رواية حلم السندريلا للكاتبة عليا حمدي الفصل السادس والعشرون
تحرك معتز داخل اروقه الشركه ذاهبا لغرفه شقيقته فهو في امس الحاجه لها، دلف ليجدها منكبه على عده اوراق امامها فدلف و اغلق الباب فرفعت راسها و عندما راته تعجبت و لكن ازال تعجبها عندما قال بانكسار تتذكر اخر مره رأته فيه يوم رفض والده رؤيته: محتاج اتكلم قوى يا مها. نهضت عن مكتبها و اتجهت اليه امسكت يده و تحركت به للاريكه الجانبيه و جلست و اجلسته بجوارها و نظرت اليه بمعني تحدث..
وكأن احدهم اعطاه رخصه التحدث بعد طول صمت فهتف بسرعه معددا ما يحمله قلبه: كل اللي في حياتي واحد يا مها، كله واحد، كله بيبعد مفيش حد متمسك بيا ابدا، بابا و ناسي اني ابنه لدرجه اني بدات احس انى مش ابنه اساسا، ماما.. صمت مبتسما ابتسامه جمعت سخريته بمراره قلبه: اوقات بحس انها متستحقش لقب ام اصلا، انتِ ببساطه سافرتِ، حتى هبه..
نظر للارض بشرود و عينه تلمع بالدموع: هتبعد يا مها، هتبعد عني بعد ما اتعلقت بيها، هتبعد زيها زي اي حد تاني، تساقطت دموعه فوضعت مها يدها على ظهره و لكنه ابتعد عنها و نهض واقفا بسرعه و هو يلوح بيده بعصبيه متألمه: ليه الكل بيهددني بانه يبعد؟! ليه الكل بيقولي ببساطه لو غلطت هندوس عليك لان كرامتي فوق كل حاجه حتى انت؟! ليه الكل بيهددني بحبي ليهم يا مها لييه؟!
اقترب منها مجددا و جلس على الارض امامها و هتف بترجي يتمناه: ليه محدش بيقولي اغلط ونصلح الغلط سوا! ليه محدش بيقولي حتى لو انت سيبتني انا مش هسيبك! ليه محدش لمره واحده يحبني من قلبه بجد و يبقى مستعد يتنازل عن كل حاجه و اى حاجه بس يفضل جنبي!
ابتعد عنها مجددا و هو يزيل دموعه بقوه متحدثا بقسوه: لما بابا هددني لو سافرت معاكِ هيمنع دخولي من المطار قولتله اني بكرهه و مش عايز اشوفه اصلا، لما امي هددتني انها هتطردني من البيت لو زهقت من وجودي و طلباتي سيبتلها البيت و مشيت، لما جدي هددني انه هيحرمني من الميراث ان منجحتش في دراستي و في الشركه زي عاصم مدخلتش الامتحانات ل3 سنين على التوالي، و لو هبه شايفه اني هضعف بحبها...
هتف بصوت حاد و لكنه خانه ليجرد مهزوزا مضطربا: يبقى انا مبحبهاش يا مها. و دون ان يسمع اجابتها حتى فتح باب الغرفه و خرج مسرعا، بينما نظرت مها للباب الذي خرج منه و هي تزفر بيأس فاخيها لم يخرج من عقده الاهتمام الذى لم يشعر به حتى من اقرب الناس اليه بعد،.
فماذا يخبئ القدر له من زوجته لا تعرف و لكنه في السابق كان يتألم من اهمالهم اما الان فهو يتمزق ألما و هذا ان دل على شئ يدل على حبه الشديد لهبه و لكن للاسف معتز لم يدرك ذلك بعد و يا ليته يدركه و ليت هبه تعاونه قبل فوات الاوان.
مش كفايه تأخير كده يا جدى انا بقالي شهور بحاول اقنع حضرتك. هتف بها اكرم بحنق و هو يحدث جده. تنهد مجدي على الطرف الاخر و تحدث بخفوت: انت خابر الظروف يا ولدي، و موت الضني غالي جوي جوي، والحجيجه دلوجت هتزود الوعره و هتكتر الوجع و العيله مش ناجصه مشاكل عاد. وضع اكرم يده على رأسه مفكرا قليلا: مش لازم حد يعرف اني هاجي لحضرتك و الكلام هيفضل بينا،.
هتف مجدي بحده رغم ضعف صوته: لاه لما تخابر الحجيجه مينفعش تخبي، انا بجولك لاني متوكد ان فيك روح امك الجويه و عجل ابوك الكبير، و لازمن العيله كلياتها تعرف الحجيجه، ثم اردف بهدوء يطمئنه: الصبر يا ولدي، انا امنت الطريج اللي يوصلك للحجيجه حتى لو اني موت، بس دلوجت مجدرش احرج جلب بنتي على اختها كفايه وجعها على ولدها و الحجيجه دايما بتوجع يا ولدي،.
عبث اكرم بخصلاته وصمت فأردف الجد بشبح ابتسامه: و بعدين العيل كلياتها هتيجي اهنه وبعد ما نجضوا يومين زينين هخبرك الحجيجه، و اني عندي اخبار جديده و متوكد انها هتفرحك. تمتم اكرم: خير..
تحدث مجدي بشجن لم يخطؤه احساس اكرم: هنتجمع من جديد يا ولدي، اني ومدحت وامين وعبد الحميد هنتجمع تاني، هنعاود و نبجي اخوه، هنجفل الفجوه اللي بناتنا و نعاود و نفتح صفحه جديده، هنمسك بيد بعضنا من تانى، هنجف جار بعض، ضلوع المربع هتكتمل يا ولدي، هتكتمل.
ابتسم اكرم بحنان و هو يشعر بفرحه جده رغم اندهاشه مما قاله فمصائب قوم عند قوم فوائد، و وفاه فارس رغم انها فاجعه الا انها كانت السبب في محو الخلافات القديمه: القلوب اللي بتتعود على الود مبتعرفش الهجر يا جدى، الحب و الود اللي بنتوه جوه قلوبكم مهما اتغربتم عنه اكيد هترجعوله. اتسعت ابتسامه مجدي و الذي شعر ان روحه تستعيد شبابها: صوح يا ولدي صوح.. ثم تحدث بحزن نادم: بس غربتنا خسرتنا كتير جوي،.
ليتحدث اكرم بحماس مانعا شعوره بالحزن: بس كسبتوا اكتر، على الاقل كسبتوا بعض في الاخر. هتف مجدي بسعاده: زين الزين يا ولد بنتي... ثم اضاف بحماس مستغربا: واااه مش هتسألني كيف يا ولد و لا ايه؟ اتكا اكرم على مكتبه قائلا بابتسامه: مش مضطر اسال يا جدي انت كده كده هتحكيلي..
ضحك مجدي و بادله اكرم بالمقابل عندما بدأ الجد يخبره كيف وقفوا اربعتهم بمساعده بعضهم في تلك المحنه التي مرت عليهم فمدحت انحني ظهره بموت فارس و مرض ابنه و لم يجد جواره سوي اصدقاؤه الثلاثه، هؤلاء الاصدقاء التي فرقوا انفسهم بنفسهم مستغلين ظروفهم، هؤلاء الاصدقاء الذين اتحدوا ليتفرقوا بدلا من اتحادهم ليجتمعوا، هؤلاء الاصدقاء الذين سمحوا للظروف ان تدخل بينهم بقوه،.
هؤلاء الاصدقاء الذين اتفقوا سابقا على ان يكونوا عون و سندا لبعضهم البعد و بدلا من ذلك تفرقوا و فرقوا ابناءهم ايضا، و لكن عندما اشتدت شمس الحزن لم يجدوا سوى سقف صداقتهم فاستظلوا به مسرعين كأنهم انتظروه منذ دهور. قطع حديث اكرم الودى من جده طرق خافت على باب الغرفه فاستأذن من جده و سمح للطارق بالدخول، دلفت هناء و اعطته ورقه صغيره و خرجت..
قرأ اكرم الورقه ثم استأذن من جده بضروره الغلق وبالفعل اغلق الخط وطلب هناء التي دلفت على الفور.. رفع اكرم الورقه امامها قائلا: ايه ده؟ تحدثت هناء بعمليه بحته يتخللها دائما بعض الايفهات والتي دائما ما تدفع الضحكه لوجهه: حضرتك جالك اتصال بس خطك الداخلي كان مشغول فالمتصل رفض ذكر اسمه و قالي اكتب الرقم ده لحضرتك، قال يعني انا هعاكسه لو قالي اسمه،.
ابتسم اكرم و اومأ براسه فخرجت هناء و هى تصدر اصوات بشفتيها دلاله على التأفأف، طلب اكرم الرقم وهو يبتسم حتى اجابه الطرف الاخر: السلام عليكم، انا اكرم الالفي، الطرف الاخر: بشمهندس اكرم انا خالد عبد القادر من قسم الشرطه، عقد اكرم حاجبيه متذكرا تلك الدعوه التي رفعها ضد العامل الذي حاول الاعتداء على صاحبه بحر الفيروز،.
بعد دقائق كان اكرم في طريقه لمكتب مها عندما استمع لضحكات محمود بالداخل و هو يقول: هخطفك يا مها شدد قبضته بقوه و لكنه تجاهل الامر و بكل بساطه دلف و على وجهه ابتسامه هاتفا بمرح: كده مش بس فعل فاضح لا دا جرم و انا قبضت عليك متلبس.. نظرت مها للارض بخجل بينما قهقه محمود و هتف: حضرتك بتفكرني بوالدتي لما كانت دايما تقفشني و انا بلعب بالتليفون ايام الامتحانات..
ضحك ثلاثتهم و لكن ما لبث اكرم ان استرد حزمه قائلا بجديه: بس احنا هنا في مكان شغل و اعتقد انا قولتلك كده كتير و الموظفين مش هيسكتوا و لا ايه؟ حمحم محمود قائلا باحراج: حاضر يا بشمهندس عن اذنكم... ارتبكت مها قليلا و لكنها فقدت اعصابها ونظرت لاكرم بخوف عندما قال بجديه لاعنا الظروف الذى اضطرته ان يكون شاهدا على امر كهذا بحياتها: محتاجين شهادتك في القسم.
سيطر عليها ارتباكها فارتجفت اصابعها فنظر اكرم لارتجافه يدها و تحدث بهدوء يعاكس رغبته العارمه بطمأنتها باحتضان كفه لكفها الصغير: مش مطلوب منك حاجه غير شهاده بسيطه باللي حصل، ضمت ملابسها بيدها بقوه و هي تتذكر ما عايشته ذلك اليوم من احداث، حاول مجددا طمأنتها بهدوء: انا هبقي معاكِ والموضوع مش هياخد اكتر من 5 دقايق،.
رفعت راسها تنظر له برجاء خائف استقبله هو و رغبته باحتوائها تزداد: انا مش هسمح باي حاجه تحصل اطمني، لو عليا مش هسيبك تروحي بس شهادتك ضروريه و لازم الظابط يسمعها بنفسه. فاشارت بيدها مع حركه شفتيها بانفعال صامت بعجز بائس انا مبتكلمش يا بشمهندس، في الاول و في الاخر مليش صوت.
لم يبد اي ندم او شفقه و التي توقعتهم هي بل هتف بحده: لا ليكِ صوت حتى لو الناس مسمعتهوش كفايه انه موجود جواكِ علشان تحاربي بكل قوتك علشان يظهر.. اخفضت راسها فتحدث هو بجديه: ياريت تجهزي علشان هنتحرك كمان ساعتين كده، رغم اني كنت افضل يبقى معاكِ حد من العيله، و لو على الاقل عاصم. رفعت راسها و اشارت بسرعه لا عاصم لا، لو عرف ممكن يقتله ابتسم متمتا بسخريه: انتِ هتقوليلى، ما انا عارف.
