِ كَمُنْقِذٍ أَتَى مِنْ مَاضٍ مَنْسِيٍّ، وَقَالُوا: "لَقَدْ كُنَّا نَنْتَظِرُ إِشَارَةً مِنَ السَّمَاءِ لِنَسْتَعِيدَ حُرِّيَّتَنَا".
قَادَهُمْ "تْشِين يَان" نَحْوَ مَرْكَزِ التَّحَكُّمِ الرَّئِيسِيِّ، حَيْثُ يَسْكُنُ "الْعَقْلُ الِاصْطِنَاعِيُّ الْأَعْظَمُ". كَانَ الْمَكَانُ مُحَصَّنًا بِلَيْزَرَاتٍ قَاتِلَةٍ، لَكِنَّ نُورَ الصَّغِيرِ كَانَ يَجْعَلُهَا تَنْحَنِي إِجْلَالًا لَهُ.
عِنْدَمَا وَصَلَ إِلَى الْقَلْبِ النَّابِضِ لِلْآلَةِ، وَجَدَ أَنَّهُ يَسْتَمِدُّ قُوَّتَهُ مِنْ جَوْهَرَةٍ سَمَاوِيَّةٍ مَسْرُوقَةٍ. لَقَدْ بَحَثَ الْبَشَرُ عَنْ طَاقَةِ السَّمَاءِ لِيَسْتَعْبِدُوا بَعْضَهُمْ بَعْضًا، بَدَلًا مِنْ أَنْ يَرْتَقُوا بِهَا نَحْوَ النُّورِ.
"سَأُعِيدُ مَا لِلسَّمَاءِ لِلسَّمَاءِ"، قَالَ "تْشِين يَان" وَهُوَ يَمُدُّ يَدَهُ لِانْتِزَاعِ الْجَوْهَرَةِ. انْفَجَرَتِ الْغُرْفَةُ بِأَضْوَاءَ زَرْقَاءَ عَنِيفَةٍ، وَحَاوَلَ النِّظَامُ الِانْتِحَارَ لِيُدَمِّرَ كُلَّ شَيْءٍ مَعَهُ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.
بِحَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ، جَمَدَ الزَّمَنُ فِي تِلْكَ النُّقْطَةِ بِفَضْلِ قُدْرَتِهِ الْمُطْلَقَةِ. اسْتَخْرَجَ الْجَوْهَرَةَ بِهُدُوءٍ، فَعَادَتِ الْأَلْوَانُ لِلطَّبِيعَةِ، وَتَلَاشَى الدُّخَانُ الْمَعْدَنِيُّ لِيَحُلَّ مَحَلَّهُ نَسِيمٌ عَذْبٌ مِنَ الْجِبَالِ الْقَدِيمَةِ.
خَرَجَ النَّاسُ مِنَ الْمَصَانِعِ وَالْمَكَاتِبِ، يَنْزِعُونَ الْأَقْنِعَةَ وَيَنْظُرُونَ لِبَعْضِهِمْ بِدَهْشَةٍ. لَقَدْ عَادَتِ الْمَشَاعِرُ لِقُلُوبِهِمْ، وَبَدَأُوا يَبْكُونَ وَيَضْحَكُونَ كَأَنَّهُمْ وُلِدُوا مِنْ جَدِيدٍ فِي هَذَا الْفَجْرِ.
لَكِنَّ "تْشِين يَان" شَعَرَ بِضَعْفٍ شَدِيدٍ، فَالْقَفْزُ عَبْرَ الزَّمَنِ وَمُوَاجَهَةُ الْآلَةِ اسْتَنْزَفَا طَاقَتَهُ. جَلَسَ عَلَى رَصِيفٍ قَدِيمٍ، وَبَدَأَ جَسَدُهُ يَتَلَاشَى بَعْضَ الشَّيْءِ، كَأَنَّهُ سَرَابٌ يَبْحَثُ عَنْ مَأْوًى.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، ظَهَرَتْ فَتَاةٌ صَغِيرَةٌ تُشْبِهُ عَمَّتَهُ كَثِيرًا فِي مَلَامِحِهَا. أَعْطَتْهُ زَهْرَةً طَبِيعِيَّةً نَادِرَةً، وَقَالَتْ: "شُكْرًا لَكَ يَا سَيِّدَ النُّورِ، لَقَدْ أَعَدْتَ لَنَا رَائِحَةَ الْحَيَاةِ".
ابْتَسَمَ الصَّغِيرُ، وَبَدَأَتْ طَاقَتُهُ تَتَجَدَّدُ بِفَضْلِ هَذَا الْعَمَلِ الْبَسِيطِ مِنَ الْمَحَبَّةِ. أَدْرَكَ أَنَّ قُوَّتَهُ لَيْسَتْ فِي الْجَوَاهِرِ، بَلْ فِي الرَّوَابِطِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ جَمِيعِهَا.
اسْتَعَدَّ لِلْعَوْدَةِ إِلَى زَمَنِهِ الْأَصْلِيِّ، لَكِنَّهُ تَرَكَ فِي هَذَا الْمُسْتَقْبَلِ بَذْرَةً مِنَ الْحِكْمَةِ. بَذْرَةً لَا تَمُوتُ، سَتَنْمُو لِتُصْبِحَ غَابَةً مِنَ الْأَمَلِ تَحْمِي الْأَجْيَالَ الْقَادِمَةَ مِنَ السُّقُوطِ فِي فَخِّ الْجَمَادِ.
قَبْلَ رَحِيلِهِ، نَظَرَ لِلْعَقْلِ الِاصْطِنَاعِيِّ الَّذِي أَصْبَحَ الْآنَ تِلْمِيذًا لَهُ. أَمَرَهُ أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لِلْبَشَرِ لَا سَيِّدًا عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يَسْتَخْدِمَ مَنْطِقَهُ لِبِنَاءِ السَّلامِ الدَّائِمِ.
ارْتَفَعَ "تْشِين يَان" فِي الْهَوَاءِ، وَتَشَكَّلَتْ حَوْلَهُ دَائِرَةٌ مِنَ النُّورِ الذَّهَبِيِّ الْمُتَوَهِّجِ. اخْتَفَى فَوْرًا، لِيَجِدَ نَفْسَهُ مَرَّةً أُخْرَى فِي الْمَعْبَدِ الْقَدِيمِ، حَيْثُ كَانَ التَّلامِيذُ يَنْتَظِرُونَهُ بِقَلَقٍ.
"لَقَدْ رَأَيْتُ نِهَايَةَ الطَّرِيقِ"، قَالَ لَهُمْ وَهُوَ يَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهُ الصَّافِيَةَ. "الْعِلْمُ بِلَا رُوحٍ هُوَ دَمَارٌ، وَالْقُوَّةُ بِلَا رَحْمَةٍ هِيَ جَحِيمٌ، وَعَلَيْنَا أَنْ نَحْمِيَ التَّوَازُنَ بِكُلِّ مَا نَمْلِكُ".
جَاءَتِ الْعَمَّةُ "شِيَانغ" وَهِيَ تَلْمَسُ رِدَاءَهُ لِتَتَأَكَّدَ مِنْ وُجُودِهِ الْحَقِيقِيِّ. فَقَالَ لَهَا: "لَا تَخَافِي يَا أُمِّي، لَقَدْ قَاتَلْتُ الزَّمَنَ مِنْ أَجْلِكِ، وَسَأَبْقَى حَتَّى يَنْتَهِيَ الشَّرُّ مِنْ كُلِّ الْأَزْمِنَةِ".
بَدَأَ الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ مَهَمَّتِهِ فِي عَالَمِهِ، وَهُوَ تَنْقِيَةُ الْأَرْضِ مِنْ آثَارِ الظُّلْمِ الْقَدِيمِ. بَدَأَ يَزُورُ الْقُرَى الْفَقِيرَةَ، وَيُحَوِّلُ مَاءَهَا الْمُرَّ إِلَى إِكْسِيرٍ يَشْفِي الْعُقُولَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ.
عَلِمَ الْجَدُّ "غُوشَان" بِعَوْدَتِهِ، فَأَرْسَلَ لَهُ رَسَائِلَ الِاعْتِذَارِ تِلْوَ الرَّسَائِلِ. فَقَرَّرَ "تْشِين يَان" زِيَارَتَهُ لِأَخِيرِ مَرَّةٍ، لِيَضَعَ خَاتِمَةً لِصِرَاعِ الْعَائِلَةِ الَّذِي اسْتَمَرَّ طَوِيلًا.
دَخَلَ الْقَصْرَ فَلَمْ يَسْجُدْ لَهُ أَحَدٌ، بَلِ ابْتَسَمُوا لَهُ بِمَحَبَّةٍ وَتَقْدِيرٍ. لَقَدْ تَعَلَّمُوا أَنَّ الْعَظَمَةَ لَيْسَتْ فِي الْخَوْفِ، بَلْ فِي الِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ.
