رواية نيران الحب والقسوة الجزء الأول للكاتبة فاطمة حمدي الفصل الرابع عشر
أنا مراتك يا مازن ولا نسيت؟! بتتسلى بمراتك! قالت جملتها بإنهيارٍ تام وهي تدفع صدره بكلتا يديها، فيضحك ساخرًا قائلا بقسوة: دي ورقة عرفي أقطعها في لحظة، يوم ما كتبناها كنتِ عارفة إننا بنقضي وقت لطيف وبس! لطيف! تقولها بسخرية مماثلة، وتضيفُ: وقت لطيف معايا، ووقت لطيف مع نورهان أنت أناني يا مازن حقيقي مالكش أمان وأنا بقى اللي هفضحك قدام مراتك. وبشراسة قاتلة هدر بها:.
إبقي اعمليها، وافضحيني عادي، بس بعدها لو عرفتي تنامي الليل مبقاش مازن البحيري. ورغم قهرها لم تتخل عن سخريتها لتقول وقد فجّرت القنبلة: أنا حامل يا مازن، حامل! تجمدت ملامحه وكور قبضتيه بشدة من فرط الغضب، راح ينظر لها بحدة مميتة، فتقترب منه وتميل على أذنه مُكررة: حامل، ولو حابب تتأكد تعالى نعمل تحليل دلوقتي حالاً. وفي حركة مفاجأة قبض على شعرها بعنف وقد صاح: هعتبر نفسي مسمعتش حاجة! بألم أردفت: يعني إيه؟
تابع بنبرة كالفحيح: يعني لا أنتِ حامل ولا أنا هتأكد وأعمل تحاليل ودا أفضل ليكي، غير كدا هتزعلي مني جامد أوي ولو عايزة تفارقي الدنيا طلعي الكلام دا برا الباب دا، آمين؟! يتركها بقسوة فتسقط باكية وهي تتابعه بعينيها إلى أن خرج من المنزل بغضب عارم، يتوجه خارج البناية ومنها إلى سيارته وينطلق بشرود... ماذا إن علمت نورهان؟ وماذا عن حمل الآخيرة؟ أليس حلمه أن يُصبح أبا؟!
لكن نورهان لم تصبح أما فما الجدوى في ذلك وإن لم تكن هي أم أولاده فلا يهمه هذا الأمر.. ضحكة ساخرة تشق ثغره، يُحبها ويقهرها في آن واحد؟! يتنهد بثقل وهو يسرع في قيادته وبعد مرور نصف ساعة تقريباً كان قد وصل إلى القصر وهناك ترجل من سيارته ليفاجئ بتلك الدراجة النارية التي تبعته ويرى زهراء تترجل منها بصُحبة شخص غريب، فتغضن جبينه وتوجه نحوها على الفور ثم نظر لها بجدية فبادرت زهراء تقول بإنهاكٍ:.
أنا كنت هضيع يا مازن لولا الأستاذ دا اللي أنقذني هو حضرتك إسمك إيه بالمناسبة؟ واجابها بإيجاز: وليد.. فيرد مازن بقلق: حصل إيه اتكلمي؟ ركبت مع سواق تاكسي وكان هيخطفني بس الحمدلله أستاذ وليد ربنا بعته ليا في الوقت المناسب. نظر له مازن بامتنان، فعرّفته زهراء بدورها: مازن أخويا. صافحه الأخير برسمية شديدة وهو يقول: أهلا وسهلا. مازن وقد قال: أنا بشكرك جدا يا أستاذ وليد على اللي عملته مع أختي لازم تتفضل بجد.
معملتش غير اللازم يا فندم، بعد إذنك. انصرف سريعًا من أمامها، فيقول مازن بحدة: أنتِ ليه تركبي تاكسي أصلا فين العربية؟ وليه متأخرة كدا في الزفت بتاعك دا؟ ردت عليه بإرهاق: عشان العربية معرفش جرالها إيه مش بتشتغل، ويزيد بعتلي السواق يستناني بس أنا مشيته، موبايلي كان فاصل فاضطريت أركب تاكسي كنت هعمل إيه يعني!؟ كنتي متتأخريش طبعا ومتمشيش السواق أنتِ مجنونة يا بنتي؟ زهراء وقد ضجرت حديثه:.
خلاص يا مازن أنا حقيقي مش قادرة أقف على رجليا، وبالله عليك ما تجيب سيرة لماما أو يزيد عشان هيزعقولي وأنا مش ناقصة. مازن زافرًا بعنف: طيب اتفضلي اطلعي!
مشت أمامه ببطء وهي تتحامل على نفسها، وتحرك هو أيضًا إلى الداخل وهو يحاول ضبط أعصابه، ولج إلى غرفته وأغلق بابها بحذر، وقعت عينيه على زوجته النائمة على الفراش، يبدو أنها تنام بعمق شديد ايضًا، اقترب منها بتمهل وجلس جوارها مباشرة، مال عليها قليلا وتأمل وجهها الحبيب بصمت، ينظر إلى كل تفاصيلها ويتابع حتى أنفاسها، يمسح على وجنتها برفق ثم على شعرها وقد تذكر جره لها اليوم منه بشكل موجع للغاية..