فأضاف محاولا اثنائها عن رغبتها بأن تكون بمفردها: معتز او حتى محمود اى حد يكون جنبك يطمنك! نفت برأسها و رغم براءه ردها ألجمه عن المزيد من المحاوله، اشارت بهدوء لا مش عاوزه حد يعرف، انا واثقه في حضرتك و دا كفايه و اى حديث يقال الان و قد اعطته مسئوليتها كامله و تقبلها هو بكل صدر رحب.
عاد مازن للمنزل مبكرا عن عادته اليوميه صعد مباشره لغرفته ليجد حياه تجلس على ارض صاله الاستقبال تضم كتاب الله لصدرها و تبكي فترك اغراضه بجوار الباب و دلف متمتا بهدوء و هو ينظر اليها بترقب: حياه.
رفعت نظرها اليه سريعا و بمجرد ان راته ازداد بكائها فاقترب منها مسرعا واخذ كتاب الله من بين يدها و جلس على الارض بجوارها و جذبها لصدره محتضنا اياها بقوه فتمسكت بقميصه بقوه اكبر فتأكد انها تخشي شيئا و بشكل كبير فهمس بخفوت: ايه حصل؟ تحدثت بتقطع من بين دموعها هو فقط من تستطيع توضيح اسبابها اليه و هو فقط من يفهمها: مش عاوزه اسافر، خايفه اسافر..
تذكر كلام والدته صباح اليوم عندما اخبرته عن رغبه جده بسفرهم للصعيد فادرك سبب مخاوفها فمسد ظهرها بحنان و ما زال يضمها لصدره و همس بهدوء: خايفه ليه؟ ابتعدت عنه و نظرت لوجهه ببراءه طفوليه و هى حقا تشعر بسوء قادم، اساسها انها ستفقد امانها بين ذراعيه كأخ كبير لها يخيفها: حاسه اني هخسرك، حاسه ان السفر ده هيبعدنى عنك كتير و مش عارفه السبب.
و بنظراتها الخائفه شملها بنظراته، فضمته مجددا مردفه تشكيه هم قلبها: عارف انا كان اقصي طموحاتي اني اقعد على سطح بيتنا و السما بتمطر، احضن نفسى بقوه، ابكي و اصرخ، اشارك دموعي بمطرها، ابكي و اطلع كل الم جوايا، اصرخ بعلو صوتي و اخرج كل حاجه وجعت قلبى، و بعدين ابص للسما و اقارن، دموعي ايه جنب مطرها، صوتي ايه جنب رعدها، اذا كنت انا موجوعه فالسما بتشاركني وجعي بوجع اكبر، هقنع نفسي ان في حد معايا، اثبت لنفسي اني غاليه حتى لو عند السما اللي احتوتني بمطرها تطمني...
ابتعدت و نظرت لمازن و عينها تمطر الما و ترعد خوفا و هى تجد به كل أمانها: انا حققت اللى نفسى فيه، بيك يا مازن. انت السما اللي حضنتي، انت المطر اللي في عز الوجع احتواني، انت الرعد اللي زلزل خوفي و طمني.
عادت تستند على صدره و تمسكت بقميصه بقوه اكبر و هي تهتف مرتعبه لا تدر ما سبب ارتعابها حتى: بس خايفه الشمس تطلع و المطر يخلص، خايفه السما اللي احتوتني بمطرها تطلع شمسها و تبعدني عن حضنها، خايفه اخسرك يا مازن. اتسعت عينه بدهشه من المكانه التي تضعه فيها، هو ليس زوج و لا مجرد اخ بل اكبر من ذلك بكثير بكثير جدا.
ضمها اليه بقوه و قلبه يتألم لاجلها و قال بثقه مطمئنه يحاول بثها الامان ان مهما يحدث هو لها السند دائما: زي ما السما احتوتك بمطرها في عز وجعك، هتحتويكِ بشمسها في عز فرحك، السما ليكِ و حضنها ليكِ دائما، و زي ما حضنت دموعك بمطرها، هتنور ضحكتك بشمسها. ابتسمت براحه و هي تسمع دقات قلبه التي تدرك جيدا انها لا تنبض لها و لن تفعل، و لكنها تعطيها الاف الوعود بالامان، و الاف الصكوك بالوفاء.
خرج اكرم من الشركه و ظل بانتظار مها داخل سيارته، حتى خرجت هي و محمود يضحكون.. نظر اليها متابعا ضحكتها التي منذ اول يوم رأها خطفت قلبه بعيدا دون درايه منها، بحر الفيروز الذي غرق فيه سهوا و خفيه، ملامحها البريئه التي تعجز عينه عن الابتعاد عنها. ابتعد بنظره عنها و وضع يده على قلبه و ابتسم،.
دائما ما كان يمني نفسه بحب يسكن قلبه بلا منازع، بامرأه يمنحها ما ادخره من حب طوال عمره، بزوجه تكون مكافأته على صبره، و لكن هذا قلب، و القلب يعشق دائما كل صعب. كم كانت والدته تخبره دوما برسائلها ان يكن رجلا كأبيه، ناجحا مثله، متدينا مثله، خلوق مثله، و كم ناجته ليعشق مثله!
ليجعل انثي ما على هذا الكوكب تعيش شئ اكبر بكثير من الحب مثلما عايشته هى، ليجعل امرأه ما سعيده سعادتها، ليجعل امرأه ما تقول يوما هنيئا لها بابن مثله، و كم يتمنى الان وجود والدته معها ليخبرها، ليقول لها عشقت يا امي و لكن ليس لكل العاشقين لقاء. وقفت امام قسم الشرطه تختبئ خلفه خوفا و ارتباكا، تقدم يفسح لها المجال حتى جلسا امام الظابط الذى هتف بعمليه مطلقه: اتفضلوا.
تسائل اكرم عن صديقه الظابط الذى من المفترض ان يكون ها هنا فأتته الاجابه ساخره: منفعكش انا و لا ايه؟ و ابتسم بمجامله فتسائل الظابط موجها حديثه لمها: انتِ مها حامد السروى؟ اومأت برأسها، فاشار الظابط للجالس بجواره: افتح المحضر يا بني، قوليلى يا انسه ايه اللي حصل بالتفصيل!
تلعثمت و تجمدت يديها عاجزه عن سرد ما حدث، رفعت عينها لاكرم كأنها تطلبه المساعده فهم بالتحدث و لكن هتاف الظابط بصوت حاد جعله يغضب و جعلها تنتفض شاعره بالعجز، الخوف و يلفها الصمت ارتباكا اكثر: انطقي يا انسه مش جايين هنا نسكت و نبص لبعض! اعتدل اكرم بحده ناظرا اليه صائحا بصوت عالى نسبيا: اللى قدامك مش متهمه حضرتك، و مش تحقيق هو و دا مش اسلوب.
نظر اليه الظابط باستهزاء ساخطا و لم يبالى: و انت بقى اللى هتعملنى شغلى؟ ثم ابتعد بنظره عنه مطلعا على الشكوى امامه: و بعدين انت موجود هنا بصفتك ايه؟! استدعي اكرم كل هدؤه و رغم انها عادته الا انه كان من اصعب ما يكون عليه الان: انا اكرم الالفى، اللى مقدم الشكوى.
فاغلق الظابط الملف متحدثا بسماجه و هو يرمقهم بعين متفحصه هاتفا باستنكار: ايوه يعنى موجود هنا بصفتك مين، مش اخوها و مش جوزها، قدمت شكوى بصفتك مين؟ ثم ابتسم و هو يرمق مها بنظرات غريبه متمتما: و لا انت صاحبها؟
نهض اكرم بغضب مقتربا من الرجل قابضا على طرف بذلته بعنف هاتفا بحرقه: هو لما الاقى واحده محتاجه مسااعده و اساعدها لازم ابقى اخوها او جوزها مينفعش لانى راجل، و لا غريب عليك الكلام ده ما اصل اشباه الرجال كتير. اشتعلت اوداج الظابط و هتف هو الاخر بغضب: انت اتجننت؟! انت فاهم يعنى ايه تتعدى على ظابط شرطه في زيه العسكري؟! دا انا اوديك في داهيه..
فهتف اكرم بغضب مماثل: و انت فاهم يعني ايه تقذف محصنات؟! الداهيه بتاعتك دى صفر على الشمال يا حضره الظابط. في هذا الوقت دلف خالد صديق اكرم ، الذي تعجب الموقف و لكنه تصرف بسرعه محاولا تهدأه الامور و بالنهايه نجح في ارضاء الطرفين و لو انه لم يفعل حقيقه،.
ثم استلم هو الامر حتى انهاه و قد حصل على ما يريد، تنهدت مها خارجه من الغرفه خلف اكرم الذى فاجأها و هى ترى عاصم امامها يستند على جدار مقابل للغرفه التى كانت بها منذ دقائق، فنظرت اليه بذهول، نقل اكرم بصره بين عاصم الذي يشتغل غضبا و لكنه يحاول التماسك و بين مها التي ارتعدت خوفا من رد فعل عاصم، فابتسم يطمئنها متمتما باعتذار و توضيح: مكنش ينفع نخرج من الشركه انا و انتِ و محدش من اهلك يعرف، لا ديني و لا رجولتي يسمحوا بكده و بصراحه مقبلهاش على اختي، فكان لازم عاصم يعرف بس انا احترمت رغبتك انه ميبقاش موجود معانا.
نظر اكرم لعاصم الذي يتابع ما يحدث و يكاد ينفجر غضبا لولا ان اخذ اكرم منه وعدا لما كان انتظر حتى انتهائهم ليظهر في الوسط، نظر اكرم لها و همس بمرح و غمزه مشاغبه يطمئنها: لما تحبى تهربى من المواقف دى، احضنيه عالطول.
و تركهم متحركا باتجاه سيارته ليلتفت بعدها ليجدها تضم عاصم بقوه وضحت كم كانت حقا بحاجه لذلك، فابتسم و هو يرى على ملامحها الارتياح و في عيونها دموع اخفتها و خوف سلمته لاخيها مسرعه كأنها سئمت حمله، قويه، و لكنها ضعيفه جدا فقط بحاجه لمن يحتويها. ابتعدت و رفعت يدها تزيل دموعها و هى تشير موضحه كنت خايفه عليك، انت في غضبك مبتعرفش حد.
رفع حاجب يستنكر ما تقول و لكنها منعته التحدث عندما اشارت متسائله و هى تنظر لاكرم بالخارج قالك امتى! نظرعاصم لاكرم بتقدير و ابتسم و هو يتذكر مدى غضبه و خوفه في الوقت ذاته: يوم ما كنتم في المبني، بعد ما خرجتوا من المستشفي، و قالي انك رافضه ان حد يعرف.
ثم اضاف و هو ينظر بدقه و ترصد لعينها متسائلا رغم انه متوقع الاجابه: انا تقبلت انك تخبي على معتز و عذرتك انك تخبي عليا بس اللي مش قادر استوعبه ازاى تخبي على محمود، و المفروض انه اكتر واحد تبقى محتاجه له جنبك في وضع زى ده؟! شردت بعينها قليلا و اشارت و هي ترفع كتفيها ببلاهه و استغراب معرفش.
نظر اليها عاصم قليلا و كتم داخله ما وصله من رسائل، و تحرك معها للخارج حيث يقف اكرم، نظر اليهم اكرم بابتسامه قائلا و قد ادى واجبه: انا كده سلمت الامانه، تقدروا تتفضلوا انتم وانا هتمشي شويه. نظرت اليه مها بامتنان ثم صعدت للسياره بينما صافحه عاصم بشكر و احترام متمتما بابتسامه: لينا قاعده سوا..