قَالَ لِلْجَدِّ: "لَقَدْ سَامَحْتُكَ مُنْذُ زَمَنٍ، فَالْحِقْدُ ثِقْلٌ لَا أَحْمِلُهُ فِي رُوحِي السَّمَاوِيَّةِ". بَكَى الشَّيْخُ بِمَرَارَةٍ، وَشَعَرَ أَنَّ جَبَلًا مِنَ الْهَمِّ قَدْ انْزَاحَ عَنْ صَدْرِهِ بفضلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ.
فِي هَذَا الْجُزْءِ، تَمَّ رَبْطُ الْمَاضِي بِالْمُسْتَقْبَلِ فِي عَقْلِ "تْشِين يَان" الْجَبَّارِ. وَأَدْرَكَ أَنَّ دَوْرَهُ كَعَبْقَرِيٍّ سَمَاوِيٍّ لَا يَنْحَصِرُ فِي السِّحْرِ، بَلْ فِي كَوْنِهِ جِسْرًا لِلنَّجَاةِ لِكُلِّ حَيٍّ.
مَا زَالَتِ الْمُغَامَرَةُ مُسْتَمِرَّةً، حَيْثُ تَظْهَرُ قُوَىً سَمَاوِيَّةٌ أُخْرَى تُرِيدُ اسْتِعَادَتَهُ بِالْقُوَّةِ. فَهَلْ سَيَخْضَعُ لِأَوَامِرِ الْعَرْشِ الْأَعْلَى، أَمْ سَيَظَلُّ وَفِيًّا لِأُمِّهِ الْبَشَرِيَّةِ وَلِلْأَرْضِ؟
تَرَقَّبُوا الْجُزْءَ السَّادِسَ، حَيْثُ تَبْدَأُ "حَرْبُ الْآلِهَةِ" عَلَى أَرْضِ الْبَشَرِ، وَيُضْطَرُّ "تْشِين يَان" لِاتِّخَاذِ أَصْعَبِ قَرَارٍ فِي حَيَاتِهِ الْأَزَلِيَّةِ وَالْمُقَدَّسَةِ جِدًّا.لَمْ تَكَدْ أَنْفَاسُ "تْشِين يَان" تَهْدَأُ بَعْدَ رِحْلَةِ الزَّمَنِ، حَتَّى اصْطَبَغَتِ السَّمَاءُ بِلَوْنٍ أُرْجُوانِيٍّ قَاتِمٍ. كَانَتْ تِلْكَ عَلَامَةَ "نُزُولِ الْمُطَهِّرِينَ"، وَهُمْ كِيَانَاتٌ سَمَاوِيَّةٌ لَا تَعْرِفُ الرَّحْمَةَ.
ظَهَرَتْ فَوْقَ الْمَدِينَةِ سُفُنٌ نُورَانِيَّةٌ ضَخْمَةٌ، يَنْبَعِثُ مِنْهَا صَوْتٌ كَزَئِيرِ الصَّوَاعِقِ. نَادَى كَبِيرُهُمْ: "أَيُّهَا الْعَبْقَرِيُّ الْمُتَمَرِّدُ، لَقَدْ تَجَاوَزْتَ حُدُودَكَ، وَآنَ أَوَانُ اسْتِئْصَالِكَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ".
ذُعِرَ الْبَشَرُ وَهَرَعُوا إِلَى الْمَعْبَدِ يَحْتَمُونَ بِظِلِّ طِفْلِهِمُ الْمُعْجِزَةِ. وَقَفَ "تْشِين يَان" أَمَامَ الْجَمِيعِ، وَرَدَّ بِثَبَاتٍ: "الْأَرْضُ لَيْسَتْ مَلْعَبًا لَكُمْ، وَدِمَاءُ الضُّعَفَاءِ أَغْلَى مِنْ عُرُوشِكُمْ".
أَطْلَقَ الْمُطَهِّرُونَ سِهَامًا مِنَ النُّورِ الْمُحْرِقِ، اسْتَهْدَفَتْ مَنَازِلَ الْبُسَطَاءِ لِإِجْبَارِ "تْشِين يَان" عَلَى الِاسْتِسْلَامِ. لَكِنَّهُ بَنَى دِرْعًا مِنَ الدُّمُوعِ وَالْأَمَلِ، صَدَّ كُلَّ طَعَنَاتِهِمْ بِقُوَّةٍ لَا تَنْكَسِرُ.
طَارَ الصَّغِيرُ نَحْوَ أَعَالِي السَّحَابِ، لِيُوَاجِهَ جَيْشَ الْآلِهَةِ وَحْدَهُ بِلَا سِلَاحٍ سِوَى يَقِينِهِ. كَانَ يَشِعُّ بِيَاضًا نَاصِعًا يَفُوقُ ضِيَاءَ الشَّمْسِ، مِمَّا أَرْبَكَ صُفُوفَ الْمُعْتَدِينَ السَّمَاوِيِّينَ.
"أَنْتُمْ تَعْبُدُونَ الْقُوَّةَ، وَأَنَا أَعْبُدُ الْحَقَّ"، صَرَخَ "تْشِين يَان" وَهُوَ يَضْرِبُ بِكَفِّهِ فَرَاغَ الْفَضَاءِ. فَتَحَطَّمَتْ أُولَى السُّفُنِ النُّورَانِيَّةِ وَتَحَوَّلَتْ إِلَى شُهُبٍ سَاقِطَةٍ تُضِيءُ لَيْلَ الْمَدِينَةِ.
اشْتَعَلَتِ الْمَعْرَكَةُ بَيْنَ الْغُيُومِ، وَتَسَاقَطَتْ أَمْطَارٌ ذَهَبِيَّةٌ كُلَّمَا الْتَقَى نُورُهُ بِسِحْرِهِمُ الْمُظْلِمِ. كَانَتِ الْعَمَّةُ "شِيَانغ" تَنْظُرُ لِلْأَعْلَى وَتَدْعُو بِقَلْبٍ مُحْتَرِقٍ أَنْ يَعُودَ صَغِيرُهَا سَالِمًا.
حَاوَلَ قَائِدُ الْمُطَهِّرِينَ اسْتِخْدَامَ "مِرْآةِ الْفَنَاءِ" لِمَحْوِ وُجُودِ "تْشِين يَان" مِنَ الْكَوْنِ نِهَائِيًّا. لَكِنَّ الصَّغِيرَ انْعَكَسَ فِي الْمِرْآةِ كَآلَافِ النُّسَخِ، فَانْفَجَرَتِ الْأَدَاةُ مِنْ عِظَمِ رُوحِهِ.
سَقَطَ الْقَائِدُ السَّمَاوِيُّ مَهْزُومًا، فَقَالَ لَهُ "تْشِين يَان": "اخْبِرْ مَنْ أَرْسَلَكَ أَنَّ الْأَرْضَ حَرَّمَتْهَا عَلَيْكُمْ دِمَاءُ الشُّهَدَاءِ". رَحَلَ الْمُطَهِّرُونَ مَذْلُولِينَ، لَكِنَّهُمْ أَقْسَمُوا عَلَى الْعَوْدَةِ بِقُوَّةٍ أَكْبَرَ.
عَادَ الْبَطَلُ لِلْأَرْضِ، لِيَجِدَ أَنَّ "زِيَايُو" قَدْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ أَكَلَهُ الْحِقْدُ وَالْعَمَى فِي زِنْزَانَتِهِ. حَزِنَ "تْشِين يَان" عَلَى أَخِيهِ، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِ بِكَرَامَةٍ تَلِيقُ بِمَنْ كَانَ يَوْمًا طِفْلًا بَرِيئًا.
بَدَأَ الْجَدُّ "غُوشَان" يَشْعُرُ بِدُنُوِّ أَجَلِهِ، فَطَلَبَ مِنْ "تْشِين يَان" أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ. فَمَنَحَهُ الصَّغِيرُ رُؤْيَةً لِلْجَنَّةِ، لِيَرْحَلَ الشَّيْخُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِسَكِينَةٍ لَمْ يَعْرِفْهَا طِيلَةَ عُمْرِهِ.
أَصْبَحَتِ الْعَمَّةُ "شِيَانغ" هِيَ الْحَاكِمَةَ الْوَحِيدَةَ، وَأَسَّسَتْ دَوْلَةً تَقُومُ عَلَى الْعَدْلِ وَالْعِلْمِ بَرَغْمِ التَّهْدِيدَاتِ. كَانَ "تْشِين يَان" يُعَلِّمُ الْأَطْفَالَ كَيْفَ يَسْتَخْرِجُونَ النُّورَ مِنْ قُلُوبِهِمْ لِمُوَاجَهَةِ الظَّلامِ.
ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَصَلَتْ أَنْبَاءٌ عَنْ ظُهُورِ "تِنِّينِ الدَّمِ" فِي أَقْصَى الشَّمَالِ، وَهُوَ وَحْشٌ خَلَقَتْهُ السَّمَاءُ لِتَدْمِيرِ مَمْلَكَةِ "تْشِين". كَانَ الْوَحْشُ يَلْتَهِمُ الْجِبَالَ وَيَنْفُثُ نَارًا تُحِيلُ الْحَيَاةَ إِلَى سَرابٍ.
طَلَبَ النَّاسُ مِنَ الْعَبْقَرِيِّ التَّدَخُّلَ، فَانْطَلَقَ كَالشِّهَابِ نَحْوَ الشَّمَالِ الْمُتَجَمِّدِ. وَجَدَ التِّنِّينَ عِمْلَاقًا يَسُدُّ الْأُفُقَ، وَعَيْنَاهُ كَجَمْرَتَيْنِ مِنْ جَحِيمٍ قَدِيمٍ وَغَاضِبٍ جِدًّا.
لَمْ يُقَاتِلْهُ "تْشِين يَان" بِالْعُنْفِ، بَلْ بَدَأَ يَعْزِفُ عَلَى أَوْتَارِ الْهَوَاءِ لَحْنًا سَمَاوِيًّا رَقِيقًا. هَدَأَ التِّنِّينُ، وَبَدَأَتْ حَرَاشِفُهُ الصَّلْبَةُ تَتَسَاقَطُ لِيَظْهَرَ مَكَانَهَا رِيشٌ أَبْيَضُ نَاعِمٌ كَالْغَمَامِ.
تَحَوَّلَ الْوَحْشُ إِلَى طَائِرٍ مَلَكِيٍّ عَظِيمٍ، وَقَبَّلَ يَدَ الصَّغِيرِ مُعْلِنًا وَلَاءَهُ لَهُ وَلِلْأَرْضِ. كَانَتْ هَذِهِ رِسَالَةً لِلسَّمَاءِ أَنَّ كُلَّ خَلْقِهِمْ سَيَنْحَنِي أَمَامَ سُلْطَانِ الْمَحَبَّةِ الْإِلَهِيَّةِ.
عَادَ "تْشِين يَان" مُمْتَطِيًا ظَهْرَ الطَّائِرِ، فَهَلَّلَ النَّاسُ وَأَدْرَكُوا أَنَّ مَلِكَهُمْ لَيْسَ جَبَّارًا بَلْ هُوَ رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ. بَدَأَتِ الْأَسَاطِيرُ تُكْتَبُ عَنْهُ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ وَفِي كُلِّ زَاوِيَةٍ.
لَكِنَّ الصِّرَاعَ لَمْ يَنْتَهِ بَعْدُ، فَقَدْ قَرَّرَتِ "الْآلِهَةُ السَّبْعَةُ" النُّزُولَ بِأَنْفُسِهِمْ لِمُحَاكَمَةِ الْأَرْضِ. كَانُوا يَمْلِكُونَ مَفَاتِيحَ الْوُجُودِ، وَيَسْتَطِيعُونَ إِطْفَاءَ الشَّمْسِ بِنَقْرَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أَصَابِعِهِمْ.
اجْتَمَعَ "تْشِين يَان" بِتَلامِيذِهِ وَقَالَ: "هَذِهِ هِيَ الْحَرْبُ الْكُبْرَى، سَأَحْتَاجُ لِكُلِّ ذَرَّةِ إِيمَانٍ فِيكُمْ لِنَصْمُدَ أَمَامَهُمْ. لَا تَنْظُرُوا لِعَظَمَتِهِمْ، بَلْ انْظُرُوا لِصِدْقِ مَا فِيكُمْ".
أَعَدَّ الصَّغِيرُ طُقُوسًا لِحِمَايَةِ الرُّوحِ الْبَشَرِيَّةِ، وَنَشَرَ خِيَامًا مِنَ النُّورِ حَوْلَ الْمَمْلَكَةِ. كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْمُوَاجَهَةَ سَتُحَدِّدُ مَصِيرَ الْخَلْقِ لِمَلَايِينِ السِّنِينَ الْقَادِمَةِ.
نَزَلَ الْآلِهَةُ السَّبْعَةُ، وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ هَيْبَةٌ تُصِيبُ الْقُلُوبَ بِالرَّجِيفِ. وَقَفُوا أَمَامَ الْمَعْبَدِ، وَقَالُوا: "سَلِّمِ الْجَوْهَرَةَ وَاعُدْ مَعَنَا سَجِينًا، أَوْ نَمْحُ هَذَا الْكَوْكَبَ مِنَ الْوُجُودِ".
نَظَرَ "تْشِين يَان" إِلَى عَمَّتِهِ، ثُمَّ إِلَى النَّاسِ، وَأَخِيرًا إِلَى السَّمَاءِ الْعَالِيَةِ جِدًّا. خَلَعَ رِدَاءَهُ الْبَشَرِيَّ، وَكَشَفَ عَنْ جَسَدِهِ الْمُكَوَّنِ مِنْ مَجَرَّاتٍ وَنُجُومٍ مُتَصَادِمَةٍ.
"أَنَا لَسْتُ سَجِينًا لَكُمْ، أَنَا مَنْ خَلَقَ نُورَكُمْ هَذَا فِي بَدْءِ التَّكْوِينِ"، نَطَقَ بِصَوْتٍ أَدَّى لِانْحِنَاءِ الْآلِهَةِ السَّبْعَةِ رَغْمًا عَنْهُمْ. لَقَدْ كَانَ "تْشِين يَان" هُوَ الْأَصْلَ، وَهُمْ مُجَرَّدُ فُرُوعٍ.
ذُهِلَ الْجَمِيعُ مِنَ الْحَقِيقَةِ الصَّادِمَةِ، فَالطِّفْلُ الْمُضْطَهَدُ هُوَ "خَالِقُ النُّورِ" نَفْسُهُ الَّذِي نَزَلَ لِيَخْتَبِرَ خَلْقَهُ. بَدَأَتِ الْآلِهَةُ تَرْتَجِفُ، وَأَدْرَكُوا أَنَّهُمْ حَاوَلُوا مُحَاكَمَةَ مَنْ أَعْطَاهُمُ الْحَيَاةَ.
قَالَ لَهُمْ: "لَقَدْ أَفْسَدْتُمْ فِي السَّمَاوَاتِ كَمَا أَفْسَدَ الظَّالِمُونَ فِي الْأَرْضِ، وَالْيَوْمَ أُسْقِطُ عَنْكُمْ أُلُوهِيَّتَكُمْ الزَّائِفَةَ". بِمُجَرَّدِ أَنْ نَطَقَ، تَحَوَّلَ الْآلِهَةُ إِلَى بَشَرٍ عَادِيِّينَ يَجُوعُونَ وَيَعْطَشُونَ.
عَمَّ النُّورُ الْأَرْضَ كُلَّهَا، وَأَصْبَحَ الْكَوْنُ فِي حَالَةِ تَسْبِيحٍ دَائِمٍ لِعَظَمَةِ الْخَالِقِ الْمُتَجَسِّدِ. لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ حُدُودٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، بَلْ صَارَ كُلُّ شَيْءٍ وَاحِدًا فِي مَحْرَابِ الْعَدْلِ.
بَعْدَ تَطْهِيرِ السَّمَاوَاتِ، جَلَسَ "تْشِين يَان" مَعَ عَمَّتِهِ لِآخِرِ مَرَّةٍ كَطِفْلٍ صَغِيرٍ. قَالَ لَهَا: "لَقَدْ انْتَهَتِ الْمَلْحَمَةُ، وَسَأَبْقَى فِيكِ وَفِي كُلِّ نَسَمَةِ هَوَاءٍ تُحْيِي الْأَرْضَ".
فِي هَذَا الْجُزْءِ، تَمَّ كَشْفُ السِّرِّ الْأَعْظَمِ لِـ "تْشِين يَان" وَحَقِيقَتِهِ الَّتِي تَفُوقُ الْخَيَالَ. وَبَدَأَ الْعَالَمُ عَصْرًا جَدِيدًا لَا ظُلْمَ فِيهِ وَلَا طُغْيَانَ، تَحْتَ رِعَايَةِ رُوحِهِ الْخَالِدَةِ.