يقبل جبينها برفق ويستنشق رائحتها بقوة وهو يغمغم: أنا آسف! تململت ببطء عندما شعرت بانفاسه القريبة منها، فتحت عينيها بنعاس وهي تقول بصوت مبحوح: مازن، أنت جيت! فيبتسم ويرد بمشاكسة: لأ لسة! حاولت أن تعتدل فساعدها بدورها وأسند ظهرها على الوسادة، ومن ثم صمت طويل بينهما.. كان يزرع عينيه داخل عينيها بعمق، فتقول بصوت متحشرج حيث ترقرقت العبرات الحارقة في عينيها: سامحتني؟
ضحكة ساخرة أخرى تشق ثغره، من يسامح من! تطلب العفو وهو القاهر! وهو يعلم! لذا أضاف برفق: أنا اللي آسف عارف إني كنت غبي، وأنتي عارفة إني غبي فمتخديش بقى على تصرفاتي وسامحيني دايما يا حبيبتي، اوعي في أي يوم تكرهيني يا نورهان. زوت ما بين حاجباها بدهشة وهي تسأله: إيه الحنان دا؟مالك أنت عيان؟ ضحك وهو يهمس لها وكأنه يحاول أن ينسى مصيبته ولو قليلا: بحبك! تعرف إني أنا اللي عيانة يا مازن! ليه يا قلب مازن مالك؟
عشان بحبك، بحبك مهما حصل وبسامحك بس أنت حس بيا شوية وبلاش تقسى عليا. حاضر.. قالها وبالطبع لم يستطع النظر إلى عينيها أكثر من ذلك، لذا نهض إلى الحمام يغتسل تاركًا إياها تشعر بشيء يقلقها كأنه يهرب منها، هكذا تشعر! تتوالى الايام وإذا باليوم الموعود يأتي سريعًا، ها هي داخل قصر البحيري ب فستانٍ يليق بأنثى مثلها، لونه ألابيض برز جمال ملامحها وبشرتها وكلما تحركت تحرك معها كحمامة بيضاء..
حُمرة خديها الطبيعية ازادتها جمالا في نظره، إنه يشعر بقلبه يُختطف! لم ير ابتسامة بمثل هذا الجمال من قبل، لقد استقبلها قلبه على الرحب والسعة فأهلا بها.. هكذا كان يتطلع يزيد إليها وهو يتألق في رداءه الأسود، يجلس جوارها في حديقة القصر وزهراء أمامهما تلتقط لهما صور عديدة، يتشارك الأهل بها وتعم على القصر حالة من البهجة والسرور على غير العادة..
الجميع يشعر بالفرح حقًا، لا يعلم يزيد كيف حدث ذلك لكن الذي يحدث يروق له، منذ البداية إلى هذا الحفل السار.. شعرت رنا بشيء دافئ فوق يدها، كانت يده التي تغطت على يدها برفق وسحبها إليه ليضع فيها دبتله وخاتمه الألماس، ابتلعت ريقها بتوتر وهي تنظر إليه بإمعانٍ عن قرب، ترى هل هو سعيد؟ فلمَ لا يضحك وجهه!
قد أخبرتها زهراء إنه لا يضحك إلا نادرا لكنه إذا فرِح تطغى الفرحة على عينيه فأوصتها بالتركيز على عينيه دائمًا.. ها هي تنظر إلى عمق عينيه بخجل، ويبادلها بصمت، نعم إن عينيه تعبر وتصل لها الاحساس وبالتأكيد.. مبروك يا عروسة. أخيرًا تحرر عن صمته ونطق، وراح يضغط أكثر على يدها التي اختفت بين راحة يده، لترد بارتباك شديد: الله يبارك فيك. ينادي على ابنته جنات وإياد بعد قليل، فيأتيان إليه ويقول بدوره:.
ولادي، جنات في ٢ ثانوي، إياد ١ اعدادي. صافحتهما رنا بابتسامة، فصافحها إياد بنفس الإبتسامة، لكن جنات لم تبدِ إلا التهكم في نظرتها الهازئة وهي تقول: أهلا. تجهمت ملامح يزيد فورًا وهو يقول جازا على أسنانه: جنات! جنات ببرود استفزه: بابي! كبح غضبه بالكاد وهو يقول: حسابك معايا يا جنات بعدين، اتفضلي. انصرفت جنات بصحبة أخيها، فعاد ينظر يزيد إلى زوجته مع قوله: جنات دي تعتبر طفلة فمتاخديش على تصرفاتها يا رنا.
أومأت رنا برأسها موافقة رغم انزعاجها من نظرتها لكن لا بأس! تمرُ الدقائق.. وتتسع حدقتاها عندما وقعتا على سور الحديقة الحديدي.. محمود! كيف أتى؟ يختفي كالطيف وفي لمح البصر، تتلفت حولها بريبة ولم تنتبه إلا على صوت يزيد الذي سألها بجدية: في إيه؟ بتلعثم واضح أجابت: مافيش حاجة.. ضاقت عينيه وصمت رغم عدم اقتناعه باجابتها، ليقول بعد ذلك: أنا بقول كفاية كدا بقى، مش يلا نطلع ولا إيه؟
تجمدت للحظة وشعرت كأن ساقيها تذوبان من تحتها من فرط التوتر والخوف.. نهض واجبرها على النهوض أيضًا حيث جذبها برفق إليه، لقد انتهى الحفل وذهب من ذهب وبقى من بقى، وأُغلق عليهما باب واحد واجتمعا تحت سقفا واحدا ايضًا! وماذا بعد؟ بعد أن طاردها محمود كالشبح الآن؟ وبعد أن أخفت عليه كل شيء؟ هل ستبدأ معه الآن وفي حياتها صفحة لم يعرف عنها شيئا؟! عليها حسم الأمر..
كانت تنظر له بارتباك شديد وهي تفرك كلتا يديها في بعضهما وتزدرد ريقها الجاف بصعوبة بالغة، لقد قررت وليحدث ما يحدث ستخبره قبل كل شيء! كان يتابعها بترقب، يشعر أن لديها من القول الكثير، وقول يُخيفها ويقلقه.. أناا... هكذا نطقت بصعوبة، لتسمعه يرد وهو يجلس على الفراش بهدوء: سامعك يا رنا، قولي.. أغمضت عينيها بشدة واعادت فتحها وفي دفعة واحدة ألقت جملتها: أنا كان فيه حد في حياتي وكنت بحبه!
أظلمت عيناه بقسوة فجأة وتحولت ملامحه تماما ما إن أنهت جملتها، تراه ينهض عن مجلسه وغضب الدنيا في عينيه، تبتعد ما إن اقترب منها وهو يقول صارما: سألتك وقلتي لأ، كنتي بتكذبي؟ أدمعت عينيها بألم، وراحت تقول باختناق: أبويا... قاطعها بحزم قاتل: كنتي بتكذبيييي؟ قولي آه أنا كذابة، قولي آه أنا زيي زي البنات الرخيصة يلا قولي ساكتة ليه؟ اتكلمي قولي نظرتك فيا يا يزيد كانت غلط وإن البنات كلها حاجة تقرف..