عاد امجد من عمله ليجد سلمي جالسه و الغضب يظهر بوضوح على وجهها و تجنبا لاى نقاش حاد بينهما قرر تجاهل غضبها قليلا و استقبلته هى شاكره له صنيعه ثم بدأت بتحضير الطعام حتى انتهت و جلس كلاهما، بدأ الحديث بينهما يخرجها نوعا ما من غضبها خصوصا مع مزحات امجد المتتاليه و التي تدرك جيدا انه يتعمدها لتضحك فهو دائما ما يخبرها ان شمس يومه تشرق بابتسامتها،.
نهضت تلملم الطاوله و لاول مره يساعدها رغم انه دائما ينتظرها لتنتهي، استند على الطاوله الرخاميه بجوارها وهي تضب الاغراض بمحلها و تنظف الاطباق و هو يمازحها و احيانا يشاكسها بيده حتى صرخت به ضاحكه: خلااااص يا امجد بقالي ساعه كان زماني خلصت. قهقه هو الاخر مضيفا باستفزاز مستمتعا: بحب اشوفك متعصبه، ببقى مبسوط.
نظرت اليه بغيظ ثم نثرت بعض قطرات الماء عليه ليبتعد بوجهه ضاحكا ثم امتدت يده لتدغدغها و لكنها رفعت احدى حاجبيها بثقه دون حركه، ففعلها مجددا لم تتأثر ايضا فهتف: لا مش ممكن، انتِ مش بتغيرى! حركت رأسها يمينا و يسارا نافيه و هي تضحك، فضرب جبهته بيده وقال بقله حيله: و انا اللى كنت فاكر انها هتبقى نقطه ضعف. فهندمت مريول المطبخ قائله بثقه: عيب يا بابا، انا مش اى حد حضرتك.
قهقه و هو يراها تتقمص دور الواثقه بجداره مع ذلك المريول هاتفا بتحدى: كل انسان له مكان معين يغير منه و صدقيني هعافر لغايه ما اوصل، و ما ادراكى بقى لما دكتور امجد يعافر. ضحكت بملأ صوتها و قبلت تحديه بكامل ثقتها: طيب لو قدرت توصل هنفذ اللى تطلبه منى. اقترب بوجهه منها هاتفا و هو يحرك اصبعه امامها و نظره عينه مشاغبه: اي حاجه. دفعته بكتفه بخفه تبعده عنها مردده و هى تتحرك بثبات للخارج: اي حاجه..
و خلفها كان هو يسرع ليلحق بها ثم حملها مسرعا و هي تصرخ و قد باغتتها فعلته: بتعمل ايه يا امجد! فهتف و هو يتحرك بها لغرفتهم ناظرا لعينها بتساؤل: انتِ طخنتِ يا سلمي، بقيتِ تقيله. ضربت بقبضتها عده مرات على كتفه ثم عبثت بشعره صارخه: انا طخنت، طب نزلني يا امجد.. ظل يضحك بقوه حتى دلف لغرفتهم فدفعها على الفراش بقوه فصرخت بغيظ ثم نهضت واقفه بسرعه اعلاه صائحه بعنف و ضحكاتها تقطع كلامها: انت عاوز ايه؟!
فاقترب منها و هو يرمقها بنظرات ماكره ليصيح بصوت حاول جعله خشنا بقدر استطاعته: يا انت يا انتِ النهارده. جاءت لتهبط عن الفراش و لكنه امسك قدمها لتسقط و هي تضحك بقوه، فبدأ يداعب قدمها من اسفل و لكنها فقط تضحك على محاولاته الفاشله، حاولت النهوض مجددا فثبت قدمها بيده ممسكا اياها من ركبتيها فتلوت و صرخت بقوه تدفعه عنها: سيب رجلى يا امجد.
و لكنه ثبتها بقوه محركا يده حول ركبتيها ليحكم امساكها و لكنها تحركت بعشوائيه و هي تصرخ، فنظر اليها ضاحكا يلتقط انفاسه بعنف: فرهدتيني يا سلمي اثبتى بقى. و حرك يده مجددا ليستطيع تثبتها فصرخت مجددا لتتعالي ضحكاته هاتفا بها معنفا: ودني يا بنتي ارحمي، بتصرخي ليه دلوقتي! فحاولت سحب قدمها من اسفل يده و هي تقول و قد كشفت سرها الصغير: ابعد ايدك بس و انا هثبت، متمسكنيش من هنا،.
فنظر ليده القابضه عليها و الممتده اسفل ركبتيها و اتسعت عينه بادراك فحرك يده بخفه اسفل ركبتيها لتصرخ مبتعده عن مرمي يده، فابتعد عنها ضاحكا بقوه شديده حتى سقط على الفراش جوارها و هتف: طيب كنتِ سبينى احاول اكتر، دا مكان حد يغير منه، ركبك يا سلمي؟! فنهضت جالسه و ضربته بقبضتها عده مرات بصدره و هتفت بتزمر: بس يا امجد اسكت خالص..
نهض جالسا هو الاخر يزيل عرق جبينه الغير موجود بدراميه هاتفا: كده خسرتِ الرهان، هطلب و انتِ تنفذى. عقدت ساعديها و نظرت لجانب الغرفه و همهمت موافقه، فرفع يده و ادار وجهها اليه و اشار باصبعه الاخر على وجنته يطالبها بقبله، فحركت رأسها يمينا و يسارا نافيه. فاعاد وجهها اليه شاهقا بمزاح هاتفا: هترجعي في كلامك و لا ايه يا بشمهندسه؟!
زفرت بضيق ثم اقتربت منه طابعه عده قبلات مشاغبه على وجنته ليصدر هو صوتا مستمتعا، فزمت شفتيها مبتعده عنه و همت بالنهوض و لكنه امسك بمعصمها مجلسا اياها مجددا و قد ترك المزاح جانبا متحدثا بجديته: لسه في طلب.. حاولت سحب يدها منه و لكنه اطبق عليها و عاد بجسده للخلف نائما ساحبا اياها جواره لتستند براسها على كتفه و هو مازال محتضنا كفها: ايه مضايق متمردتى الجميله؟!
زفرت بقوه و قالت باستسلام: طنط مروه عاوزه تعمل حفله لانجي بمناسبه ترقيتها في شغلها الجديد و مصممه اننا نحضر لا و انا اللي اصمم الديكور كمان و انا اصلا مليش نفس احضر حفلات.. اسند رأسه على رأسها و مسد ذراعها بيده و همس بهدوء يستشف سبب ضيقها تحديدا: امممممم و انت متضايقه من ايه بالظبط؟!
اغمضت عينها ثواني ثم تمتمت بتوضيح: اولا انا مش طايقه اشوف انجي، ثاانيا مش عاوزاك انت كمان تشوفها، ثالثا هو مفيش غيري يعني يجهز لها الحفله، رابعا مش طايقه اسمع اى اغاني او اشوف اى جمع كبير كده و انت عارف السبب كويس، اخر حاجه بقى انت عارف وضع حنين، ازاى احتفل عادى كده كأن حياتنا طبيعيه، انا جوز اختى مات يا امجد و رغم الوقت اللى عدى فارس مش سهل يتنسى و لو عدى اكتر من كده عشر مرات.
تنهدت بقوه و صمتت ليصل لمسامعها اخر ما توقعت ان تسمعه عندما صرح امجد بهدوء: فارس بالنسبه ليكِ كان جوز اختك بس، صح؟!
انتفضت سلمي كالتي لدغتها افعي لتنهض جالسه و تنظر لوجهه بذهول تام، فتنهد هو الاخر و نهض جالسا قبالتها و صرح بظنونه التى اخفاها طوال الاشهر الماضيه و التى شعر بها كلما اقترب فارس من سلمى او بعد وفاته و صدمتها الهستيريه: كل حاجه يا سلمى كل حاجه يبقى فيها وجود لفارس كان تصرفك تجاهها مش طبيعي! انا مش بتهمك بحاجه انا بصرح بظنون جوايا و اتمني تثبتِ لى انى غلطان...
نظرت لعينه باستغراب لملاحظته امر كهذا و لكنها حمحمت و قد قررت المصارحه و هى تخفض عينها عنه قليلا: لا حاول النظر لعينها التي تخفيها و تسائل بحاجه لتوضيح اكبر: لا ايه يا سلمي! رفعت راسها وهتفت بتأكيد: لا مش غلطان، انا فعلا كنت معجبه بفارس، اتسعت عينه رافعا حاجبيه بتعجب و تلونت امواجه بغضب متسائلا بسخط نادرا ما يتحدث به: و بتقوليها عادي كده بكل بساطه؟
اقتربت منه و امسكت يده متحدثه بجديه: فارس كان حاجه جميله في حياه الكل يا امجد و انا كأي بنت مراهقه كنت شايفه فيه فارس الاحلام زي ما بيقولوا، كنت معتقده اني بحبه و لما طلب حنين و بابا وافق و هي كمان وافقت كنت حاسه اني مضايقه منها جدا، حسيت ان قلبى واجعني و اني خسرت حاجه يا ما حلمت بيها و فضل الشعور ده جوايا، لحد اليوم اللي انت جيت فيه اول مره بيتنا،.
تهدجت انفاسه و اضطربت حركه صدره و ضغط يدها الممسكه بيده بقوه عبرت لها عن مدي غضبه و لكنها قررت افصاح مكنونات قلبها مره واحده فأردفت و له من الحقيقه كاملها: يومها نزلت اقابلك غصب و كنت ناويه اطفشك باى طريقه، لكن اول ما شوفتك، اتحولت من سلمي المتمرده زي ما انت بتقول دايما لسلمي الخجوله اللي كانت قدامك يومها، اتكلمت معاك بشغف و كنت مبسوطه، اسلوبك الهادي و طريقتك، كنت حاسه اني فعلا ببني معاك حاجه جديده، حاجه بدأت معايا من اول مره شوفتك زى معاك بالظبط،.
رفعت نظرها اليه تغرق باستماته في عمق امواجه التى ارتفعت عاليا بغيرته و تمتمت بصدق احساسها وقتها: يومها مفكرتش في حد غيرك، شاركتك احلامى و اللى ناويه اعمله، مفيش اى حد تانى جه على بالى خالص، و صدقنى يومها اقتنعت تماما ان اللي انا كنت بحسه تجاه جوز اختي ما هو الا اعجاب بنت مراهقه بشاب في صفات بتتمناها، و انت اكتر واحد المفروض تفهم شعورى لانك جربته،.
رفعت يدها من بين يديه واضعه اياها على وجنته: كلنا حبينا فارس لانه كان شخص يتحب، حتى انت رغم انك مقابلتوش كتير حبيته و بعد ما توفي كلنا هنفضل نحبه و هيفضل ذكري جميله جوه قلوبنا بس، حبي ليك انت حاجه تانيه، انت قولت لى ان اللى بينا مش حب قد ما هو اكتمال، انا فعلا بكتمل بيك يا امجد، و زى ما امجد ملك سلمي، سلمي كمان ملك امجد و بس. نظر لعينها، ليغضب، ليصرخ ليعبر عن شعوره بجرح اصاب حبه و لكن اين خطؤها؟!
هو تعلق باخرى و اعتقد انه يحبها، حتى قابلها، تلك المتمرده التى غيرت احساسه، فكيف يعاتب او يلوم احساسها المماثل لاحساسه تماما؟
ترك يدها و اشاح بوجهه جانبا فنظرت اليه و قد مس قلبها حزنه، و هل قولت انا من قبل ان اقصى ما يؤلم سلمى ان ترى بسببها الحزن على وجه من تحب، و بخلاف عبثها، تمردها و رفضها لقبول الاخطاء صرحت عن اسفها باعتذار واضح تعجبه: انا اسفه، احنا اتفقنا على الصراحه في كل حاجه بينا، مكنش قصدي اضايقك.
و رغم تعجبه الشديد لاعتذارها ابتسم يضمها لصدره و هو يعترف كل يوم ان لم يكن كل ساعه انه صح الاختيار و لقاؤه بها كان اغلى ما حدث له و كونها زوجته جعله هذا الاغنى بما امتلكه،.