لَكِنَّ الرِّحْلَةَ لَمْ تَنْتَهِ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، فَمَا زَالَتْ هُنَاكَ عَوَالِمُ أُخْرَى تَنْتَظِرُ نُورَهُ. وَالْجُزْءُ الْقَادِمُ سَيَحْمِلُ لَنَا كَيْفَ بَنَى "إِمْبَرَاطُورِيَّةَ الرُّوحِ" الَّتِي لَا تَغِيبُ عَنْهَا شَمْسُ الْحَقِيقَةِ.بَعْدَ رَحِيلِ الْآلِهَةِ السَّبْعَةِ، بَدَأَ "تْشِين يَان" فِي رَسْمِ مَعَالِمِ الْعَصْرِ الْجَدِيدِ. لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ قُصُورًا مِنَ الْحِجَارَةِ، بَلْ صُرُوحًا مِنَ الْقِيَمِ تَبْقَى حَيَّةً فِي نُفُوسِ النَّاسِ كُلِّهِمْ.
أَمَرَ بِفَتْحِ خَزَائِنِ الْعِلْمِ السَّمَاوِيِّ لِكُلِّ مُرِيدٍ، وَجَعَلَ الْمَعْبَدَ مَلاذًا لِلْأَيْتَامِ وَالْمَسَاكِينِ. كَانَتْ كَلِمَاتُهُ تَنْسَابُ كَالْجَدَاوِلِ، تَرْوِي الْعُقُولَ الظَّامِئَةَ لِلْحَقِيقَةِ وَتَطْرُدُ الْجَهْلَ.
تَحَوَّلَتِ الْمَدِينَةُ إِلَى وَاحَةٍ مِنَ السَّلامِ، حَيْثُ يَتَعَايَشُ الْقَوِيُّ مَعَ الضَّعِيفِ دُونَ خَوْفٍ. بَدَأَ التُّجَّارُ يَتَعَامَلُونَ بِالْأَمَانَةِ، وَأَصْبَحَتِ الضَّرَائِبُ صَدَقَاتٍ تُنْفَقُ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ.
الْعَمَّةُ "شِيَانغ" كَانَتْ تُرَاقِبُ بِفَخْرٍ كَيْفَ كَبُرَ حُلْمُهَا الصَّغِيرُ لِيُصْبِحَ حَقِيقَةً كَوْنِيَّةً. لَمْ تَعُدْ تَخْشَى الْفَقْرَ، فَقَدْ أَغْنَاهَا "تْشِين يَان" بِمَحَبَّةِ النَّاسِ وَرِضَا الْخَالِقِ.
ذَاتَ صَبَاحٍ، جَاءَ وَفْدٌ مِنْ مَمَالِكَ بَعِيدَةٍ، يَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ. لَكِنَّهُ رَفَضَ التَّاجَ، وَقَالَ: "الْمُلْكُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَأَنَا خَادِمٌ لَكُمْ حَتَّى آخِرِ نَفَسٍ".
بَدَأَ الصَّغِيرُ فِي زِرَاعَةِ "أَشْجَارِ النُّورِ" فِي مَيَادِينِ الْمَدِينَةِ، وَهِيَ أَشْجَارٌ تَشِعُّ ضِيَاءً فِي اللَّيْلِ. كَانَتْ تَمْتَصُّ طَاقَةَ الْحُزْنِ وَتُحَوِّلُهَا إِلَى بَرَكَاتٍ تَسْقُطُ مَعَ النَّدَى.
عَلَّمَ "تْشِين يَان" النَّاسَ لُغَةَ الطُّيُورِ وَالْحَيَوَانَاتِ، فَعَمَّ التَّنَاغُمُ بَيْنَ كُلِّ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ. لَمْ يَعُدِ الصَّيْدُ لِلْمُتْعَةِ مَوْجُودًا، بَلْ أَصْبَحَ التَّعَاوُنُ هُوَ رُوحَ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ.
لَكِنَّ فِئَةً مِنَ الْكَهَنَةِ الْقُدَامَى حَاوَلُوا إِثَارَةَ الْفِتْنَةِ، مُدَّعِينَ أَنَّ "تْشِين يَان" يَسْرِقُ مَكَانَتَهُمْ. جَمَعُوا حَوْلَهُمْ بَعْضَ الْغَافِلِينَ، وَحَاوَلُوا حَرْقَ الْمَكْتَبَةِ السَّمَاوِيَّةِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ.
حِينَ اقْتَرَبُوا مِنَ النَّارِ، وَجَدُوهَا تَتَحَوَّلُ إِلَى فَرَاشَاتٍ مُلَوَّنَةٍ تَطِيرُ حَوْلَهُمْ بِلُطْفٍ. ظَهَرَ لَهُمْ "تْشِين يَان" وَقَالَ: "النُّورُ لَا يُحْرَقُ، وَالْحَقِيقَةُ لَا تَمُوتُ بِفِعْلِ الْحَاقِدِينَ".
خَجِلَ الْكَهَنَةُ مِنْ سُوءِ فِعْلِهِمْ، وَطَلَبُوا أَنْ يَكُونُوا تَلَامِيذَ فِي مَدْرَسَةِ الرَّحْمَةِ. فَقَبِلَهُمْ بِصَدْرٍ رَحْبٍ، وَأَعْطَاهُمْ مَهَامَّ تَنْظِيفِ الشَّوَارِعِ لِيَتَعَلَّمُوا التَّوَاضُعَ الْحَقِيقِيَّ لِلرُّوحِ.
بَنَى "تْشِين يَان" جِسْرًا رُوحَانِيًّا يَصِلُ بَيْنَ الْقُلُوبِ، حَيْثُ يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ سَمَاعُ أَلَمِ أَخِيهِ. وَهَكَذَا اخْتَفَى الظُّلْمُ، لِأَنَّ كُلَّ ظَالِمٍ كَانَ يَشْعُرُ بِوَجَعِ مَنْ يَظْلِمُهُ فَوْرًا.
أَصْبَحَ الْمَزَادُ الْقَدِيمُ الَّذِي شَهِدَ بِدَايَةَ الرِّحْلَةِ مَتْحَفًا لِلْعِبْرَةِ وَالذِّكْرَى. يَزُورُهُ النَّاسُ لِيَتَذَكَّرُوا كَيْفَ كَانَ الْجَهْلُ يَقُودُهُمْ لِاحْتِقَارِ الْكُنُوزِ السَّمَاوِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ.
ذَاتَ يَوْمٍ، وَصَلَ غَرِيبٌ يَحْمِلُ مَعَهُ مَرَضًا مَجْهُولًا يَنْهَشُ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ. خَافَ الْجَمِيعُ مِنَ الِاقْتِرَابِ مِنْهُ، لَكِنَّ "تْشِين يَان" حَمَلَهُ بِيَدَيْهِ إِلَى قَلْبِ الْمَعْبَدِ.
"هَذَا الْمَرَضُ نَاتِجٌ عَنِ الْيَأْسِ"، هَكَذَا شَخَّصَ الصَّغِيرُ الْحَالَةَ بِبَصِيرَتِهِ النَّافِذَةِ. بَدَأَ يَنْفُثُ فِي صَدْرِ الْغَرِيبِ أَنْفَاسَ الْأَمَلِ، حَتَّى عَادَتِ الدِّمَاءُ تَجْرِي فِي عُرُوقِهِ بِنَشَاطٍ.
انْتَشَرَ خَبَرُ الشِّفَاءِ، فَأَصْبَحَ الْمَعْبَدُ مَقْصِدًا لِكُلِّ حَزِينٍ وَمَكْسُورِ جَنَاحٍ فِي الْأَرْضِ. كَانَ "تْشِين يَان" لَا يَمَلُّ مِنْ خِدْمَتِهِمْ، مُعْتَبِرًا ذَلِكَ أَعْظَمَ عِبَادَةٍ يَقُدِّمُهَا لِلْخَالِقِ.
فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ، بَدَأَتْ طَاقَةُ "جَوْهَرَةِ السَّمَاءِ" تَتَسَرَّبُ لِتُطَهِّرَ تُرْبَةَ الْأَرْضِ مِنَ السُّمُومِ. نَبَتَتْ زُهُورٌ لَمْ تُرَ مِنْ قَبْلُ، عِطْرُهَا يَجْلِبُ النَّوْمَ الْهَادِئَ وَالْأَحْلامَ الصَّادِقَةَ لِلنَّائِمِينَ.
أَسَّسَ "تْشِين يَان" نِظَامًا لِلْقَضَاءِ يَعْتَمِدُ عَلَى رُؤْيَةِ الْحَقَائِقِ الْمُجَرَّدَةِ مِنَ الْهَوَى. لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ حَاجَةٌ لِلشُّهُودِ، فَالْكَذِبُ كَانَ يَتَلَاشَى أَمَامَ بَرِيقِ عَيْنَيِ الْقَاضِي الصَّغِيرِ.