قلبها تمزق من قسوة الكلمات فلو كان طعنها بسكين حاد لكان أهون عليها.. ومن بين بكاؤها ترجته: ممكن تديني فرصة أفهمك بس.. اعطاها ظهرها وراح ينظر إلى المرآة وكل خلاياه تنتفض من شدة الغضب، صدره في صعود وهبوط من أثر انفعاله.. يتكلم بسخرية شديدة: وجاية بتقوليلي دلوقتي على أساس إيه؟ إنك صريحة مثلا؟ أنتِ عبيطة ولا فكراني أهبل؟!
ولم تكد تتكلم حيث نظرت له بصدمة وهي تراه يضرب المرآة بقبضة يده في عنف فتتهشم المرآة فورًا وتنزف يده بكثافة.. أسرعت إليه وهي تصرخ بخوف ولم تكد تمسك يده ليوقفها بشراسة: إبعدي!
رواية نيران الحب والقسوة الجزء الأول للكاتبة فاطمة حمدي الفصل الخامس عشر
أصعب شعور يمكن أن يشعر به المرء هو كسرة بعد فرحة كبيرة، خيبة بعد أمل.. لقد هجرها في ليلة عُمرها وتركها تذرف دموع الحزن الأليم، ها هي تعود لنقطة الصفر من جديد..
نزلت القرفصاء تلملم شظايا البلور المتناثر ثم تضعه في سلة المهملات، تستقيم واقفة بعد ذلك وقد مشت إلى الشرفة لتأخذ اكبر قدر من الهواء وتزفره دفعة واحدة، وقعت عيناها عليه حيث يجلس على الأريكة الرخامية في حديقة القصر ويحاول ضماد جُرح يده بوجهٍ صلب.. هل حقًا جرحته واوصلته إلى تلك الحالة الجنونية؟ يتمرد قلبها فيُخبرها ب لا.. لم تجرحه قط، لقد أخفت فقط ولها كامل الحُرية في ذلك.. ولكن..
يتدخل عقلها بتلك ال لكن هذه، فيخبرها بأنها لم تكن صادقة منذ البداية.. وتظلُ في صراع بين الندم والتمرد وهي تتابعه بعينيها، وفي لحظة شجاعةٍ منها قررت أن تذهب إليه، وبخطوات واثقة نزلت الدرج وهي ترفع فُستانها بكلتا يديها، مشت باتجاهه بثباتٍ تام، راحت تقف أمامه وتقول بجدية شديدة: أنا جيت أتأسف رغم إني مغلطتش في حقك.
تبخر ثباتها ما إن رفع وجهه يُطالعها بنظراتٍ حادة، ارتجف قلبها حين وقف بعنف ينوي الانصراف من أمامها، لكنه ذُهل حقًا عندما أمسكت كلتا يديه بيديها في قوةٍ فاقتربت منه تلقائيًا وهتفت: إسمع أسبابي الأول وبعدين إعمل اللي أنت عاوزه مش يمكن أسبابي تقنعك؟ نظر لها بدهشة جراء فعلتها الجريئة، تاهت عيناه بعينيها رغمًا عنه، ابتلع ريقه وسيطر على نفسه المنصاعة لها في لمح البصر حيث أبعدها عنه وقال حازمًا:.
ميهمنيش أعرف أسباب، أنا سألتك سؤال في أول مقابلة لينا وكذبتي يبقى كل اللي أنتِ هتقوليه دلوقتي مالوش أي لازمة! هزت رأسها مؤكدة على كلامه: أيوة كذبت، بس دا كان له سبب. مافيش مبرر للكذب! فيه، ماما، وبابا، بابا كان حالف لو عرفتك حاجة عن الموضوع دا هيموتني من الضرب، عشان كان عارف إنك هترفض لو عرفت إني أعرف حد قبلك، صدقني كنت هقولك بس خُفت. سألها بجمود: وليه جاية تقوليلي دلوقتي؟ ليه اللحظة دي بالذات؟
عشان مش عاوزة أبدأ حياتي معاك وأنا مخبية عليك حاجة. حرك رأسه نافيًا، وبعصبية رد: مش مصدقك اطلاقًا، لو كلامك صح كنتِ قولتي في اليوم اللي سألتك فيه مرتاحة معايا ولا لأ ولما قولتلك اكتر حاجة بكرهها في حياتي هي الكذب، اللي خلاكي تقولي دلوقتي شيء تاني، شيء أنا مش عارفه وبرضوه أنتِ هتخبيه. بارتباكٍ شديد وملحوظ قالت:.
لأ مش هخبيه، اللي خلاني أقولك إني شوفت الشخص دا من ورا سور الجنينة عشان كدا ارتبكت لما سألتني مالك ساعتها، والله العظيم أنا خرجته من حياتي تمامًا. قبض على ذراعها بقبضة من حديد، ثم هدر بها: بس الظاهر إنه مخرجكيش من حياته زي ما خرجتيه وشغل العيال دا بقى أنا مبحبوش، أعمل معاكي إيه دلوقتي؟ نزعت ذراعها من قبضته، راحت تهتف بتمرد:.
بلاش تبيع وتشتري فيا أنا معملتش اللي يمس شرفك وإسمك، حياتي قبل جوازي منك متخصكش، حاسبني على حياتي معاك وأنا هبقى راضية. نظرتي إنك مش ذكية كانت هي اللي صح، لأن أنا فعلا مبحاسبكيش على حياتك قبل الجواز لأن دا ميخصنيش اللي يخصني إنك كذابة! واقترب منها واضعًا سبابته على رأسها قائلاً بصرامة: فهمتي؟
ضغطت على أسنانها وهي تحملق به بغضب، بينما يسمع صرير الباب الحديدي للقصر وتمرُ سيارة يعرفها جيدًا، إنها سيرين... تترجل من السيارة وتتجه نحوه بخطوات رنانة إثر ارتداء حذاؤها ذا الكعب العالي، لم يستغرب يزيد كثيرًا من وجودها الآن فهو يتوقع منها جميع التصرُفات! قلت لازم أباركلك بنفسي يا عريس. هكذا نطقت ببسمة مستهزءة وهي تُطالع زوجته بازدراء، يضع يديه في جيبي بنطاله وهو يرد عليها هادئًا:.