نحن لا نموت حين نفقد من نحب، فقط نكمل الحياه بقلب ميت. هيلين كيلر جاءت ليلى من الاعلي و هي تبكي فاقترب عز وعاصم منها فقالت باختناق: انا عايزه بنتي يا عز؟ مش متحمله اشوفها كده، رجعلي اختك يا عاصم، عايزه بنتي!
زفر عاصم بقوه و تركها صاعدا للاعلي دلف لغرفه حنين ليجد جنه جالسه امامها تطالعها بحزن فدلف و اتجه لحنين مباشره اغلق ستائر الشرفه و امسكها من يدها و اوقفها امامه، و بكل قوته و جبروته تحرك بها للخارج ساحبا اياها خلفه.. هبط بها الدرج و هي تتحرك معه بآليه، تعجب عز و ليلي و قبل ان يسألوه ماذا يفعل، كانت شذي دالفه للمنزل مع مها فقالت بطفوليه: انت رايح فين يا ابيه؟ فهتف بقوه: كفايه هروب لحد كده..
و خرج بحنين امامهم جميعا و سار بيها حتى السور الفاصل بين منزلهم و منزل فارس و هنا وجدها تحاول التملص من يده، و لكنه اطبق عليها و خرج من البوابه الرئيسيه حتى توقف امام بوابه منزل فارس الذي كان ينتظر مازن امامها.. احس هو بارتجافه جسدها بمجرد عبورهم لبوابه المنزل حتى تشنجت و وقفت تماما امام الباب الداخلي ضغط عاصم يدها ليحركها و لكنها توقفت مكانها و كلما تقدم بها خطوه تعودها هي و انفاسها تضطرب بقسوه،.
و لكن عاصم لم ياتي لهذا القدر فقط فهو لن يرحل من هنا الا بحنين شقيقته و بقايا المرأه هذه لا يرغبها ابدا، جذبها بقوه مؤلمه و تحرك للداخل و هى تكاد تفقد انفاسها مع ازدياد انقباض يدها على الصوره مقربه اياها من صدرها اكثر و كأنها تحتمى بها او ربما تخشى ادراك نهايه حلمها..
اقترب عاصم من غرفه فارس و قد قرر خوض الامر من اكثر مواطنه قوه، فتوقف مازن امامه ناظرا لحنين بقلق مشفق: بلاش اوضته يا عاصم، الموضوع مش سهل لا عليك و لا عليها.. نظر اليه عاصم يخبره انه محق و لكن ان اراد احراق روحها لتعود للحياه مجددا سيفعل، سيفعل و ان كلفه الامر كل طاقته، فتح باب الغرفه و بمجرد ان دفع حنين داخلها بدأ تنفسها يتعالي بشكل لا ينم عن خير، و لكن مع اضطراب حنين اضطرب عاصم ايضا ناظرا حوله،.
كثيرا ما جمعتهم تلك الغرفه، كثيرا ما تشاكسوا هنا، استلقوا سويا على هذا الفراش ليلقى كل منهم بحمله على كتف الاخر... و الان فارغه الغرفه و لكن منه فقط! سامحك الله يا فارس، ليتك اصطحبت ذكرياتك معك، و يا ليتنا جميعا نصاب بفقدان الواقع كزوجتك، يا ليت... وضع مازن يده على كتف عاصم و قناعه هو الاخر على وشك التصدع،.
نظر عاصم لحنين وجدها تتشبث بصوره حلمهما بقوه، و تغلق عينها بقوه اكبر تمتنع عن رؤيه اغراضه، الشعور بأنفاسه التى شعرت بها تملأ الغرفه، الادراك و ما اسوءه، فامسك بذراعها و قال: افتحى عينك و بصى حواليكِ يا حنين، فارس مش موجود، فارس مش هيرجع تاني..
حركت رأسها يمينا و يسارا ببطء عندما حاول عاصم سحب الصوره من يدها فتشبثت بها و لكن لهنا و كفي، نزعها من يدها بقوه ففتحت عينها بسرعه لتتسع بصدمه و تتالى شهقتها المانعه عندما صرخ عاصم بها و هو يمزق الصوره امامها: خلاااااااص يا حنين الحلم ده انتهي، انتهي..
لتضطرب انفاسها بسرعه شديده و هى تنظر له بعدم تصديق ليلقي بالوريقات الصغيره ارضا، و مع تساقط حلمها ارضا داهم علقها فارس يوم زفافهم ساقطا هو الاخر فصرخت بكل ما اوتت من قوه كأنها تعيش ما صار مجددا مردده اسمه بفزع، و هى تتذكر ثقل جسده الذى جذب اياها معه لتسقط ارضا و مازالت تردد اسمه كأنه امامها، اخذت تلملم الوريقات الصغيره، مع تساقط دموعها تباعا تفرغ شحنه خوفها، كسرها ثم انتفض جسدها بقوه كتمانها للوجع لما مضى من اشهر و دون وعى انطلقت صرخاتها مجددا و التي على اثرها اتت نهال و حياه.
اوقفها عاصم قسرا و هو يقتل الوجع الذي يشعر به لاجلها و لاجل نفسه: فارس مش هنا و مش هيبقى هنا خلااص يا حنين، مش هتشوفي فارس تاني، ثم صرخ بقلب يبكى عجزا و قسوه: محدش فينا هيشوفه تاني، ابعدته حنين عنها بقوه صارخه و هي تضع يدها على اذنها تتراجع للخلف كأنها تمنعه افاقتها: اسكت، اسكت مش عاوزه اسمعك، فارس هيجي، فارس هيرجع، انت متعرفش حاجه.
تساقطت دموع نهال و هى تتقدم منها و لكنها توقفت و هى ترى حنين تركض باتجاه طاوله اغراضه الخاصه ناظره اليها تمرر عينها على زجاجات عطره ليقع عينها على تلك الزجاجه التي اهدته اياها فاخذتها بسرعه تنثر منها حولها ليصلها رائحه عطره فاستقبلتها بقوه و ابتسمت بعدها و هي تقول بثقه ترفض مجددا واقع سيقتلها: فارس مش هيسبنى، هو زعلان مني بس مش هيسبني...
نظرت لعاصم و هتفت بقسوه و كأنها تلومه او تتهمه: يعني ايه مش هشوفه تاني، انت كداب، فارس وعدني يفضل جنبي، وعدني نتجوز، وعدني نجيب محمد و عائشه..
صمتت فجأه لحظات، ثوانى و دقائق قلائل، ترى، تشعر، تتذكر و بالنهايه تدرك لتصرخ بعنف دافعه بالزجاجه من يدها بقوه لتصطدم بالمراه و يتهشم كلاهما، فانتفضت نهال تشفق عليها، لتصيح حنين و هي تسقط ارضا على ركبتيها، تعاتب، تلوم و تشكى: فارس!، فارس سبني يا عاصم، سبني من غير ما يخدني معاه، مش هعرف احضنه تاني، مش هعرف اتخانق معاه، مش هسمعه بيقولي بحبك.
جالت عينها يمينا و يسارا تدفع بكل ألمها اليهم: فارس فييين يا عاصم! هحكي لمين عن وجعي دلوقت، مين هيسمعنى و يطمني؟، فااااارس سبنى يا عاصم...
انحنت بجسدها للامام تبكي بأعلي ما تملك من صوت و اعصابها تنهار و كل قوتها تتلاشى، فتحركت نهال مندفعه لها لتجلس بجوارها تضمها لصدرها لتتمسك بها حنين بقوه و هى تردف بنبره مذبوحه: انا عااااوزه فارس يا ماما، طلب مني افضل معاه لحد ما احقق حلمه بعائشه و محمد، و انا وعدته افضل جنبه، و هو اللي سبني يا ماما، تعالت شهقات نهال هي الاخري و هي تشعر انها تضم روح طفلها و صرخت بقلب ام مكلوله: ياااارب يااااارب.
اردفت حنين و هى تنظر لعينها تدفعها عنها و بعدم تصديق صاحت: قالي هحارب علشانك، بس اتخلي عني، سبني لوحدى، انا هعمل ايه، يااارب خدني معاه يارب، ضربت نهال على ظهرها و هي تنهار اكثر تضم اياها بقوه تحاول تكبيل حركتها هاتفه بها: اسكتِ، اسكتِ.
دفعتها حنين عنها مره اخرى و امسكت يدها تتوسلها و هى تنحنى مقبله يدها عده مرات و نهال تحاول منعها فاشله: انتِ مامته مش هتكدبي عليا، قوليلي ان فارس هيرجع تاني ليا، قوليلي انه هيخدني في حضنه و يمسك ايدي تاني، قوليلي اني في كابوس، صحيني يا ماما منه الله يخليكِ صحيني منه..
حاولت نهال الحد من حركتها الانفعاليه و التى اخذت تزداد بهستيريه و لكنها لم تستطع بل نهضت حنين مبتعده عنها و اتجهت لطاولته مجددا و دفعت كل ما عليها ارضا وهي تنهار بشكل تام و هنا حاول عاصم منعها، و لكن دفعتها له اخبرته انه مهما حاول الان فلن يستطيع فعل شئ، قرر تقبلها للواقع و ها هى تفعل و لكن بأقسى و اعنف ما قد يكون على نفسه و خاصه من قلب ضعيف كحنين.
اتجهت لخزانته و فتحتها لتتيبس عينها على ملابسه، لحظات و جذبتها تلتقط ما تبقى فيها من رائحته، لتضمها بعدها لصدرها و قدمها تخونها لتسقط و تتساقط ملابسه فوقها، صرخات متقطعه حتى تقطعت انفاسها لتسعل بضعف قبل ان تتلاشى رؤيتها لتكن اخر ما تراه صور طفولتهما بين طيات ملابسه لتستلم بعدها للظلام و بقلبها تمنت حقا لو كان ابديا.
اندفع عاصم باتجاهها متجها بها للخارج بينما انهارت نهال تماما بجوار ملابس ابنها لتحتضنها حياه بينما وقف مازن ينظر لوالدته التي تكاد تاخذ انفاسها ثم يعاد نظره للدرج التي انطلق عليه عاصم بحنين و لم يتحرك قيد انمله مع تحجر دمعه بعينيه فمن خسروه لم يكن مجرد اخ، زوج و ابن بل كان روح ساكنه بداخلهم و مهما مر من الوقت لن تفارقهم ابدا.
و على الاعتراف، انى لست شجاعا بل انا من فرط خوفى، خائف من أن اخاف. اقتباس الكلمات، سلاح ذو حدين، فكلمه واحده قد تدفع الشخص لامور من شأنها ان تكون جيده و من شأنها ان تكون اسوء السئ، و بعد ان نرى رد الفعل نعيد حساباتنا فيما قولنا و لكن من الخاطئ و من الصائب وقتها لا فارق، فالنتيجه سواء، فعل لا رجوع عنه...
نادمه لما صرخت به في وجهه، تدرك عقدته من عدم الاهتمام، التهديد و البعد، تدرك حزنه لان الجميع يشعره ان لا فارق لوجوده و هى بكبرياء مجروح فعلت ما يخافه و همشت منه و ان كان ليس هذا بمقصدها اطلاقا و لكن منذ ذلك اليوم و علاقته بها متوتره، يتجنبها قليلا، يغيب عنها بالخارج، الحوارات بينهم قلت، النقاشات و حتى خلافات، و ان صدقت ستقول انها نادرا ما تراه.
و ها هى تجلس بانتظاره و قد قررت ان تتحدث منهيه هذا الغموض و البعد بينهما فلا طاقه لها على حاجز برود يبنيه هو او حتى هى، عاد معتز للمنزل ليجدها بانتظاره في كامل اناقتها و انوثتها، تستقبله بابتسامه و قبله صغيره مدلله: حمدلله على السلامه، اتأخرت عليا.