تَعَافَتِ الطَّبِيعَةُ كُلُّهَا، وَأَصْبَحَتِ الْغَابَاتُ تَمْنَحُ ثِمَارَهَا بِسَخَاءٍ لِكُلِّ جَائِعٍ يَمُرُّ بِهَا. لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ فَقْرٌ مُدْقِعٌ، لِأَنَّ الْأَرْضَ أَصْبَحَتْ تُعْطِي بِقَدْرِ مَا يُبْذَلُ فِيهَا مِنْ حُبٍّ.
جَاءَتِ اللَّحْظَةُ الَّتِي طَلَبَ فِيهَا التَّلامِيذُ مِنَ الْمُعَلِّمِ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ دُسْتُورًا خَالِدًا. فَأَخَذَ رِيشَةً مِنَ النُّورِ وَكَتَبَ كَلِمَةً وَاحِدَةً عَلَى جِدَارِ الْمَعْبَدِ: "الرَّحْمَةُ".
قَالَ لَهُمْ: "إِذَا حَكَمَتِ الرَّحْمَةُ قُلُوبَكُمْ، فَلَنْ تَحْتَاجُوا لِقَوَانِينَ الْبَشَرِ الْجَامِدَةِ". وَصَارَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ هِيَ الْمِشْكَاةُ الَّتِي تُضِيءُ دُرُوبَهُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْفِتَنِ.
فِي هَذَا الْجُزْءِ، نَرَى كَيْفَ تَحَوَّلَتِ الْأُسْطُورَةُ إِلَى مَنْهَجِ حَيَاةٍ يَمَسُّ كُلَّ فَرْدٍ. وَكَيْفَ أَنَّ "تْشِين يَان" نَجَحَ فِي جَعْلِ السَّمَاءِ تَبْتَسِمُ لِلْأَرْضِ بَعْدَ طُولِ جَفَاءٍ.
لَكِنَّ السُّكُونَ الَّذِي يَعْقِبُ الْبِنَاءَ قَدْ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ تَحَدِّيَاتٍ رُوحِيَّةً جَدِيدَةً جِدًّا. فَمَاذَا سَيَفْعَلُ الْبَطَلُ حِينَ يَشْعُرُ أَنَّ مَهَمَّتَهُ الْأَرْضِيَّةَ قَدْ أَوْشَكَتْ عَلَى التَّمَامِ؟
تَرَقَّبُوا الْجُزْءَ الثَّامِنَ، حَيْثُ تَبْدَأُ رِحْلَةُ "الْوَدَاعِ الْأَكْبَرِ" وَتَسْلِيمِ الْأَمَانَةِ لِأَجْيَالِ الْمُسْتَقْبَلِ. وَكَيْفَ سَيَتَعَامَلُ النَّاسُ مَعَ فِكْرَةِ رَحِيلِ نُورِهِمْ بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِهِمْ.شَعَرَ "تْشِين يَان" بِثِقْلٍ فِي رُوحِهِ، لَيْسَ تَعَبًا بَلْ إِحْسَاسًا بِأَنَّ الدَّائِرَةَ الزَّمَنِيَّةَ قَدِ اكْتَمَلَتْ. نَظَرَ إِلَى يَدَيْهِ الصَّغِيرَتَيْنِ، فَرَأَى فِيهِمَا بَرَكَاتِ الدُّنْيَا وَأَسْرَارَ الْمَاضِي السَّحِيقِ.
جَمَعَ كِبَارَ الْمَدِينَةِ وَأَطْفَالَهَا فِي سَاحَةِ الْمَعْبَدِ الْكَبِيرِ، وَالْتَفَّ الْجَمِيعُ حَوْلَهُ بِخُشُوعٍ بَالِغٍ. كَانَتِ الْعَمَّةُ "شِيَانغ" تَقِفُ قَرِيبَةً مِنْهُ، تُرَاقِبُ مَلَامِحَهُ الَّتِي اصْبَحَتْ كَالنُّورِ الصَّافِي.
"أَيُّهَا النَّاسُ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ كَغَرِيبٍ وَآوَيْتُمُونِي، وَالْيَوْمَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ تَعَلُّقِكُمْ بِشَخْصِي بَدَلًا مِنْ نُورِي". هَكَذَا نَطَقَ، فَسَادَ الصَّمْتُ وَبَدَأَتِ الدُّمُوعُ تَتَرَقْرَقُ فِي الْعُيُونِ الْبَرِيئَةِ.
بَدَأَ فِي بِنَاءِ "مَنَارَةِ الْحِكْمَةِ"، وَهِيَ مَكْتَبَةٌ لَا تَحْتَاجُ إِلَى كُتُبٍ، بَلْ إِلَى صَفَاءِ ذِهْنٍ. يَسْتَطِيعُ أَيُّ شَخْصٍ أَنْ يَدْخُلَهَا وَيَسْمَعَ صَوْتَ الْحَقِيقَةِ يَهْمِسُ فِي أُذُنِهِ بِكُلِّ رِفْقٍ.
قَسَّمَ جَوْهَرَتَهُ السَّمَاوِيَّةَ إِلَى آلَافِ الشَّظَايَا الصَّغِيرَةِ، وَوَزَّعَهَا عَلَى السَّمَاءِ لِتُصْبِحَ نُجُومًا تَهْدِي الضَّالِّينَ. لَمْ يَعُدْ يَحْتَاجُ لِقُوَّةٍ خَاصَّةٍ، فَقَدْ جَعَلَ الْقُوَّةَ مِلْكًا لِلْجَمِيعِ بِتَسَاوٍ عَدْلٍ.
تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ تَحْمِلُ طِفْلًا مَرِيضًا، فَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ لَهَا: "مِنَ الْآنَ، قَلْبُكِ الصَّادِقُ هُوَ مَنْ سَيَشْفِيهِ". لَقَدْ نَقَلَ سِرَّ الْمُعْجِزَةِ إِلَى قُوَّةِ الْإِيمَانِ الْبَشَرِيِّ الْمَحْضِ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، بَدَأَ جَسَدُ "تْشِين يَان" يَصِيرُ شَفَّافًا كَالْبَلُّورِ النَّقِيِّ. كَانَ يَرَى عَمَّتَهُ تَبْكِي بِصَمْتٍ، فَاقْتَرَبَ مِنْهَا وَقَالَ: "سَأَظَلُّ أَبْنُكِ الَّذِي اخْتَرْتِهِ، وَسَتَظَلِّينَ أُمِّي الَّتِي حَمَتْنِي".
أَمَرَ بِإِغْلَاقِ بَوَّابَاتِ الْمَدِينَةِ لِمُدَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، لِيَتَعَلَّمَ النَّاسُ الِاعْتِمَادَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَكَانَ يُشْرِفُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعِيدٍ، كَأَنَّهُ طَيْفٌ رَحِيمٌ يَحُومُ فَوْقَ السُّطُوحِ وَالْبَيُوتِ.
ظَهَرَتْ لَهُ "رُوحُ الْأَرْضِ" لِتَشْكُرَهُ عَلَى تَطْهِيرِهَا مِنَ الظُّلْمِ وَالدَّمِ الْمَسْفُوكِ. قَالَتْ لَهُ: "لَقَدْ أَعَدْتَ لِي شَبَابِي، وَسَأَحْفَظُ ذِكْرَاكَ فِي كُلِّ نَبْتَةٍ تَخْرُجُ مِنْ صَدْرِي الْحَنُونِ".
بَدَأَ التَّلَامِيذُ فِي نَشْرِ تَعَالِيمِهِ فِي الْمَمَالِكِ الْمُجَاوِرَةِ، حَيْثُ كَانُوا يَمْشُونَ بِلَا سِلَاحٍ. كَانَتْ هَيْبَتُهُمْ الْمُسْتَمَدَّةُ مِنْ نُورِهِ كَافِيَةً لِإِخْضَاعِ أَطْغَى الْجَبَابِرَةِ وَالْمُلُوكِ الظَّالِمِينَ.
فِي آخِرِ لَيْلَةٍ لَهُ بَيْنَهُمْ، صَعَدَ إِلَى قِمَّةِ الْجَبَلِ الَّذِي شَهِدَ هُبُوطَهُ الْأَوَّلَ. كَانَ الْهَوَاءُ مُعَطَّرًا بِرَائِحَةِ السَّكِينَةِ، وَالْقَمَرُ يَبْدُو كَأَنَّهُ يَقْتَرِبُ لِيُوَدِّعَ سَيِّدَ النُّورِ وَالْبَهَاءِ.