الله يبارك فيكي يا مدام سيرين. هي مُكملة: طب كنت اعزمني يا يزيد، دا أنا حتى أم أولادك ولا أنت مكسوف؟ يزيد وقد رفع حاجبه مع قوله: مكسوف؟ أهاا، من دي! وأشارت بسبابتها إلى رنا في استهزاء سافر، تُكمل قاصدة إفساد كل شيء: عشان البنت دي، رغم كل عيوبك يا يزيد بس متوقعتش إن ذوقك يكون بشع أوي كدا، دي بلدي جدًا. اتسعت عيني رنا غضبًا وارتعش جسمها بانفعال، ولم يكد يتكلم يزيد لتُبادر رنا بنبرة شرسة:.
طيب يا حبيبتي ربنا يكفيكِ شر البنت البلدي لما حد بيضايقها، ربنا ما يوريكي غضبها واللي ممكن تعمله في واحدة زيك يا بتاعة أنتِ! فتحت فمها بصدمة، لم تتوقع ردة الفعل هذه، ظنت أنها ستخشاها كونها مسكينة كما خُيل لها! غلت الدموع في أوردتها خاصة وهي ترى يزيد ينظر لزوجته بصمت هادئ وكأنه معجب برد الفعل هذا. ثم استدار لها متسائلاً بحدة: خلصتي؟ خلصتي يا سيرين الكلمتين اللي جاية المسافة دي كلها عشان تقوليهم؟!
حاولت ضبط أعصابها وهي ترد عليه؛ لسة مخلصتش، أنا عاوزة ولادي يا يزيد ولآخر مرة بقولك سيب ولادي على راحتهم مش من حقك تمنع جنات إنها تجيلي النهاردة! عشان خاطر تحضر فرحك الجميل! ببرود شديد استفزها قال: من حق مين؟ كلمني زي ما بكلمك وبلاش اسلوبك المستفز دا، أنا عاوزة جنات خليها تنزل دلوقتي حالاً يا إما مش هيحصل كويس. ضحك متهكمًا وقد قال:.
أنتِ مدركة بتقولي إيه وبتقولي لمين؟ شكلك نسيتي إني آخر واحد ممكن يخضع للتهديد، أعلى ما في خيلك اركبيه يا سيرين، جنات مش هتبات برا البيت النهاردة ولو زودتي معايا هيبقى ولا أي يوم تاني، وكفاية لحد كدا. يعني أنت مصمم تعمل اللي أنت عاوزه برضوه، مصمم تمشي رأيك وكلامك وتحرمني من ولادي. سيرين هانم بلاش نفتح في كلام عشان لو اتكلمت ههينك وأنا مش عاوز عشان خاطر ولادي وبس، بلاش!
نظرت مرة أخرى إلى رنا، من أسفلها إلى أعلاها بتأفف وهي تردد: تمام، أنا ماشية بس قبل ما أمشي يا شاطرة أحب أقولك إن يزيد أتجوزك بس عشان خاطر يغيظني ميعرفش إنه مبقاش فارق معايا، أتجوزك كدا وكام يوم وهيرميكي لصندوق الزبالة اللي جابك منه! واستدارت بعنف شديد لتنصرف، لكنها ما لبثت أن وجدت كتلة من شعرها بين مخالب الأخيرة، وراحت رنا تهزها بعنف وهي تصيح بوجهها:.
مش قولتلك ربنا يكفيكِ شر البنت البلدي، بس أنتِ مصرة تشوفي شري، أنا جاية من صندوق الزبالة؟ أنا هوريكي.. لم تصمت الأخيرة ودافعت عن نفسها، فتدخل يزيد فورًا وجذب رنا بقبضته فخلص سيرين من مخالبها وأمرها بعصبية: من فضلك اطلعي برا كفاية فضايح بقااا.. انصرفت وهي تصرخ بهستيرية حسرة على كبريائها الذي تبعثر، استدار إلى رنا التي صرخت في وجهه بشراسة:.
آدي اللي نابني من جوازتي منك جايبني هنا تهزقني؟ أنا مش قعدالك فيها! ركضت إلى الأعلى حيث غرفتها، فما كان منه إلا أن ذهب خلفها بخُطى سريعة فدخل الغرفة ورائها واغلق الباب قائلاً بتعنيف: إيه اللي بتعمليه؟ أنا؟ أنت مش سامع قالت إيه؟ بتقول عليا زبالة، وأظهر كدا بقى وبان على حقيقتك قال وواقف تحاسبني وناصبلي محكمة وأنت متجوز بس بالعند فيها يعني أنا وسيلة في لعبتك القذرة دي صح! كور قبضة يده في غضب وصاح بها:.
اخرسي بقى، إيه اللي بتقوليه دا... قاطعته مختنقة: مش أنا اللي بقول طليقتك اللي قالت يا يزيد بيه. دي واحدة بتهلفط في الكلام، بتقول دا من حرقتها مش أكتر، بطلي سذاجة وغباء! حذرته باصبعها قائلة: بطل غلط لأني مش هسكت تمام، أنا مش غبية انت اللي مفكرني غبية وهصدق اللي بتقوله، أقولك حاجة؟ صمتت تلهث بشدة وهي تترقب رده عليها، فاقترب منها وقال بحزم: قولي.
طلقني! احنا مننفعش لبعض من الأساس، جوازنا غلط من الأول، ولا تحاسبني ولا أحاسبك. اقترب منها أكثر مال عليها قليلا مع قوله: أنا لسة هحاسبك مافيش حاجة عندي بتعدي من غير حساب، أما بقى كلمة أحاسبك دي فدي في أحلامك يا رنا إصحي لكلامك واكتمي خالص لأننا نص الليل و حوالينا ناس نايمين وأنا كمان عاوز أنام دي كانت ليلة مهببة!