و جوله قصيره بعينها اخبرته انها نادمه، حزينه، و كان هذا من شأنه قتله و خاصه مع ما يفعله كرد فعل على حديثها، فعقد حاجبيه يعتذر بصمت قبل ان يجذبها يخفى وجهه بعنقها بقوه، يضمها بمدى قوه ضعفه متمتما بخفوت بصوت كتم اغلبه في عنقها: انا اسف..
حاولت الابتعاد لتنظر لوجهه، لتتحدث، تخبره انها من يجب عليها الاعتذار او على اقل تقدير شرح موقفها، و لكنه لم يمنحها الفرصه متشبثا بها، فعادت لسكونها و استسلامها، ليصمت لحظات قبل ان يردف مجددا و قد رفع صوته قليلا: انا اسف..
عقدت حاجبيها و تنهدت تمسد ظهره بيديها تحكم حضنها له مجيبه اياه بقوه عشقها له و ضعف قلبها امام قلبه: اللي حصل حصل، كل اللى هطلبه منك انك متوجعش قلبى يا معتز، انت الانسان الوحيد اللى ملكت قلبى فبلاش تأذيه يا معتز ارجوك. فارتجفت شفتيه الملامسه لعنقها و هو يردف بندم قاسٍ عليه و عليها اكثر: انا اسف..
جاهدت لتبعده عنها حتى استطاعت اخيرا ليهولها مقدار ما تحمله عينه من اعتذار، ندم و ارتباك، فأدركت انه ليس وقت الكلام، العتاب او المناقشه حتى، فابتسمت تضم وجنته قبل ان تدفعه للداخل هاتفه بحنان: ادخل غير هدومك على ما احضر الاكل. و متهربا اجابها: مش قادر اكل، تعبان و هنام.
و استمرت بدفعه كأنه لم يتحدث فاستجاب لها و ها هو يجلس على طاوله الطعام معها، يحاول بقدر ما يملك التناول و لكن وجعه يزداد حتى ما عاد بمقدوره كتم آه متألمه فلتت منه قبل ان ينهض و هو يضغط معدته بقوه لتنهض خلفه جازعه، لتجده يستفرغ و لكن ما اصابها في مقتل هى تلك الدماء التى ملئت الحوض امامها.
قرحه متقدمه.. هتف بها الطبيب بعد عده ايام من تحاليل، منظار و عده تقارير و ها هى النتيجه، لتردد خلفه هبه بقلق: قرحه! اومأ الطبيب موافقا و اردف متسائلا و هو يوجه نظره لمعتز: انت بتشرب سجاير؟ و اجابه بسيطه بالنفى تبعها بلامبالاه: كنت..
و بعمليه اردف الطبيب مجيبا على كل تساؤلاتهم قبل ان يسألوها حتى: واضح انك كنت مدخن بشراهه، بالاضافه لان ضغطك عالى جدا، و طبعا ضغوط الحياه، البيت و الشغل كل دا له تأثير سئ على صحتك،.
بدأ الطبيب يكتب في الوصفه الطبيه و هو يتحدث بتحذير موجها حديثه كله لتلك التى كادت تموت من فرط قلقها و خوفها عليه: ممنوع السجاير تماما و اي حاجه فيها كافيين شاي، قهوه لحد ما نتحسن شويه، يتجنب الضغط، القلق، التوتر، و لازم تظبط ضغطك لانه عامل اساسي، نقلل من الاطعمه الدسمه و التوابل حذاري منها و خاصه الحاره، و الاكل يبقى دافى نسيبا، الاكل الساخن بيأثر بالسلب على المعده..
ثم اعطاها الوصفه الطبيه و قد ختم كلامه بصرامه: و يلتزم بالعلاج في مواعيده.. اومات هبه بتركيز، متقبله كل ما يقوله اوامر سينفذها حتما، و لكن مع هذا المستهتر لا تدرى كم من التعب ينتظرها. عادا للمنزل فدلف مباشره لغرفته بدل ملابسه و تدثر بفراشه بينما هي تراقب حركته اللامباليه بتعجب حتى هتفت بعصبيه من فرط خوفها و تعجبها: معتز قوم لازم نتكلم..
رفع الغطاء على وجهه و اجابها برفض منمق: هبه انا عايز انام، نتكلم الصبح. جلست بجواره على الفراش و وضعت يدها على كتفه و ادارته ليواجهها و ابعدت الغطاء عنه بعنف تصرح بحسم: لا هنتكلم دلوقتي يا معتز قوم.. نهض جالسا دافعا الغطاء بحده جواره و هتف بنفاذ صبر: نعم يا هبه! نظرت اليه بتعجب من رد فعله هذا و خاصه بعد ان تحدث الطبيب عن مدى جديه وضعه: فيه ايه يا معتز؟ انت ليه بتتعامل بلا مبالاه كده؟
نظر لعينها يخبرها بعينيه مقدار ما تحمله نفسه من خوف و لكن لسانه حاول ستر هذا الخوف بعده كلمات حملت من الاستهتار و اللامبالاه الكثير او هكذا ظنت هى: عايزاني اعمل ايه؟ ماشى اكيد بلوم نفسي على اللي عملته، اهمال الناس خلاني اهملت نفسي لحد ما تعبت، خلاص دي اراده ربنا و انا قابل..
فاضت امواجها بحبه لتغرقه بها و هى تردف تلحقه لتخبره انها الان معه و ليس وحيدا كسابق عهده: و نعم بالله يا حبيبي بس لازم تهتم بصحتك, اراده ربنا ماشى بس العلاج دا ارادتك انت.
نظر لها بسخريه المت قلبها ليخبرها انها وضعت ذلك الحاجز منذ زمن و انه مازال وحيدا و رفض رفضا قاطعا الغرق بأمواجها مجددا و تمتم: مش انتِ اللى هتوصينى على نفسي يا هبه، انا طول عمري عايش لوحدي و حتى لو رجعت اعيش لوحدي الموضوع مش هيفرق كتير..
نظرت له بعتاب جاهله مصدر حديثه او ربما لانها لم تتوقع ان تفعل به بضع كلمات ما فعلته كلماتها و يا ليتها تدرك انها الوحيده التى باتت تستطيع كسره، و هتفت بلوم: متأكد انه مش هيفرق! و ارتفعت شفتيه بنصف ضحكه ساخطه، قبل ان يتدثر بالفراش مجددا معطيا اياها ظهره مجيبا اياها بوضوح يمنعها البحث عن سبب لحديثه: زى ما انتِ متأكده انك هتدوسى على قلبك و مش هيهمك..
و هنا ادركت ان اثر كلماتها رغم ما مر من ايام عده لم يزل و لن يزول، و يبدو انها اصابت جرحه القديم ليفتح مجددا و لكن وضعه اسوء، للاسف اسوء بكثير.
لا السيف يفعل بى ما انتِ فاعله، و لا لقاء عدوى مثل لقياكِ لو بات سهم من الاعداء في كبدى، ما نال منى ما نالته عيناكِ أبو الطيب المتنبى.
كان عاصم متجها لغرفته بعدما اطمئن على حنين بغرفتها و جنه تسير بجواره تنظر اليه و قلبها يؤلمها لاجله، ترغب بالوقوف بجواره و لكنها عاجزه، ترغب بدفع طاقه ايجابيه لها و لكن كل ما تحمله داخلها سلبيه، تعلم انه بحاجه لاحد يضمه و فقط يخبره انه قادر و كلٌ سيكون على ما يرام و لكنها تعرف انها ليست ذلك الشخص الذى قد يمنحه ما يحتاجه، فما شأن ضعيفه، متهالكه، متزعزه النفس مثلها ان تمنح من يحمل قوه، عنفوان و ثقه بالنفس مثله.
و يا ليتها تعلم انها فقط كل ما يحتاجه الان، يحتاج ضعفها فهو ما يشعره بالقوه، يحتاج تهالكها ليلملم كل عنفوانه و يدفعه اليها، يحتاج تزعزها ليمنحها قوه ثقته بنفسه و بها، يحتاجها و فقط يحتاجها، و لكن لا هى تعرف و لا هو يقول، و بئس كلا منهما.
جلست على فراشها تفكر، ماذا تستطيع ان تفعل لتمنعه حزنه، و لا تدرى كم من الوقت مضى و لكنها فور ان اوشكت على النهوض للذهاب اليه، احست بمقبض بابها يُفتح، استلقت مدعيه النوم و هذا ما كان ينتظره هو، اغلق الباب بهدوء و اقترب مستلقيا جوارها يستند بوجنته على ظهرها و يحاوطها بيديه لا يحتويها بقدر ما كان يحاول منح نفسه شعور انها تحتويه،.
اغلقت عينها تشعر بانفاسه على بشرتها، يديه تخبرها الكثير من قوه تمسكه بها، و لكن صوته المتهالك اهلك ما تبقى من روحها و هو يهمس كأنه يحدث نفسه: جنتى، انا الليله دى عاوز انسى كل حاجه، هنا، في حضنك،.
ارتفع بجسده قليلا ليستند بأنفه على خصلاتها يملأ صدره برائحتها مردفا بكل ما اضنى روحه بصوت متحشرج: أنسي انى شوفت صاحب عمرى بيموت قدامى، انسي وجع حنين و عجزى عن انى اساعدها، انسي قد ايه انتِ بعيده عنى، و ياريت لو اقدر انسي نفسي..
تساقطت دموعها و هى تحاول كتم انفاسها لمنحه هذه الفرصه ليتحدث، ليشتكى لمره واحده من كثره ما يؤلمه، ليعترف انه ما عاد يتحمل، و فعل و هو يكمل بهدوء قاتل لقلبها قبله: قلبي مصمم يأذينى يا جنتي، مصمم ياخدني في طريق مش عارف اهرب منه و للاسف مش عايز اهرب منه، بياخدنى دائما ليكِ، تجمدت انفاسها حقا و هو يزفر بتعب يردد بسخط و سخريه لاذعه: هو كل الحب مؤذى كده و لا حبك انتِ بس؟
و صمت و شعرت هى به يبتسم و قد كان بالفعل يفعل، يُذكر نفسه بما كان و ما اصبحه و ما اسوء الفرق: قبل ما اعرفك كنت عايش بحجر، جيتِ انتِ و حولتيه لحاجه انا مش عارفها، حاجه هشه قوى، و مش بس اكتفيتِ بكده، لا و كسرتيها كمان، انا كنت عايش لنفسى بس يا جنه، دلوقت انا ايه مش عارف...
صمت، صمت، صمت ثم بأقصى ما يملك من صوت بائس ذبح قلبها و اعتصر روحها بجملته الاخيره و التى بقدر هدوئها زلزلت كل ما بها كما فعلت به و اكثر: اعتقى قلبى، يا جنتى.
و سرعان ما انتظمت انفاسه مستسلما لنوم هو في اشد الحاجه اليه، بينما هي تقطعت انفاسها و دموعها تآزرها، لتستدير مسرعه تضم رأسه لصدرها ضاغطه جسده بيديها بقدر احساسها بوجعه و وجعها، طابعه عده قبلات اعلي رأسه تعتذر، و ما بيدها لتفعله غير اعتذارها، ليته لم يحبها، ليته لم يعرفها، ليتها تختفى من حياته ليعود كما كان و افضل، ليتها لم تمنحه كل هذا الحزن، عليها اللعنه لانها تكسره.
راضيه هى بغضبه، راضيه بصراخه و اذيتها، راضيه بكل سئ لها و لكنها مره اخرى السبب في ألم احدهم، مره اخرى تهدم، و لكنها هذه المره هدمت كل جميل حولها، بئست.