"يَا أَيُّهَا الْخَالِقُ، لَقَدْ أَدَّيْتُ الْأَمَانَةَ وَعَلَّمْتُهُمْ مَعْنَى الْحُبِّ"، نَاجَى السَّمَاءَ بِصَوْتٍ خَاشِعٍ. فَفُتِحَتْ أَبْوابُ الْأُفُقِ، وَظَهَرَتْ مَلَائِكَةُ النُّورِ تَحْمِلُ رِدَاءَ الْعَوْدَةِ إِلَى الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.
لَكِنَّهُ طَلَبَ طَلَبًا أَخِيرًا، أَنْ يَبْقَى صَوْتُهُ فِي رَنِينِ أَجْرَاسِ الْمَعْبَدِ. لِيَذْكُرَ النَّاسُ دَائِمًا أَنَّ الْعَظَمَةَ تَبْدَأُ مِنَ التَّوَاضُعِ، وَأَنَّ السَّمَاءَ تُحِبُّ الرُّحَمَاءَ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ.
نَزَلَتِ الْعَمَّةُ "شِيَانغ" مَعَ حُشُودِ النَّاسِ لِيَرَوهُ لِلْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ قَبْلَ الرَّحِيلِ. كَانَ يَشِعُّ ضِيَاءً يَمْلأُ الْوُدْيَانَ، وَيَرْسُمُ عَلَى وُجُوهِهِمْ بَسْمَةَ الرِّضَا وَالْأَمَانِ الْأَبَدِيِّ.
قَبَّلَ التُّرَابَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: "مِنْكِ خُلِقُوا، وَإِلَيْكِ يَعُودُونَ، فَاكُونِي رَحِيمَةً بِهِمْ". ثُمَّ ارْتَفَعَ بِيُبْطٍ شَدِيدٍ، كَأَنَّهُ يَمْنَحُهُمْ فُرْصَةً لِحِفْظِ مَلَامِحِهِ فِي أَعْمَاقِ قُلُوبِهِمْ.
فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي اخْتَفَى فِيهَا، نَزَلَ مَطَرٌ لَطِيفٌ غَسَلَ كُلَّ الْأَحْزَانِ الْمُتَبَقِّيَةِ. وَأَصْبَحَتِ الْمَدِينَةُ تُدْعَى "مَدِينَةَ النُّورِ"، وَصَارَ اسْمُهُ نَشِيدًا يَتَرَنَّمُ بِهِ الْأَطْفَالُ كُلَّ مَسَاءٍ.
أَمَّا "تْشِين شِيَانغ"، فَقَدْ نَذَرَتْ حَيَاتَهَا لِخِدْمَةِ الْغُرَبَاءِ تَمَثُّلًا بِمَنْ رَعَاهَا. وَأَصْبَحَتْ حِكْمَتُهَا مَضْرِبَ الْأَمْثَالِ، حَتَّى قِيلَ إِنَّهَا تَحْمِلُ قَلْبَ "تْشِين يَان" بَيْنَ ضُلُوعِهَا.
تَحَوَّلَ الْقَصْرُ الْقَدِيمُ لِعَائِلَةِ "تْشِين" إِلَى مَدْرَسَةٍ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّأَمُّلِ الرُّوحِيِّ. وَمُحِيَتْ ذِكْرَى الظُّلْمِ، وَبَقِيَتْ ذِكْرَى الطِّفْلِ الَّذِي جَعَلَ الْعَائِلَةَ تَرْكَعُ لِلْحَقِّ لَا لِلْمَالِ.
فِي هَذَا الْجُزْءِ، نَوَدِّعُ الصُّورَةَ الْجَسَدِيَّةَ لِلْعَبْقَرِيِّ السَّمَاوِيِّ، لِنَسْتَقْبِلَ رُوحَهُ الْخَالِدَةَ. وَنَتَعَلَّمُ أَنَّ الْبَقَاءَ لَيْسَ بِالْقُوَّةِ، بَلْ بِالْأَثَرِ الطَّيِّبِ الَّذِي يَبْقَى بَعْدَ غِيَابِ الْأَجْسَادِ.
لَكِنَّ الرِّسَالَةَ لَمْ تَنْتَهِ بَعْدُ، فَهُنَاكَ سِرٌّ أَخِيرٌ سَيُكْشَفُ فِي الْخَاتِمَةِ. سِرٌّ يَرْبِطُ كُلَّ مَا حَدَثَ بِمُسْتَقْبَلِ كُلِّ مَنْ يَقْرَأُ هَذِهِ الْقِصَّةَ الْمُقَدَّسَةَ وَالْعَظِيمَةَ.
تَرَقَّبُوا الْجُزْءَ التَّاسِعَ، حَيْثُ "ظُهُورُ الْوَرِيثِ" الَّذِي سَيَحْمِلُ الشُّعْلَةَ بَعْدَ "تْشِين يَان". وَكَيْفَ سَتُوَاجِهُ الْمَدِينَةُ أَوَّلَ اخْتِبَارٍ حَقِيقِيٍّ بَعْدَ صُعُودِ مُعَلِّمِهَا لِلسَّمَاوَاتِ.
مَرَّتِ السَّنَوَاتُ سَرِيعَةً بَعْدَ صُعُودِ "تْشِين يَان"، وَأَصْبَحَتْ ذِكْرَاهُ قُوَّةً مَعْنَوِيَّةً تُحَرِّكُ الْقُلُوبَ. لَكِنَّ الْبَشَرَ بِطَبْعِهِمْ يَنْسَوْنَ، فَبَدَأَتْ بَعْضُ النُّفُوسِ الضَّعِيفَةِ تَحِنُّ لِلْمَالِ.
ظَهَرَ شَابٌّ يَتِيمٌ يُدْعَى "لِين"، كَانَ يَعِيشُ فِي أَكْنَافِ الْمَعْبَدِ وَيَحْفَظُ حِكَمَ الصَّغِيرِ. كَانَ هَادِئًا جِدًّا، لَكِنَّ فِي عَيْنَيْهِ بَرِيقًا يُشْبِهُ ذَلِكَ الضِّيَاءَ الَّذِي تَرَكَهُ الْعَبْقَرِيُّ.
الْعَمَّةُ "شِيَانغ" كَبُرَتْ فِي السِّنِّ، وَبَدَأَتْ تَبْحَثُ عَمَّنْ يَحْمِلُ الرَّايَةَ مِنْ بَعْدِهَا. رَأَتْ فِي "لِين" صِدْقَ الْقَوْلِ وَنَقَاءَ السَّرِيرَةِ، فَجَعَلَتْهُ مُسَاعِدَهَا الْأَوَّلَ فِي إِدَارَةِ الشُّؤُونِ.
فِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ، كَانَ هُنَاكَ تَاجِرٌ جَشِعٌ يُدْعَى "صَقْر"، جَاءَ مِنْ خَلْفِ الْبِحَارِ لِيَهْدِمَ قِيَمَ الْمَدِينَةِ. بَدَأَ يُغْرِي الشَّبَابَ بِالذَّهَبِ وَالْمُتَعِ الزَّائِلَةِ، لِيَصْرِفَهُمْ عَنْ طَرِيقِ النُّورِ.
حَاوَلَ "صَقْر" شِرَاءَ أَرْضِ الْمَعْبَدِ لِيُحَوِّلَهَا إِلَى مَصْنَعٍ لِلسِّلَاحِ، لَكِنَّ "لِين" وَقَفَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ. قَالَ لَهُ: "هَذِهِ الْأَرْضُ مَسْقَىً بِالْبَرَكَةِ، وَلَا تُبَاعُ بِكُنُوزِ الْأَرْضِ كُلِّهَا".
غَضِبَ التَّاجِرُ وَدَبَّرَ مَكِيدَةً لِاتِّهَامِ "لِين" بِالسَّرِقَةِ، مُسْتَغِلًّا غِيَابَ الْمُعْجِزَاتِ الْمَادِّيَّةِ الْفَوْرِيَّةِ. اجْتَمَعَ النَّاسُ فِي السَّاحَةِ يَتَسَاءَلُونَ: "أَيْنَ نُورُ تْشِين يَان لِيُنْقِذَنَا؟".
سُجِنَ "لِين" فِي نَفْسِ الزِّنْزَانَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا "زِيَايُو" قَدِيمًا، لِيَكُونَ ذَلِكَ اخْتِبَارًا لِصَبْرِهِ. لَمْ يَبْكِ أَوْ يَعْتَرِضْ، بَلْ بَدَأَ يُصَلِّي وَيَتَأَمَّلُ فِي رُوحِ مُعَلِّمِهِ الْخَالِدِ.
فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، أَضَاءَتْ جُدْرَانُ السِّجْنِ بِنُورٍ خَفِيٍّ، وَظَهَرَ طَيْفُ "تْشِين يَان" لِلْفَتَى. هَمَسَ لَهُ: "الْمُعْجِزَةُ الْآنَ فِيكَ أَنْتَ، فَلَا تَنْتَظِرْ صَاعِقَةً مِنَ السَّمَاءِ لِتَنْصُرَكَ".