يستند إلى ظهر الفراش وتستند هي إلى صدره هادئة كقطة وديعة، يمسح على شعرها تارة وعلى وجنتها تارة أخرى، كان حنونًا معها لدرجة الغرابة! رفعت وجهها إلى وجهه تطالعه بوهجٍ عاشق، نظراتٍ كانت قادرة على تحطيم قلبه تحطيمًا. نفسك تبقى أب؟ تسأله برقة وحزن العالمُ في عينيها، فيرد عليها بلطف: أكيد، بس أنتِ تكوني أمهم. عادت تنظر أمامها مبتسمة وهي تسأله مرة أخرى: ممكن يجي يوم وتتجوز عليا؟
تجمدت ملامحه آنذاك وابتلع غصة مررت حلقه، فرد بثبات وكأنه بالفعل صادق: لأ يا حبيبتي. تواصل أسئلتها: طب ممكن يجي يوم وتبطل تخوني؟ وبادرت قبل أن يرد عليها: عارفة إنك هتقولي دا مجرد كلام وإنك مش بتخوني بطريقة تانية، بس الخيانة خيانة حتى بالنظر، حتى لو بصيت لواحدة غيري تبقى بتخوني، مازن أنا قصرّت في إيه؟ ليه بتبص برا؟ ابتسم بتوتر: مقصرتيش في حاجة، مش ببص برا هما اللي بيجولي لحد عندي وأنا بني آدم يعني..
لازم تكون بني آدم ضعيف؟ حدق بها في صمت، فمطت شفتيها قائلة بحيرة: احتارت فيك وفي نفسي، زعلانة منك ومني، إزاي قادر تخليني أحبك بالطريقة دي رغم كل اللي بتعمله فيا؟ طبع قبلة رقيقة على جبينها وقد أخبرها هامسًا: عشان بحبك اكتر بطريقة لا تتخيليها. بس اللي بيحب مش بيعمل اللي أنت بتعمله ودي الحاجة اللي هتجنني. غيّر مجرى الحديث حيث قال: خلينا نغير الموضوع يا نورهان.. ومازحها قائلاً: قصدي يا نكدية هانم! اسبوع قد مر.
في صباحٍ يوم مُشرق قد شعشع فيه ضوء الشمس وراحت زهراء تتجول في مقر عملها يمنة ويسرة بتفاؤل كعادتها، تتابع الورود بحماس كبير.. من الخلف يأتي صوتا لم يكن غريبا عنها، تلتفت فإذا بشابٍ أسمر.. رجعت بذاكرتها للخلف وتذكرت، هذا باسم الذي اشترى منها الزهور لحبيبته.. رحبّت بيه بابتسامة مفعمة بالبراءة، فرد عليها مبتسماً: إزيك يا آنسة زهراء؟ الحمدلله، اتفضل؟
قالت جملتها بمهنية شديدة، ليرُد وقد أخرج من جيبه منديلا ورقيًا مُقربًا إياه من أنفها: ألاقي عندك ورد بالريحة دي؟! ويا لحظها السيء لقد اشتمت المنديل بعمقٍ شديد فتقعُ الفريسة على الفور ويبتسم الوحش بانتصار...!
رواية نيران الحب والقسوة الجزء الأول للكاتبة فاطمة حمدي الفصل السادس عشر والأخير
أين هي؟ بريبةٍ نهضت جالسة على ذاك السرير الغريب عليها، تلفتت حولها بأنفاسٍ متسارعة وخائفة للغاية، بُقع من الدماء تُلطخ ثيابها، أطلقت صرخة قوية وهي ترتجف بقوة، تخشى ما جال بخاطرها الآن! أين هي؟ أين هي! يُفتح الباب وإذا بسيدة عجوز تدخل بوجهٍ بشوش، تقترب منها وتربت عليها باطمئنان: متخافيش يا حبيبتي، متخافيش. ببكاء عنيف سألتها: أنتِ مين؟ أنا بعمل إيه هنا؟ فأجابتها السيدة في سرعة كي تهدئ من روعها:.
أنتِ يا حبيبتي كنتِ هتتخطفي، واحد إبن حرام كان هيخطفك وأنا ربنا بعتني ليكي في الوقت المناسب. زهراء وقد نظرت إلى ملابسها المُلطخة بالدماء: كان هيخطفني؟ اومال إيه الدم اللي على هدومي دا؟ بابتسامة حانية أجابتها العجوز: لما شوفتك اتنين بيشيلوكي ويحاولوا يركبوكي عربية وأنا كنت جاية على المحل عشان اشتري ورد فشوفت الموقف وصرخت جامد خافوا وسابوكي فوقعتي يا حبيبتي على راسك اتعورتي وهدومك اتبهدلت كلها.
تنهدت زهراء كمن عادت إليه الروح من جديد، لم تكف عن البكاء وهي تردد: ألف حمد وشكر يارب ألف حمد وشكر. أنتِ بخير يا حبيبتي، أنا عالجتلك الجرح على قد ما قدرت وجبتك معايا مقدرتش اسيبك وقفت تاكسي وولاد الحلال ساعدوني أركبك وأجي بيكي لحد هنا. مسحت زهراء دموعها براحة يدها وقالت بامتنان: متشكرة جدًا أنا هفضل طول عمري مديونة لحضرتك، . الحمدلله إنك جيتي في الوقت المُناسب.
دا ربك لما يريد الستر للعبد يا بنتي وأنا مجرد سبب مش أكتر. الحمدلله. ابتسمت السيدة ابتسامة شقيّة مع قولها: مش عارفة ولاد الحرام عاوزين منك إيه؟ لتاني مرة كنتِ هتتخطفي اكمنك حلوة والعين عليكي يا حبة عيني. ذايلت زهراء الدهشة وقالت لها: عرفتي منين إني كنت هتخطف قبل كدا؟ فضحكت السيدة مع قولها: عشان ولاد الحلال اللي ساعدوني أنقذك النهاردة، هما هما ولاد الحلال اللي أنقذوكي المرة اللي فاتت!