ان تعتاد عدم التفكير في اخطائك، يعطيك احساسا ضعيفا بالصواب و يجعل التعصب هو اول طرق دفاعك عن نفسك. توماس بين و مرت الايام و بدأت حنين تعيش حزنها و تنهار فقدها و هذا ما سيجعلها قادره على استكمال حياتها و تخطى ما بها من جمود، استعد الجميع للسفر للصعيد كما اراد كبار العائله فقط حتى تتجمع اربعتهم مجددا، او ربما فقط للخروج مما اصابهم بتغير المكان و ربما الحياه المُهلكه.
و لهذا الامر نشب شجار بين النقيب و حرمه، يرفض سفرها لطارئه سفره لعمله، يرفض وجودها وسط العائلات بدونه، يرفض و لا مجال لها لتناقشه، و لكنها فعلت... و لكن من اين لاعتراضها ان يمنعه فعل ما يريد و قد كان ما قال و سافرت عائلته عاداها و هو، اصطحبها لمنزل اكرم لتظل معه لحين رجوعه و هنا تهللت اساريرها متغاضيه عن سفرها معهم و ان كانت تريد،.
دلفت للمنزل تاركه اكرم يجالس عاصم بالخارج، ران الصمت بينهم قليلا حتى قطعه اكرم و قد جازف بتوضيح ما يغفل ابن الحصرى عن رؤيته، قرر اخباره بخطأه و ما يعجزه عن مكسب قلبها: تعباك مش كده؟ ظل عاصم على وضعه ناظرا امامه و هو يبغض ان يذكره احد ببعدها عنه، و بعدم كفايه قوته لامتلاكها كامله و رغم ذلك و بدون ان ينظر اليه عبر عن غضب روحه: انا لو بايدى ارجع بالزمن كنت قتلت كوثر قبل ما ابوك يتجوزها.
انحني اكرم بجذعه يبتسم بغلب، فآه و آه من قهر الرجال و ابن الحصرى يكتوى بقهره و لكن عجرفته تمنعه الادراك: انت عارف انك مسئول عن جزء كبير من خوفها! هنا رفع عاصم اليه رأسه ببطء يطالعه برفعه حاجب مستنكر فأردف اكرم بتوضيح اكثر: جنه بتحبك قوى، و حبها اكبر سبب في خوفها.
اعتدل يشيح بذراعيه بغيظ فهو مدرك لما يقوله اكرم و لكنه لا يدرك سببه، مصدره و ان فعل سيقتلعه قلعا من جذوره: ليه؟ خايفه ليه؟ جنه مؤمنه بالله، بتصلي و بتقرأ قرآن و قلبها مطمن بيهم، مؤمنه بالقضاء و القدر، تخااااف من ايه؟
و بصيغه اخرى حاول اكرم مجددا التوضيح: جنه عامله زى اللى عندها عقده من الرجاله و الجواز، نفسها تحب و تتحب و تتجوز و تبنى عيله و الاهم تنجح، بس لما بتبص حواليها بتلاقي مامتها، اختها، خالتها، بنت خالها، صاحبتها و جارتها فاشلين في جوازهم و رجالتهم مطلعه عنيهم، هتبدأ تخاف، و بعدين تلاقى واحده صاحبتها تقولها دا الجواز جميل و في رجاله بتحب و تعاشر بما يرضي الله، تقوم تقاوم خوفها و تبدأ تصدق الامان ده، لحد ما تيجي صاحبتها دى نفسها تقولها انا كنت غلطانه كل الرجاله وحشين و الجواز معقد و متعب، فيتأكد خوفها، فكل اما يتقدم لها واحد حتى لو كويس، حتى لو هيحبها و يراعيها، بترفضه، لانها خايفه من الفكره رغم ان نفسها فيها، فاهم انا عاوز اقولك ايه؟
نظر اليه عاصم لحظات و بغضبه لم يستوعب مغزى ما ضربه اكرم من مثال و تسائل بهجوميه: و انا بقى السبب في العقده دى!
نفي اكرم بسرعه مبتسما لسرعه غضبه، و اضاف بهدوء يُحسد عليه فأخر كان سيدفع برأس عاصم للحائط عله يستوعب اسرع ما هو بحاجه لمعرفته: لا طبعا، يا عاصم جنه كانت طفله لما بابا توفى و كانت متعلقه بيه جدا كانت شايفه انه امانها و هو الاب و الام، كانت شايفه فيه السند، لما توفي جنه اتكسرت، قلبها بقى فيه ندبه مهما مر من الزمن مش هتتمحى، و جنه دلوقت شايفاك كده، شايفه فيك والدي، علشان كده خايفه..
مسح عاصم جانب فمه بيده ثم وضع يده على خصلاته وعيناه تحتد بغضب، أيلومه اكرم الان لانه سند لها، لانه حمايتها و يمنعها اى سوء يصيبها، أخطأه انه لا يرغب في ان يأذيها و لو الهواء من حولها، أخطأه انه يقف امام ما يصيبها ليصيبه قبلها و لكن هى لا، أخطأه انه يحبها و يعدها اغلى من ان يمسها ما يخدشها حتى! أين خطأه؟ نظر اكرم اليه قليلا ثم تحدث بصراحه يدرك ما سيصيبه بغضب بعدها: انت امانها فعلا، بس دا غلط..
و ها ذا انفعل يطالعه بحده و غلظه على وشك الصراخ به، فابتسم اكرم مضيفا بحذر: انت لازم تبقي لها سند، مش تبقي انت قوتها، لازم جنه تقوي بنفسها مش بيك، لازم تقف قدام اي حاجه تواجها لوحدها و متخفش، و هنا دورك انها لما تقع تكون انت وراها تسندها، لكن انك تقف انت قدام كل حاجه تقابلها و تستخبي هي وراك مش صح، لانها هتقتنع اكتر انك لو بعدت لأى سبب هتخسر كل حاجه حتى امانها في حياتها..
ابتسم عاصم بتهكم و تحدث بسخريه لاذعه و هو يرى في لجوئها اليه تمسك بها، يرى في خوفها ضمانا لقربها: يعني انت بتقول انى اقويها علشان تقدر تبعد عني؟
تعجب اكرم تفكيره عاقدا حاجبيه، ابن الحصرى يرغب بكل ما يريد دون النظر لما يحتاجه الاخر بل و يلومه ايضا و رغم ذلك تحدث بهدوء و عقلانيه: مين قال كده؟ ثم افترض انها قويت من غيرك و قررت تبعد عنك انت هتمنعها؟ يعني انت بتحاول تحسسها انك قوتها و انها من غيرك ضعيفه علشان تفضل جنبك و ملكك؟ انت هتحبها لما هي تحبك بس و لو مقدرتش تفوز بحبها هتقيدها جنبك لانك تبقي ملكتها و بس؟
نهض عاصم بغضب من كلام اكرم و ان كان يشعر قليلا بصحته فهو مهما حدث لن يتركها و ان ارادت ذلك و هتف بشبه صراخ: جنه مراتي، كل حاجه فيها ملكى، قلبها، عقلها، جسمها و كل حاجه فيها ليا، و لو هي نفسها فكرت تنهي وجودها في حياتي، انا بقي مش هسمح لها و تحت اي ظرف و في اى حاله و مهما حصل فيها او فيا، جنه هتفضل حرم النقيب عاصم الحصري، بتحبنى مبتحبنيش هتفضل معايا، طول ما انا عارف ان بايدي ارسم الضحكه على وشها هتفضل معايا، طول ما قلبي بينبض هتفضل معايا، و مفيش سبب و لا مخلوق على وجه الارض هيجبرني على حاجه انا مش عاوزها، و اذا كنت انت فاكر اني مقدرش اتحمل ضعفها و خوفها تبقي غلطان، انا مهما حصل و مهما ضاقت و تاهت مني الحلول، انا مبعرفش استسلام.
صمت ثواني يؤكد على كلماته بنظراته التى شملت اكرم باصرار غاضب، ثم اردف و هو يحمل حقيبه سفره مغادرا: مراتي امانه عندك.. و رحل بخطوات سريعه و بنظره خاطفه للاعلى وجد تلك المتذبذبه تراقبه من خلف زجاج النافذه تودعه بعينها و خوف قلبها، نقل اكرم بصره بين جنه و عاصم ثم ابتسم متمتما بدراميه مقلدا احد تلك العبارات التى سمعها من قبل و نظراته تشمل جنه: سحقا للحب الذي يكن للغارق سفينه...
ثم عاد بنظره لظهر عاصم المنصرف و اكمل بتهكم: و يكن للقبطان اعصارا..
رواية حلم السندريلا للكاتبة عليا حمدي الفصل السابع والعشرون
هتفضلى لحد امتى تراقبيه من ورا الشباك؟ تمتم بها اكرم و هو يدلف للمنزل محاولا تجميع ما تبقي لديه من صبر ليتحدث مع تلك المجنونه التي جعلته هو شخصيا ييأس من هروبها المزعوم و الذي يري في قراره نفسه انه لا داعي له..
استدارت جنه لتنظر له قليلا قبل ان تغلق النافذه امامها و تتقدم اليه ليمد يده لها فتركت يدها بأمان كفه فجذبها لتجلس جواره و ربت بيديه الاثنتين على يديها و همس بحنان: فهميني بهدوء كده انتِ عاوزه ايه؟
دارت بعينها في المكان مبتعده عن نظراته الثاقبه و صمتت، صمت قليلا هو الاخر محاولا التمسك بأبراج عقله التى افقده عاصم اغلبها و تسائل مره اخرى بسؤال اخر و لكن الاجابه تكاد تكون واحده: طيب بلاش السؤال ده، قوليلى انتِ منتظره منه ايه؟! زفرت بقوه تحمل من الرضا بالاجابه بقدر ما تحمل من سخط عليها و تمتمت بكلمه واحده: يبعد.
رفع احدي حاجبيه و ابتسم بسخريه متمتما باستنكار و هو يعرف ان كل ما بها ينافى اجابتها: و كده هترتاحى؟ ابتسمت بشحوب و نظرت للارض دون كلمه ثم بأكثر الاصوات وجعا فهى لا تبحث عن راحتها بقدر ما تخاف عليه، اجابته: هو هيرتاح.. وضع يده على فمه مبتعدا بوجهه عنها و همس بصوت عالى و قد فقد هدوءه: غبيه...
ثم اعتدل مره اخري و ضغط يدها بخفه و هو يرى دموعها تهدد بالخروج معبره عن صدق ما ترغبه حقا و تحدث بحزم: اسمعينى كويس يا جنه علشان انا مش هتناقش معاكِ في الموضوع ده تاني،.
نظرت اليه تستمتع بتركز عله يحل معادلتها معه، لتجده ينظر لها بقوه اخبرتها انه لن يمنحها حل بل سيحلل مشكلتها و قد كان مردفا: عاصم له طاقه، هيتحمل كتير جدا انا عارف بس هيجي وقت و يقول لحد هنا و خلاص و انتِ بتضغطى عليه و الوقت بيضيق، اقفي جنب جوزك يا جنه، خليكِ سنده، قوته، دواه في وجعه و زنقته، بحنانك، بقلبك او بحبك له، الراجل مننا مش بيبقى محتاج زوجته بس في وجعه، بيبقى محتاجها زوجه، ام و صديق، خصوصا لو انتِ ليه كل حاجه لدرجه ان ضحكتك بس بتهون عليه كتير، جوزك محتاجك جنبه و حتى لو رفض يظهر ده، قلبه موجوع يا جنه و محتاج ليكِ..
زفرت بقوه تنفى ضعفه، وجعه فان ضعف هو ماذا تفعل هى، ان احتاج لاحدهم في وجعه كيف تكون هى، هو قوتها و لا يستطيع الانكسار، لا يحق له: عاصم قوى و مش محتاج حد جنبه، بيا او من غيرى هيقدر يقف تانى، و بشبح انكسار عادت جملتها بضعف مشتت: هو مش محتاج حد يقويه بالعكس هو قوه للكل..