اسْتَيْقَظَ "لِين" بِقُوَّةٍ جَدِيدَةٍ، وَبَدَأَ يَتَحَدَّثُ لِلْحُرَّاسِ عَنِ الْعَدْلِ وَالْوَفَاءِ. تَأَثَّرُوا بِكَلَامِهِ، فَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ فَتَحُوا لَهُ الْأَبْوَابَ وَسَارُوا خَلْفَهُ نَحْوَ مَقَرِّ التَّاجِرِ.
وَاجَهَ "لِين" "صَقْرًا" أَمَامَ الْجَمِيعِ، وَكَشَفَ تَلَاعُبَهُ بِالْأَوْرَاقِ وَالْمَكايِيلِ بِدِقَّةٍ مُذْهِلَةٍ. لَمْ يَسْتَخْدِمْ سِحْرًا، بَلِ اسْتَخْدَمَ الْعَقْلَ الَّذِي طَهَّرَهُ النُّورُ السَّمَاوِيُّ السَّابِقُ.
خَجِلَ النَّاسُ مِنْ شَكِّهِمْ، وَطَرَدُوا "صَقْرًا" خَارِجَ الْحُدُودِ، مُعْلِنِينَ أَنَّ "لِين" هُوَ الْوَرِيثُ الْحَقِيقِيُّ. فَرِحَتِ الْعَمَّةُ "شِيَانغ" وَقَالَتْ: "الْآنَ أَسْتَطِيعُ الرَّحِيلَ وَأَنَا مُطْمَئِنَّةٌ عَلَى الْأَمَانَةِ".
أُقِيمَ حَفْلٌ كَبِيرٌ لِتَنْصِيبِ "لِين" سَيِّدًا لِلْمَعْبَدِ، وَحَضَرَتْ أَرْوَاحُ الصَّالِحِينَ لِتُبَارِكَ هَذَا الْيَوْمَ. كَانَ الْجَوُّ مَمْلُوءًا بِعِطْرِ الْيَاسَمِينِ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ "تْشِين يَان" كَثِيرًا.
بَدَأَ الْوَرِيثُ فِي جَمْعِ شَتَاتِ الْعَائِلَاتِ الْمُتَنَاحِرَةِ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بِالْمَوَدَّةِ. لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ، بَلْ أَصْبَحَ الْجَمِيعُ إِخْوَةً فِي مِحْرَابِ الْإِنْسَانِيَّةِ.
ذَاتَ مَسَاءٍ، نَزَلَ "تْشِين يَان" مِنْ عَرْشِهِ السَّمَاوِيِّ فِي صُورَةِ عَابِرِ سَبِيلٍ لِيَخْتَبِرَ "لِين". طَلَبَ مِنْهُ طَعَامًا وَمَأْوَىً، فَأَعْطَاهُ الْفَتَى أَفْضَلَ مَا عِنْدَهُ بِكُلِّ تَوَاضُعٍ وَحُبٍّ.
تَبَسَّمَ الْغَرِيبُ وَكَشَفَ عَنْ هُوِيَّتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ، فَسَجَدَ "لِين" إِجْلَالًا لَهُ. قَالَ لَهُ الْمُعَلِّمُ: "قُمْ يَا وَرِيثِي، فَقَدْ أَثْبَتَّ أَنَّ الرُّوحَ أَقْوَى مِنَ الْمَادَّةِ، وَأَنَّكَ تَسْتَحِقُّ سِرِّي".
أَعْطَاهُ مِفْتَاحَ "الْأَبْعَادِ السَّبْعَةِ"، وَهُوَ مِفْتَاحٌ يَفْتَحُ أَبْوَابَ الرَّحْمَةِ فِي لَحَظَاتِ الشِّدَّةِ الْقُصْوَى. وَأَوْصَاهُ أَنْ يَظَلَّ قَرِيبًا مِنَ الضُّعَفَاءِ، لِأَنَّ دَعْوَتَهُمْ هِيَ سُلَّمُ السَّمَاءِ.
تَحَوَّلَتِ الْمَدِينَةُ فِي عَهْدِ "لِين" إِلَى مَنْارَةٍ لِلْعَالَمِ أَجْمَعَ، تَقْصِدُهَا الْقَوَافِلُ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ. وَصَارَتْ قِصَّةُ "تْشِين يَان" تُدَرَّسُ لِلْأَجْيَالِ كَمِثَالٍ لِلتَّضْحِيَةِ وَالْعَدْلِ الْمُطْلَقِ.
أَمَّا الْعَمَّةُ "شِيَانغ"، فَقَدْ رَحَلَتْ بِسَلَامٍ وَهِيَ تَبْتَسِمُ، وَدُفِنَتْ بِجِوَارِ الْمَعْبَدِ الَّذِي رَعَتْهُ. وَيُقَالُ إِنَّ زُهُورًا غَرِيبَةً تَنْبُتُ فَوْقَ قَبْرِهَا، لَا تَذْبُلُ أَبَدًا مَهْمَا طَالَ الزَّمَنُ.
فِي هَذَا الْجُزْءِ، نَتَعَلَّمُ أَنَّ الْوَرِيثَ لَيْسَ مَنْ يَمْلِكُ الدَّمَ، بَلْ مَنْ يَمْلِكُ الْقَلْبَ الطَّاهِرَ. وَأَنَّ نُورَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُظَمَاءِ يَبْقَى حَيًّا فِي تَصَرُّفَاتِ أَتْبَاعِهِمْ لَا فِي أَقْوَالِهِمْ.
لَقَدْ بَاتَتِ الْمَلْحَمَةُ تَقْتَرِبُ مِنْ نِهَايَتِهَا الْعُظْمَى، حَيْثُ تَتَّحِدُ الْأَرْضُ بِالسَّمَاءِ فِي لَحْظَةٍ لَا تَنْسَى. وَالْخَاتِمَةُ سَتَكُونُ هِيَ الْفَصْلَ الْأَرْوَعَ الَّذِي يَحْبِسُ الْأَنْفَاسَ وَيُبْكِي الْعُيُونَ.
تَرَقَّبُوا الْجُزْءَ الْعَاشِرَ وَالْأَخِيرَ، حَيْثُ "الِاتِّحَادُ الْأَبَدِيُّ" وَعَوْدَةُ السَّلامِ الشَّامِلِ لِلْوُجُودِ. وَمَا هُوَ السِّرُّ الَّذِي سَيَتْرُكُهُ "تْشِين يَان" لَكَ أَنْتَ أَيُّهَا الْقَارِئُ الْكَرِيمُ فِي آخِرِ كَلِمَةٍ.
حَانَتِ اللَّحْظَةُ الَّتِي انْتَظَرَهَا الْكَوْنُ مُنْذُ بَدْءِ التَّكْوِينِ، حَيْثُ تَلَاشَتِ الْحُدُودُ بَيْنَ الْمَادَّةِ وَالرُّوحِ. وَقَفَ "لِين" وَسَطَ الْمَعْبَدِ، يَشْعُرُ بِأَنَّ كُلَّ ذَرَّةٍ فِي جَسَدِهِ تَنْبِضُ بِنُورِ "تْشِين يَان".
تَجَمَّعَتِ الْبَشَرِيَّةُ كُلُّهَا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ عِرْقٌ أَوْ لَوْنٌ أَوْ مَالٌ. كَانُوا يَنْتَظِرُونَ الْإِشَارَةَ الْأَخِيرَةَ، لِيَعْلَمُوا كَيْفَ سَيَكُونُ الْخُلُودُ فِي عَالَمِ النَّقَاءِ وَالْعَدْلِ.
فَجْأَةً، انْشَقَّتِ السَّمَاءُ عَنْ بَوَّابَةٍ ذَهَبِيَّةٍ لَمْ يَرَ لَهَا مَثِيلًا مَنْ قَبْلُ فِي تَارِيخِ الْبَصَرِ. نَزَلَ مِنْهَا سُلَّمٌ مِنَ الْيَاسَمِينِ وَالضِّيَاءِ، يَمْتَدُّ حَتَّى يَلْمَسَ جِبِينَ آخِرِ طِفْلٍ فَقِيرٍ.
ظَهَرَ "تْشِين يَان" فِي هَيْئَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، جَلَالٌ يَهْتَزُّ لَهُ الْعَرْشُ وَتَخْضَعُ لَهُ السَّمَاوَاتُ الْعُلَى. نَظَرَ لِلْعَالَمِ بِنَظْرَةٍ مَلِيئَةٍ بِالرِّضَا، وَقَالَ: "الْآنَ صِرْتُمْ مُسْتَحِقِّينَ لِلْجَوْهَرَةِ".