جحظت عيني زهراء بصدمة ورددت بتلقائية: تقصدي وليد؟ أيوووة هو بعينه. زهراء بعدم فهم: إزاي؟ هو إبن حضرتك ولا إيه؟! أجابتها ببشاشة: لأ، أنا عمته هو لما شافك استغرب جدا وحكالي على اللي حصل المرة اللي فاتت، سبحان الله على الصدفة! فعلا سبحان الله، مش مصدقة ومش عارفه إيه اللي بيحصل معايا الأيام دي بجد. قولي الحمدلله يا بنتي. الحمدلله. حاولت النهوض كي ترحل لكن جاءها الرد من السيدة:.
مش هتمشي إلا أما وليد يجي ويوصلك هو بيجيب حاجة وعلى وصول أهو، قوليلي أنتِ إسمك إيه؟! زهراء. ابتسمت بحنو وهي تقول لها: الله اسمك جميل أوي، أنا بقى إسمي وردة. بادلتها زهراء الابتسامة بود وهي ترد بتهذيب: عاشت الأسامي يا طنط وردة. حقًا إن طِباعه صعبة وللغاية، صدقوا جميعًا ما كذبوا! له طقوس خاصة وغريبة وحدود ليس من حق أحد التعدي عليها..
وفوق هذا كله عابس الوجه دائمًا، حتى عندما يلين بالكلام لا يضحك فأي نوع من الرجال هذا! كنتِ فين؟ هكذا سألها وهو يرتدي ساعته دون أن ينظر لها، الساعة الآن الواحدة ظهرًا، وقد استيقظ منذ ساعتان وهي لم تكن موجودة.. فتنهدت بصبر وأجابت عليه: كنت عند ماما وبابا. نظر لها أخيرًا واقترب منها ناظرا إلى وجهها بحدة عارمة مع قوله:.
وماما وبابا اللي كنتي عندهم دول معلموكيش إن الخروج بدون إذن جوزك غلط؟ واحدة في سنك متتعرفش حاجة زي كدا؟ دائمًا ما يُظهر أخطائها بوضوح كالشمس، فيجعلها تصمت عاجزة عن الرد، لكنه يعود لعصبيته المفرطة وهو يصيح بها: ما تنطقي! انتفضت مكانها وهي تحملق به في صدمة وردت بنبرة متحشرجة: ما، هو انت كنت نايم ومكنتش عارفة أصحيك وأنا قلت لمامتك وقالتلي روحي وتعالي مع السواق، وأنا متأخرتش دول هما ساعتين زمن بس.
تحلى بالهدوء المُزيف رغم عاصفة الغضب المسيطرة عليه الآن ليقول: طبعا كلام فارغ كالعادة، ماما مش مسؤولة عنك ولا أي بني آدم غيري الحكاية دي لو اتكررت تاني متلوميش إلا نفسك.. ورغم اقتناعها بخطأها إلا أن روح التمرد كان لها دور في ردها المستفز له: ليه محسسني إني أني أذنبت يعني ذنب كبير اوي كدا. أطاح بالمزهرية الموضوع فوق الكومود بيده في عنف، بينما يهتف: اخرسي خالص.
فأومأت برأسها بوجل وهي تلتفت وتعطيه ظهرها متحاشية غضبه، لتسمعه يقول بحدة: مستفزة! أنا أسفة! وصله أسفها بهذه النبرة المختنقة، فيما يرد عليها بقسوة: أسفك مش مقبول. التفتت له بصدمة وهي ترد بدموع: ليه؟ أنت بتعاملني وحش جدا من ساعة ما اتجوزنا ليه كل دا!
لان كل فعل وله رد فعل ولا أنتي نسيتي كذبك عليا؟، لأ وبكل ذكاء منك قلبتي الترابيزة عليا وقال إيه أنتِ اللي زعلانة عشان الكلمتين اللي قالتهم سيرين روحي اضحكي على حد غيري. زفرت الهواء بعنف وهي تخبره بغضب: طيب لو مش طايقني اوي كدا طلقني، وسيبني لحالي. اقترب خطوة منها فقلص المسافة بينهما وقصد تعمق نظرته إلى عينيها وهو يخبرها هامسًا: أنا مقولتش إني مش طايقك، ومش عاوز اطلقك. رفعت حاجبيها باندهاش وقد قالت:.
أنت غريب جدا انت عاوز إيه؟ ششش روحي حضريلي الفطار. عقدت ما بين حاجباها مع قولها: احضر الفطار ليه أنا والشغاليين تحت قد كدا يعني. التقط بإصبعه خصلة من شعرها حيث أدخل يده من تحت حجابها فاختل توازنها قليلا جراء أفعاله الجنونية تلك، فيصلها همسه: واحد وعاوز ياكل من إيد مراته فيها حاجة دي؟ ولا هو عشان فيه شغاليين يبقى خلاص. رمشت بعينيها وهي تستمع إلى بقية حديثه:.
عاوز بيض بالبسطرمة وجبنة رومي ومتنسيش القهوة وابقي اعمليها من غير وش زي كل يوم أنا شكلي اتخميت في الجوازة دي أصلا. على فكرة وأنا كمان. قالتها قبل أن تفر هاربة منه في مشهد كان كفيلا بأن يجعله يبتسم، يبتسم!
بس الموضوع غريب جدًا إزاي ينقذني مرتين؟ هكذا سألت زهراء بتحيّر، لتجيبها السيدة وردة على الفور: صدفة عجيبة فعلًا، بس كل شيء مكتوب يابنتي، ويمكن لأن إحنا ساكنين في المنطقة القريبة منك وأساسًا وليد بيعدي يوميًا من الطريق دا وهو رايح شغله فعشان كدا. أومأت زهراء برأسها وقد قالت: أه عشان كدا بقى، هو وليد بيشتغل إيه؟ ظابط شرطة. زهراء وقد رفعت أحد حاجباها:.
عشان كدا بقى أنقذني المرة اللي فاتت بمهارة، مكنتش مستوعبة اللي حصل. ابتسمت السيدة وأخبرتها: هو أطيب واحد ممكن تقابليه بس الحلو ميكملش. قطبت زهراء وهي تسألها: ليه بتقولي كدا؟ عشان... بترت جملتها عندما سمعت جرس الباب، فنهضت العجوز ببطء وهي تقول: استني دا باين عليه وليد جه. خرجت من الغرفة بعدما أغلقت بابها على زهراء، وراحت تفتح الباب فيلج وليد بالفعل وهو يحمل حقيبة بلاستيكية ويمد يده لها قائلا بجدية شديدة:.