ضغط باطن شفتيه محاولا المحافظه قدر الامكان على هدوءه فهذا ما حاول ايصاله للمعتوه الاخر و لكن كلا منهما اقسم ان يصير اكثر عتهاً مما عليه و استكمل توضيحه علها ترحم عقله و تستوعب ما يقوله: دكتور القلب مش معصوم من مرض القلب و لما بيمرض مبيقدرش يعالج نفسه لا بيلجأ لدكتور قلب تاني، عاصم مهما كانت قوته مش معصوم من الضعف و في ضعفه محتاجك..
نظرت اليه ليرمقها بنظرات متفحصه: لما يبقى في طرفين بيشدوا حبل مينفعش الاتنين يشدوه بقوه لانه كده هيتقطع و انتِ بتشدى بكل قوتك و عاصم راخيه بس خدي بالك انه خلاص على وشك يرميه خالص.
ارتجفت عينها و عقدت حاجبيها ناظره اليه بعدم تصديق فهى تخاف قربه و لكنها ترتعب لمجرد فكره بعده عنها، مختله تعرف و لكن ماذا تفعل، كيف تصلح ذلك التصدع بداخلها؟ و عبرت عن ذلك بتلك الدموع التى فرت هاربه اخيرا و همست بشتات: انا خايفه عليه يا اكرم..
بدأ صبره ينفذ بل نفذ بالفعل و هو يهتف بها: و مش خايفه عليا ليه، مش خايفه على عمتك ليلى، او على داده زهره ليه؟، ليه مش خايفه الا على عاصم و لا خوفك بيجي عنده و يعلن نفسه؟
تركت يده و نهضت واقفه بأى حق يلومها و هو شخصيا لم يكن لها سندا، كان ابعد ما يكون عنها وقت خوفها، كسرها و ذلها و الان هو ابعد من يكون عن لومها، صاحت بما جمد عقلانيته و هدوءه و جعله يسمعها صامتا لا يملك ما يجيبها به بعد: لان هو الوحيد اللي بيساعدني، هو الوحيد اللي دايما جنبي، الوحيد اللي شايفه فيه كل اهلي، انت مكنتش جنبى يا اكرم، عاصم مش بس شخص موجود معايا، عاصم روح مهما حاولت اهرب منها هتفضل جوايا، نبض مهما حاولت قلبي مش هيعيش من غيره، عاصم بيحمينى و انت اول واحد سلمتنى ليه اصلا، و علشان كده انا مش هسمح لنفسي اخاطر و لو لحظه باني اخسره...
و هدأ انفعالها لحظه قبل ان تدرك انها ببعدها تخسره و لكن لا اضافت: يمكن لما يبعد عنى اخسر وجوده جنبى بس عمرى ما هخسر حمايته، و هيفضل طول العمر سند ليا انا متأكده، لكن انا اى حد بيحبنى بخسره يا اكرم، اى حد بفضل في حياته بيسيبنى، و انا مش حمل اخسر عاصم، مش هقدر. تركته و ركضت للداخل الغرفه و اغلقت الباب خلفها تاركه اياه في حاله صدمه من كلامها،.
هو لم يتخلى عنها بارادته، و عندما سلم اياها لعاصم كان موقن امانها، اراد ان يتركها برعايته و كنفه ليزداد تعلقهم ببعضهم البعض، اراد ان يترك لعاصم الطريق لقلبها ليزرع به كل اشجار الامان، الحنان و الحب.. و لكن ما فعله جعله هو مقتلع من ارضها، مجرد عشب صغير ان ظهر او لا، لا فارق!
اخطأ هو ربما، كلاهما ابعد ما يكون عن الاخر فالعاصم يرفض التنازل عن كبرياؤه و الجنه ترفض التخلي عن خوفها و كلاهما يعاند نفسه قبل الاخر.. ولكن لا يبقى الحال على ما هو عليه دائما و يبدو ان هناك ما سيقتلع كبرياؤه قسرا و يقتل خوفها اجبارا..
رائحه الاراضي الرطبه، غضب الرجال على حيواناتهم، الاطفال الصغار بالجلباب الصعيدي و هم يركضون هنا و هناك، و هواء البلد الذي خطف قلوبهم ما ان وصلت السياره امام السرايا الكبيره، تلك السرايا التي لم تفتح منذ اكثر من ثلاثين عاما لكنها فُتحت اليوم، تلك السرايا التي عاش بها الاصدقاء الاربعه سويا حتى حدث ما حدث بينهم لتُغلق حتى الان و فُتحت فقط لترى جمعهم مجددا..
ترجل الجميع من السيارات و شعورهم بالسعاده يكاد يفوق بحر الاحزان التي اغرقهم دون ارادتهم.. نظرت حياه للمدخل و لوالدها الرابض امام باب السرايا و انقبض قلبها بقوه فعادت خطوه للخلف لتصطدم بجسد مازن الذي احطاها بيده مطمئنا اياها لتلتقى عينها بقوه عينه كأنه يقول لها أما آن لحياه ان تعود لحياتها؟
و بتردد ابعدت عينها عنه فاقترب منها هامسا بهدوء و ثقه بأنها لم تعد كما كانت: انا حاولت بكل الطرق اساعدك، اقوى قلبك و ارجع الامان لحياتك، اساعد قلبك يتحكم بخوفه، حاولت احارب خوفك بيكِ و يمكن دا اكثر الاسباب اللى جيت هنا علشانها، تقدم ليسير بجوارها محتضنا كفها و انطلق بها لمواجهه ما يقيدها من ماضى و انهى حديثه بمنحها الكره لتكن في ملعبها فلها حريه الركل: اتمني متخذلنيش!
التفتت تحدق به قليلا و هي تسير معه جنب الا جنب، طوال عمرها منذ ان وعت على نفسها و هى تتمنى ان يكون لها اخ كبير يحتويها، يحتضنها و يطمئنها، و رغم تأخر امنيتها فها هى تراها متجسده امامها، تتذكر كل حضن دافئ احتواها، كل ضعف قتله بقوتها المستمده من قوته، يده التي سطرت كلمات عده على ظهرها، كلمات لا معنى لها سوى الحنان، الامان، الدفء و الحب، تتذكر نظراته التي دائما ما تغلفها بهالات طمأنينه تكفيها ما تبقي من عمرها، و اخيرا نبض قلبه التى اعطاها وعود شتي بفرحتها، حمايتها و قتل كل ضعف بها.
و هنا ابتسمت و هى تقف امام والدها و بكل قوه كانت بها و دُفنت، كل قوه اخرجها منها عنوه بصفعاته و كل قوه اعادها مازن اليها، القت تحيه مقضبه ثم دلفت للداخل متجاهله نظرات والدها القاسيه و بالوقت ذاته متعجبه. انقضت الساعات الباقيه من اليوم في اجتماع الجميع، ضحكات هادئه سرعان ما تتبدل بحزن فما عاشوه بفقدان الحفيد الاكبر، الابن، الاخ و الزوج، ليس هين على احد منهم،.
في صباح اليوم التالى، قررت نجلاء العوده للقاهره فلا طاقه لها على تحمل هذا الاجتماع و التى سعت لتفريقه من قبل و لكن حتما ستفعل مجددا، انطلقت حنين منذ الصباح تجول الاراضى ذهابا و ايابا و كأنه لا حما لها على الجلوس، ليتها ظلت في عتمتها، ليتها لم تتقبل هكذا واقع، بدون قلبها، دون روحها و دونه،.
أى ذنب اقترفته لتعاقب بفقده، فلو خُيرت بينه و بين انفاسها لتوقفت طواعيه عن التنفس، جلست أرضا تنظر للعشب امامها بشرود تتذكر اللحظات التى باتت لها لا سنين عمر بل مجرد ثوانى مضت في طرفه عين، ترقرت عينها لتصرخ روحها بصمت تنظر لمحبسه بيدها، تتذكر ضمته، كلماته، صوته، يديه، مزاحه و حبه، تتذكره و يا ليتها تصاب بفقدان ذاكره و لكنها حتى ان فعلت قلبها لن يفعل.
توقف خلفها مازن و حياه بعد ان تابع كلاهما شروق الشمس، نظرت اليها حياه بأسى و شفقه ظهرت واضحه في كلماتها و هى تدعو لها: صعب قوى حد يتحمل الوجع اللي هي عيشاه، ربنا يجبر بخاطرها..
نظر مازن اليها و ابتسم بحنين و اشتياق و هو يتذكر كلمات شقيقه، نظراته و عشقه الذى وضح وضوح الشمس في كل خلجاته تحدث او صمت، و همس بكسره خاطر: علاقتهم مكنتش بسيطه و لا كانت مجرد مشاعر بينهم، انا عيشت مشاعر فارس بكل كلمه كان بيقولها يا حياه، فارس مكنش يقدر يستغني عنها، لو كان جدى نجح في تفرقتهم فارس كان هيموت برده، لانها كانت بالنسبه له الهواء اللى بيتنفسه.
اخذ نفس عميق مغلقا عينه و انتهى الحديث، فوضعت حياه يدها على كتفه فابعد نظره عن حنين التي كان يري بها صوره اخيه و ذكرياته معه، و ابتسم بشحوب مبتعدا معها عن المكان الجالسه به حنين،.
اخرجت صوره فارس تضمها لصدرها لتخرج منها اه مكتومه اسقطت دموعها تباعا دون توقف، ابعدتها تنظر اليها تحرك أناملها على ملامحه و اغمضت عينها تشعر به كأنه امامها و تحدثت بكل وجع قلبها تلومه، تعاتبه و تشكيه تخليه عنها: ازاى هنت عليك تسيبني! انت وعدتني يا فارس، وعدتنى تفضل جنبى، و عدتنى تفضى سندى و في ظهرى، هنت عليك ازاى تسيبنى،.
و خانها صمتها و خرج صوتها يبكى بحرقه ما عادت تفارقها و همست تستنكر الحياه بدونه: بيطلبوا مني اعيش، طب ازاى؟، اعيش ازاى و انت مش جنبى؟!، اعيش ازاى و انت مش عايش؟!
فتحت عينها تشهق بعنف تحاول التنفس و ان كان رغما عنها، و نظرت لصورته واضعه اصبعها موضع قلبه و يدها الاخرى على قلبها و بئس ما فعلت فبعد ان كانت تشعر بنبضاته باتت لا تفعل، و بعد ان كانت تعانقه يمكنها فقط معانقه صورته و بئس احساسها، رددت بحسره: يوم ما غبت عني انا قلبي مات، مش عارفه اعيش يا فارس، مش قادره،.
همست بصوت يختفي وسط دموعها و روحها تفقد اخر ما يصلبها: انا موجوعه قوى يا فارس موجوعه قوى و محتجالك قوى.
انتفض جسدها وضمت صورته لصدرها ضاغطه عليها بقوه المها و لا مجال لتشتكى لاحد غيره، يسمعها الله و شاهد على ما اصاب قلبها بحكمه و ترجوه الرحمه: نفسى اشوفك تاني، نفسي تحضني و تقولي متقلقيش انا معاكِ و جنبك و مش هسيبك، نفسي تطمني زى ما كنت بتعمل دائما، نفسي ارتاح زى زمان يا فارس، نفسي ارتاح يااااااااااااارب.
دقائق مرت لا يسمع سوى صوتها و الرياح، ابعدت الصوره مجددا ناظره لها و دموعها تبللها تشوش رؤيتها و ملامحه، حتى هدأت قليلا تردد بغنه بسيطه: انت نصي التاني، انت حته مني، انت كنزى الغالى، انت ابنى. شهقت بقوه و اخذت تبكي و هي لا تستطع التحكم بصوتها او انتفاضه جسدها ليبكي كل ما حولها معها، حتى صرخت من عمق روحها باسمه تبعتها: يااااااااااااااااااارب.