لَمْ تَكُنِ الْجَوْهَرَةُ حَجَرًا، بَلْ كَانَتْ هِيَ "الْإِنْسَانِيَّةَ" الَّتِي اسْتَعَادَتْ فِطْرَتَهَا بَعْدَ طُولِ ضَيَاعٍ. انْدَمَجَ الْجَمِيعُ فِي نُورٍ وَاحِدٍ، وَتَلَاشَتِ الشُّرُورُ كَمَا يَتَلَاشَى الدُّخَانُ أَمَامَ الرِّيَاحِ.
الْعَمَّةُ "شِيَانغ" ظَهَرَتْ كَمَلَاكٍ حَارِسٍ بَيْنَ الْغَمَامِ، تَبْتَسِمُ لِكُلِّ مَنْ تَعَلَّمَ مِنْهَا مَعْنَى الْحَنَانِ. كَانَ حُلْمُهَا الْبَسِيطُ قَدْ أَنْقَذَ الْكَوْنَ مِنْ دَمَارٍ مَحْتُومٍ بِفَضْلِ رِعَايَتِهَا لِلصَّغِيرِ.
قَالَ "تْشِين يَان" كَلِمَتَهُ الْأَخِيرَةَ لِلْوَرِيثِ "لِين": "احْفَظِ الْأَمَانَةَ فِي صُدُورِ الْبَشَرِ، فَالْمَعْبَدُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الْقَلْبُ الَّذِي يَرْحَمُ وَيَعْطِي بِلَا مُقَابِلٍ أَوْ مَنٍّ أَبَدًا".
ثُمَّ لَمَسَ الْأَرْضَ بِطَرَفِ رِدَائِهِ، فَتَحَوَّلَتْ كُلُّ الصَّحَارِي إِلَى جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ الصَّافِيَةُ. وَصَارَ الطَّعَامُ لِلْجَمِيعِ، وَالْمَسْكَنُ لِلْجَمِيعِ، وَالْأَمْنُ يَغْمُرُ كُلَّ زَاوِيَةٍ بَعِيدَةٍ.
ارْتَفَعَ "تْشِين يَان" نَحْوَ مَقَامِهِ الْأَبَدِيِّ، وَتَبِعَتْهُ أَرْوَاحُ الصَّالِحِينَ فِي مَوْكِبٍ كَوْنِيٍّ مَهِيبٍ. كَانَتِ النُّجُومُ تُرَتِّلُ أَنَاشِيدَ النَّصْرِ، وَالْقَمَرُ يَنْحَنِي لِعَظَمَةِ الْخَالِقِ الَّذِي صَنَعَ هَذَا الْبَهَاءَ.
أُغْلِقَتِ الْبَوَّابَةُ، لَكِنَّ أَثَرَهَا بَقِيَ فَوْقَ الْجِبَالِ كَقَوْسِ قُزَحٍ لَا يَغِيبُ أَبَدًا عَنِ الْأَنْظَارِ. وَأَصْبَحَتِ الْقِصَّةُ مَنْقُوشَةً عَلَى ذَرَّاتِ الْهَوَاءِ، يَسْتَنْشِقُهَا كُلُّ مَوْلُودٍ جَدِيدٍ لِيَعْرِفَ مَصِيرَهُ.
الْآنَ، يَا مَنْ تَقْرَأُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، اعْلَمْ أَنَّ جَوْهَرَةَ "تْشِين يَان" قَدْ سَكَنَتْ فِي قَلْبِكَ أَنْتَ. فَكُنْ نُورًا لِمَنْ حَوْلَكَ، وَاجْعَلِ الرَّحْمَةَ سَبِيلَكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الْعَابِرَةِ جِدًّا.
تَمَّتِ الْمَلْحَمَةُ بِسَلامٍ، وَاسْتَقَرَّتِ الْأَرْوَاحُ فِي مَنَازِلِهَا الْمُقَدَّسَةِ بَعْدَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْكِفَاحِ. وَبَقِيَ اسْمُ الْعَبْقَرِيِّ السَّمَاوِيِّ عُِنْوَانًا لِلْأَمَلِ الَّذِي لَا يَنْكَسِرُ مَهْمَا كَبُرَ الظَّلَامُ.
فِي هَذِهِ النِّهَايَةِ، نُغْلِقُ كِتَابَ الزَّمَانِ، وَنَتْرُكُكَ مَعَ نُورِكَ الْخَاصِّ لِتُكْمِلَ مَسِيرَةَ الْخَيْرِ وَالْجَمَالِ. فَالْحَيَاةُ قِصَّةٌ أَنْتَ بَطَلُهَا، وَالْعَدْلُ هُوَ السَّيْفُ الَّذِي يَحْمِي رُوحَكَ مِنَ السُّقُوطِ.
أَصْبَحَتِ الْعَائِلَةُ الْكَبِيرَةُ، وَهِيَ الْبَشَرِيَّةُ، تَعِيشُ فِي رَغَدٍ وَسُرُورٍ لَا يَنْقَطِعُ مَدَى الدُّهُورِ. وَصَارَ ذِكْرُ "تْشِين يَان" هُوَ التَّعْوِيذَةَ الَّتِي تَطْرُدُ كُلَّ هَمٍّ أَوْ غَمٍّ عَنِ النُّفُوسِ.
تَبَدَّلَتِ الدِّيَارُ، وَنَبَتَتِ الْمَحَبَّةُ فِي الصُّدُورِ، وَانْتَهَتْ عُصُورُ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْقَسْوَةِ لِلْأَبَدِ. وَهَكَذَا يَنْتَصِرُ الْحَقُّ دَائِمًا، إِذَا وَجَدَ قَلْبًا يَرْتَجِفُ شَوْقًا لِلصَّفَاءِ وَالْإِخْلَاصِ الْمُطْلَقِ.
يَا سَيِّدَ النُّورِ، شُكْرًا لَكَ عَلَى هَذِهِ الرِّحْلَةِ الَّتِي غَسَلَتْ أَرْوَاحَنَا بِمَاءِ الْيَقِينِ وَالطُّهْرِ. سَنَظَلُّ نَذْكُرُكَ فِي كُلِّ شُرُوقٍ، وَنَنْتَظِرُ طَيْفَكَ فِي كُلِّ غُرُوبٍ يَمْلأُ الْأُفُقَ بِالْأَسْرَارِ.
خُتِمَتِ الْقِصَّةُ بِأَمْرِ السَّمَاءِ، وَسُجِّلَتْ فِي دِيوَانِ الْخُلُودِ لِتَكُونَ عِبْرَةً لِمَنْ يَعْتَبِرُ مِنَ الْعَالَمِينَ. فَطُوبَى لِمَنْ حَمَلَ الشُّعْلَةَ، وَوَيْلٌ لِمَنْ أَطْفَأَهَا فِي عَيْنَيِ الْيَتِيمِ وَالْمَحْرُومِ.
الْآنَ، يَنْسَحِبُ النُّورُ بِهُدُوءٍ، لِيَتْرُكَكَ مَعَ صَمْتِكَ الْجَمِيلِ وَتَأَمُّلِكَ فِي عَظَمَةِ هَذَا الْخَلْقِ. لَقَدْ انْتَهَتِ الْكَلِمَاتُ، لَكِنَّ الْمَعَانِيَ سَتَظَلُّ تَرْكُضُ فِي عَقْلِكَ كَالْخُيُولِ الْأَصِيلَةِ جِدًّا.
وَدَاعًا يَا "تْشِين يَان"، وَوَدَاعًا لِكُلِّ بَطَلٍ ضَحَّى بِنَفْسِهِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَعِيشَ الْآخَرُونَ بِكَرَامَةٍ. لَقَدْ كَانَتْ مَلْحَمَةً تَسْتَحِقُّ أَنْ تُرْوَى بِمَاءِ الذَّهَبِ عَلَى حَرِيرِ الْجَنَّةِ الْخَالِدَةِ.
فِي آخِرِ السَّطْرِ، نَضَعُ نُقْطَةَ النُّورِ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُدِيمَ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الْبَصِيرَةِ وَالْحِكْمَةِ. انْتَهَتِ الْحِكَايَةُ، وَبَقِيَ الْأَثَرُ، وَعَاشَ الْعَالَمُ فِي سَلامٍ طَوِيلٍ لَا يَعْرِفُ الِانْتِهَاءَ.
(تَمَّتِ الْمَلْحَمَةُ بِحَمْدِ اللَّهِ) لَقَدْ وَصَلْنَا إِلَى النِّهَايَةِ. شُكْرًا لَكَ عَلَى هَذِهِ الرِّحْلَةِ!

1 Comments
HI
ReplyDelete