خليها تشوف الهدوم دي هتيجي على قدها ولا لأ، بدل هدومها اللي اتبهدلت. هزت العجوز رأسها موافقة وذهبت إلى الغرفة مرة أخرى كي تعطيهم لزهراء التي أخذتهم منها بخجل وهي تخبرها: مكانش له لزوم. فقالت السيدة وردة: إزاي بقى يعني هتمشي بالهدوم دي يا حبيبتي، مينفعش يلا غيري كدا وأنا مستنية برا.
ابتسمت زهراء وهي تفتح الحقيبة على عجل لترى ما ذوقه يا ترى؟ فُستان أبيض ناعم ذي كمين طويلين مزركش بورودٍ صغيرة حمراء اللون، حاز على إعجابها واسرعت ترتديه ببسمةٍ رقيقة فكان عليها وكأنه صُنع خصيصا لها، ومن ثم قامت بضبط شعرها قدر المستطاع نظرًا لوجود جُرح رأسها الذي لُف بقماشة بيضاء، تنهدت بعمق وهي تتجه صوب الباب لتخرج من الغرفة على الفور بحياء، ولم يستطع وليد أن يمنع نفسه من النظر إليها بعدما ارتدت الفستان لقد كان جميلا عليها، وسرعان ما أنزل عينيه وهو يقول بجمود:.
اتفضلي. وأشار بيده نحو الباب، فصافحتها السيدة وردة وربتت على كتفها، انصرفت زهراء معه حيث خرجا من البناية وتوجه إلى دراجته النارية، استقلها أولا وصعدت خلفه بدورها بخجل شديد، أدار محرك القيادة فسمعها تقول بخفوت: شكرا لأنك انقذتني لتاني مرة! لكنه لم يرد عليها، فقط تابع تعابير وجهها الحانقة جراء عدم رده عليها عبر المرآة، ليقول مضطرًا: العفو.. وانطلق بدراجته فورًا قاصدًا بيتها للمرة الثانية...
تناول فطوره اليوم في الحديقة تحت ضوء الشمس وبين نفحات الهواء النقي وتمايل الزرع الأخضر من حوله، حيث صاحبته رنا في جلسته وهي تقول بتذمر: محتاج حاجة تاني! تجاهل الإجابة عن سؤالها وسألها قاصدًا مضايقتها يبدو أن رؤيتها غاضبة تروق له: فطرتي؟ فحركت رأسها نافية رغم حنقها منه، فأعطاها قطعة من الخبز مع قوله الصارم: يبقى تفطري معايا، ومن هنا ورايح فطارك معايا. ضمت شفتيها معا بضيق، فقال حازماً: مفهوم ولا إيه؟
ومفهوم ليه؟ قدر يعني جعت قبل ما تصحى أعمل إيه؟ تاكلي بقسماطة، بسكوتة، لحد ما اصحى تصبيرة يعني، مكدبتش لما قلت عليكي مش ذكية. انفعلت بشدة وردت عليه: أنا مش غبية لو سمحت بطل الأسلوب دا بقى! أنا مقولتش كدا على فكرة. قالها ببرود وهو يتناول طعامه، فرددت بغيظ: يا سلام أومال قلت إيه؟ نظر لها وقد رفع حاجبا كعادته: قلت إنك مش ذكية.
زفرت بقوة وهي تغمض عيناها بغضب، وكان يتابع تعابير وجهها مستمتعًا بذلك وهو يرتشف قهوته فيُتابع: القهوة مش مظبوطة، بس مضطر اصبر لحد ما تظبطيها، الصبر حلو برضوه. ألا قوليلي.. تابع مجددًا وهو يعاود وضع الفنجان على الطاولة، فيسألها بهدوء حازم: إيه اللي وداكي عند أهلك؟ وحشوكي مثلا؟ولا لسبب تاني؟! تغضن جبينها وهي تكمل: سبب تاني زي إيه؟ استند بمرفقيه على سطح الطاولة وهو يخبرها بنبرة كانت بالفعل كفيلة لإخافتها:.
سبب زي اللي جه في بالك دلوقتي حالا يارنا. رغم خوفها، توترها، تحكمت في نفسها وردت باتزان: مافيش حاجة جت في بالي على فكرة! أومأ برأسه وأخبرها بصلابة: تمام، هصدقك يا رنا بس لو أنتِ بتكذبي عليا دلوقتي فخافي مني أوي، المرة اللي فاتت عدتلك الموضوع بمزاجي وقلت حياتك قبل الجواز حاجة وبعده حاجة لكن المرة الجاية، صدقيني مش هعديها وساعتها هتفرق كتير أوي لأنك على ذمتي، اتفقنا؟ أومأت برأسها وقالت بأنفاس متسارعة:.
ماشي.. نهض قائلا وهو يرتدي نظارته الشمسية: أنا ماشي. ولم يكد يتحرك ليجد زهراء تقترب من الباب ومعها شخص غريب، هرول نحوها خاصة عندما رأى رأسها المجروح هذا، فُتحت لها ذراعاه وهو يقول بقلق شديد: زهراء؟ مالك؟ إيه اللي حصل؟ أجابته زهراء باطمئنان: مافيش حاجة يا يزيد إهدى بس. أهدى إيه انطقي إيه اللي حصل واتعورتي كدا إزاي اتكلمي! أخبرته وهي تنظر إلى وليد الصامت ثم تعاود النظر إليه:.
أنا فيه حد كان هيخطفني والأستاذ وليد أنقذني الحمدلله.. توسعت عيني يزيد وهو يكرر كلمتها: يخطفك؟ رد وليد بدوره بمهنية شديدة: مافيش داعي للقلق يا فندم عدت على خير وجاري البحث عن الشخص اللي حاول يخطفها بس لازم تتفضلوا معايا دلوقتي عشان تعملوا بلاغ رسمي وخلال ٢٤ ساعة إن شاء الله هيكون عندي البني ادم دا. تدخلت زهراء متابعة: يزيد الاستاذ وليد ظابط. صافحه يزيد بامتنان مع قوله: مهما قلت مش هوفيك حقك بشكرك جدا.
الشكر لله يا فندم دا شغلي، بس نصيحة المنطقة دي بيحصل فيها الحاجات دي كتير وهي كدا في خطر طول ما هي المحل بتاعها وبعدين بصراحة مش عارف ليه بتسبوها لوحدها خصوصاً إن مش اول مرة يحصل معاها كدا! نظر يزيد بصدمة إلى شقيقته مع قوله: يعني إيه مش أول مرة؟ أنتِ حصلك حاجة قبل كدا؟ اومأت برأسها في خوف وهي تجيبه: أيوة المرة اللي فاتت والاستاذ برضوه اللي أنقذني بس مازن عارف وأنا اللي قولتله ميقولش لحد.
صر على أسنانه وقد أخبرها بقراره: مافيش خروج تاني من البيت يا زهراء مستحيل هتعتبي خطوة واحدة تاني فاهمة ولا لأ؟ تنهدت بضيق وأجابت: حاضر. ضاقت عيني وليد وهو ينظر إلى الموقف ويبدو أنه قد راق له رد فعل شقيقها، وبعد دقائق كان قد انصرف واستمر يزيد في تعنيف شقيقته إلى أن بكت فلم تستطع التحمل كعادتها، تسمعه يهتف بانزعاج:.
إزاي كل دا يحصلك وأنا معرفش؟ إزاي يعني؟ مالكيش رجالة تجبلك حقك ومازن إزاي يعرف حاجة زي كدا ويسكت؟ ازداد بكاء زهراء فأسرعت رنا لتحتضنها وتربت عليها كي تهدئ من حالها، وراح يزيد ينظر إلى البعيد فيجد أن شقيقه مازن يتجه نحوهم بصحبة زوجته وتتبعهم والدتهم على اثر صياحه، ما إن اقترب مازن حتى تلقى سؤاله العنيف:.
أنت إزاي يا بني آدم ياللي معندكش دم أختك تتعرض للخطف قبل كدا وتسمع وتسكت ولا كأن حصل حاجة؟ بذمتك أنت راجل انت؟ صُدم مازن جراء إهانة شقيقه الصريحة له أمام زوجته وشقيقته وامه أيضاً، ليقول محاولا ضبط أعصابه: ما تهدى يا يزيد في إيه ما هي اللي قالت مقولش لحد عشان اللي أنت هتعمله دا! اه واهو سكوتك خلاها كانت هتتخطف للمرة التانية شايف شكلها عامل إزاي؟
نظر لها مازن بصمت وصدمة في آن واحد لا يجد ردا مناسبا له، بينما أسرعت الأم تهتف بغضب: أدي آخرة دلعك فيها يا يزيد مش أنت اللي بتنفذلها طلبها؟أنتوا مافيش حد فيكوا بيسمع الكلام أصلا... زفر يزيد الهواء بغضب عارم وهمّ بالانصراف، ولكن قبل رحيله حذرها بصرامة للمرة الثانية: مالكيش خروج نهائي من البيت يا زهراء، ولو حصل أنتِ حرة!
انصرف ما أنهى حديثه حيث أنطلق بسيارته فورًا بعصبية مفرطة، وتفرق الجميع بعد ذلك ما بين غضب مازن وحزن زهراء ومواساة رنا ونورهان وتبقى الأم على موقفها إذ عنفت مازن مرة أخرى حتى ترك لها المكان بأكمله وانصرف في أشد حالاته غضبًا..
لا تعرف كيف تتصرف الآن تغرب الشمس وانقضى اليوم فتمنت أن تغرب مخاوفها معها، ولكن كيف؟ لقد عاد محمود يُهددها، عاد يذبح روحها، لقد تقابل معها اليوم وحاصرها فذكرها بما كان يحدث بينهما، مُحادثات غرامية تحتوي على صورًا خاصة لها ماذا لو علمَ يزيد بها؟ لن يبقيها على ذمته حتما، سيصفها بالرُخص يا ترى؟
تتراود الأفكار في رأسها وهي حقًا لا تعرف ماذا تفعل، صورها ومحادثتها مقابل مبلغ مالي كبير لكن هذا ليس المعضلة.. هي لا تملك هذا المبلغ من الأساس، كيف تطلبه، وكيف تدبره، فلم تجد إلا زهراء مؤكدًا أنها لن تتركها وستساعدها.. وبعد مُناقشة بينها وبين ذاتها دامت لمدة ساعة كاملة قررت وانتهى الأمر.. وعبر الهاتف أخبرته: محمود أنا هقابلك بكرة زي دلوقتي بس لو طلعت معاك نسخ تانية من الصور دي والله ما هيحصلك كويس.
وضحكة ساخرة ارسلها لها وهو يقول: متخافيش يا روحي متخافيش... بقلق أغلقت الهاتف دون مقدمات، وعادت إلى مخاوفها من جديد، وتمر الساعات كالدهور عليها لا تعلم ماذا ينتظرها؟ في الموعد المُحدد ذهبت وكأنها ترتكب جرم فاحش، كلا بالفعل هو جُرم! في الموعد المُحدد هذا تقابلت معه في إحدى الأماكن وبتوتر شديد سألته: فين الحاجة؟ وبالمقابل رد عليها: فين الفلوس!
ولم تكد تمنحه الأموال حتى هبط قلبها بين قدميها وكأنها شُلت الآن عندما وجدت سيارة زوجها تُفرمل أمامهما ويترجل منها بهدوء، هدوء قاتل مريب ينذر بعاصفة..! يغلق باب السيارة بمنتهى العنف ويتجه نحوهما بشراسة قاتلة.. فسقطت منها حقيبة المال وتسمرت مكانها بخزي شديد! ترى ماذا هو بفاعلٍ؟! تمت الجزء التالي رواية نيران الحب والقسوة الجزء الثاني للكاتبة فاطمة حمدي كاملة