مضى اليوم و ها هو مازن و حياه يتجهون للمنزل بعد ان تابعا الغروب ايضا، تقدمها في المسير حتى وجد سيده كبيره على بعد عده مترات منهم تحاول رفع حمل ثقيل على كفتها و لكن يبدو انها لا تستطيع، فترك حياه مع اشاره بيده و تحرك باتجاه تلك السيده ليساعدها،.
وقفت حياه عاقده ساعديها امام صدرها تتابعه بنظراتها حتى قطع جسد ما الرؤيه عليها فرفعت بصرها لتجده شادي - زوجها السابق - فانتفض قلبها وتحررت يدها بصدمه وهي تتمتم بارتجاف: ش، شا شا، شادى! ابتسم بمكر و هو يحرك عينه عليها من اعلي لاسفل: اهلا و سهلا بالبسكوته. اغلقت عينها بقوه ممتذكره مقدار عشقها لهذا اللقب سابقا، و لكنها زفرت مبتعده بعينها عنه و حاولت استدعاء قوتها و بلا مبالاه تسائلت: عايز ايه؟
اقترب منها خطوه فعادتها هي للخلف و رفعت بصرها اليه باندهاش و بدأ خوفها يزداد، نظرت على بعد لتجد مازن يقف مع تلك السيده و يتحدث معها و غير منتبه لها، نظر شادي للمكان التي تنظر اليه ليرى مازن فضحك بسخط عائدا ببصره اليها يستهزأ: ايه ده هو جوزك المصون هنا؟
استدار مجددا و عندما وجد مازن على وشك ان يستدير ليعود امسك حياه من ذراعها بقوه ساحبا اياها لداخل تلك المظله التى تقع على جانب الطريق، نظر مازن خلفه و عندما لم يجد حياه عقد حاجبيه استغرابا ثم عاد ليبحث عنها حتى لمحها داخل المظله الخشبيه، فشدد قبضته و هم بالتقدم باتجاههم و لكنه توقف مكانه خلف احد الاعمده هامسا بداخله لقد حان وقت الاختبار الحقيقى.
سحبت حياه يدها بقوه و دفعته عنها صارخه بقسوه نافره: انت اتجننت ازاى تسمح لنفسك تمسكني كده؟ بدا خوفها يتملك منها عندما تقدم باتجاهها خطوه كادت هى تعودها للخلف و لكن صوت مازن و هو يقول اتمني متخذلنيش ، حاولت اساعد قلبك يتحكم بخوفه ، جعلها تظل ثابته بل و رفعت يدها عاقده اياها امام صدرها وهتفت بقوه قد عادت اليها بالفعل و كأن خذلانها لمازن لا يُحتمل و ربما اكثر من خوفها هذا: ابعد عن طريقي يا شادى.
نظر اليها بغضب من نفورها، قوتها و ثقتها و صاح بحده بها ربما لانه يرغب برؤيه نظراتها المسالمه، المحبه و الراغبه، كأنه و رغم ما فعلت مازال يرغبها، يريدها و يستصعب فكره حملها لاسم شخص اخر: انتِ ناسيه انى كنت جوزك، ثم امسك يدها مقربا اياه منه و اردف بنبره هادئه متطلبه ودها: كنت حبيبك و كل حياتك..
نزعت نفسها من بين يديه بعنف و عادت للخلف و بأعلي ما تملك من صوت صاحت بقوه و ثقه: كنت، سامع يا شادى، كنت، انت ماضى و بحمد ربنا انه انتهي، بحمد ربنا انك خرجت من حياتي، بحمد ربنا على حاضرى و مستقبلي، بحمد ربنا على زوج انت جنبه متساويش حتى صفر على الشمال..
رفع يده و هم بصفعها لا لخطأها فيه بقدر ما هو لتعلقها بغيره و كأنها زوجته و تخونه و في هذه اللحظه تحديدا هم مازن بالخروج و لكنه توقف عندما رفعت حياه يدها و امسكت بمعصم شادى مانعه اياه، تصرخ به: لا انسي، انا دلوقتى حياه مراه مازن الشرقاوى، مش حياه القديمه اللي كلكم حاولتوا تدفنوها بعقليه متخلفه،.
دفعت يده بغضب و همت بالرحيل و لكنها توقفت لحظه و قد قررت ان تُكمل ما تركته ناقصا فاستدارت له و عبثت باصابعها بهدوء قائله بثبات: عارف من يوم اللي حصل منك و بسببك و انا نفسي بجد اعمل حاجه.. نظر اليه بتساؤل و لكن سرعان ما تحول لغضب هادر عندما رفعت يدها بكل ما تملك من قوه لتسقط على وجهه بصفعه مدويه،.
صفعه اودعت بها كل وجعها من والدها و منه، اودعت بها كل دمعه ذرفتها عينها بسببه، اودعت بها كل صفعه تلقتها من والدها، صفعه اودعت و ودعت بها كل ضعف بداخلها. رفع شادى وجهه و شدد قبضتيه و هم بالتحرك اليها و لكن وقوف مازن خلفها منعه من التقدم خطوه، مدركا انها اصبحت قويه بشخصها بل و لها من يسندها بنفسه، قوته و كامل رجولته،.
نظر لحياه التي تقف امامه بشموخ ثم نظر لمازن الذي يقف كالوتد خلفها و ظل يقلب بصره بينهم عده مرات ثم تركهم و خرج مسرعا و هنا تهاوت قدم حياه ليستقبلها مازن بين ذراعيه و اسندها حتى جلست، نظرت اليه لحظه ثم انهمرت دموعها ليحتضنها بقوه و همس متيقنا انها لابد بالفعل ان تبكى و لكن على وقت ضاع منها في ضعف و خنوع: دلوقتى بس حياه رجعت تعيش، دلوقتي بس حياه اخدت حقها، دلوقتي بس اقدر اقولك اني فخور بيكِ و بقوتك...
رفعت وجهها اليه و تمتمت بامتنان صادق: شكرا على كل حاجه يا مازن.. ابتسم و رفع يده مزيلا دموعها و هتف بمرح و هو ينهضها محاوطا كتفيها بذراعه ضاحكا: بس عليكِ كف، انما ايه جبروت.. ابتسمت بخجل و هتفت هي الاخرى بغيظ تخلصت منه: كان نفسي اديهوله من زمان قوى. تشعر اخيرا بثقل كبير اُزيح عن عاتقها، بقوه جديده تعيد حيويه قلبها و حياه جديده ستُعيد لها حياتها.
لو كان لى قلبان لعشت بواحد و افردت قلبا في هواك يُعذب لكن لى قلبا تملكه الهوى لا العيش يحلو له و لا الموت يقرب كعصفوره في يد طفل يهينها تُعانى عذاب الموت و الطفل يلعب فلا الطفل ذو عقل يرق لحالها و لا الطير مطلوق الجناحين فيذهب قيس ابن الملوح.
يجلس اكرم بمكتبه و معه جنه يتبادلون اطراف الحديث حتى طُرق الباب فأذن للطارق بالدخول و التي لم يكن سوي صاحبه بحر الفيروز، التى رفضت السفر مع العائله و قررت البقاء ببيت شقيقها لحين عودتهم. تقدمت مها منهم محتضنه جنه ثم نظرت لاكرم تعطيه ملف مشيره بتوضيح و عمليه دى التصاميم الاخيره للمشروع ممكن حضرتك تراجعها و تبلغني لو فيها مشكله.
و انهت حديثها و لكنه لم ينهى تحديقه بها، حادت بعينها عنه لجنه تتحدث معها بحماس ظهر جليا في اشاراتها و هى تعبر عن سعادتها برؤيتها هنا، اغلق اكرم الملف و رفع عينه ليعلق عليه و لكن الكلمات فارقت شفتيه عندما وجد مها تحرك يدها بحماس و هي تُحدث جنه مع ابتسامه اكثر من رائعه تغزو ملامحها و رغم انه لا يسمع صوتها و لكن حركه شفتيها كادت تفقده عقله، سبحان من صور امرأه بتلك الهيئه،.
سبحان من جعلها بكل النساء بعينه، و رغم ذلك هى ابعد النساء عنه، هي إمرأه كالبحر في جمالها العنفوانى الذي يعبث بدقاته باحترافيه، سيده كالجبل في شموخها رغم الضعف و في صلابتها رغم الرياح العاتيه التي تصادفها، انثي كالؤلؤ في لمعانها و سحرها الاخاذ الذي يخطف لا نظراته فقط بل قلبه، عقله و كل ما يجعله على صله بالوعى، هي كنز كبير و جميل ربما يهفو اليه الجميع و لكن لن يفوز به سوى ساكن قلبها،.
و ليته سيفوز بكنز واحد بل انه سيفوز بكنوز. عاد لواقعه بنداء جنه و هى تقول مغادره الغرفه: اكرم، انا هتمشى شويه في الشركه و اسيبكوا تشتغلوا بقى. اومأ موافقا فانطلقت جنه للخارج تاركه اياه مع اضطرابه و مها، و لكن سرعان ما عاوده هدوءه و رفع عينه لمهلكه قلبه ليجدها منتبه اليه فحمحم قائلا بثبات و قد ارتدى قناعه الثلجى: التصاميم ممتازه بس...
و بدأ يشير بيديه معبرا عن انتقاده فانخفضت قليلا تتابع حركه يده على التصاميم و هو يتحدث و لكن خانتها نظراتها لتتعلق بوجهه، متأمله حركه عينه على انحاء التصميم، حاجبيه التى ما يلبثا ان ينعقدا حتى يبسطهما سريعا، ملامحه الرجوليه التي للحظه شعرت بها تعصف بكيانها كله، و بلحظه واحده رفع عينه لتتلاقي بعينها فيسقط هو في بحر الفيروز خاصتها و تتعركل هي في دفء عينه..
حرك عينه يمينا و يسارا بعمق عينها كما فعلت هى ليخفض هو عينه بل رأسه كلها مسرعا بلهفه تعجبتها، ليدلك بعدها جبينه بتوتر و فاجئها بغلق التصاميم يهتف بحده نسبيه و هو يتحاشي النظر اليها مجددا: اخرجي دلوقت يا بشمهندسه.. اعتدلت تنظر اليه بدهشه قليلا ف عاود هتافه بأخر اقوى و لكنه كان اكثر ضعفا داخله: اتفضلي.
ابتلعت ريقها ثم تركته و بمجرد ان اغلقت الباب خلفها ارتكز هو بمرفقيه على المكتب امامه واضعا يده خلف عنقه دافنا وجهه بين معصميه يستغفر عده مرات على ذنب يشعر بيه كخيانه لدينه، رجولته و لخطيبها... زفر بقوه ضاربا جبهته بالمكتب عده مرات ثم سكن اخيرا و مازلت جبهته على المكتب قدمه تنزلق لدرب لا نهايه له، روحه تتعلق بوهم سيكسره بلا رحمه، قلبه ينبض لحب لم و لن يكون له، ولكن ما الحل!
ما الحل في نفسه التي تعلقت بها و رفعت رايه استسلامها لبحر الفيروز خاصتها؟ ما الحل فيها هي و التي تصر اشد الاصرار على العبث به و بقلبه و الاسوء انه بلا درايه منها؟ ما الحل في حب قرر ان يتوه بين قلبين كلا منهما ابعد ما يكون عن الاخر؟ ما الحل في وجع كلما حاول اخماده لا يستطيع بل يزيده توهجا و اشتعالا حتى كادت روحه تتدمر؟
ليس الذنب بذنبه او ذنبها و لكنه ذنب ذلك العشق الذي اختار قلبه ليسكنه و اختارها هي لتمزقه، رفع وجهه عن المكتب اخيرا و رغم ما تبكى به روحه رفض عقله، كبريائه و رجولته ما يفعله قلبه، ما يميل اليه و ينزلق له، رفض ان يكون مجرما في حق نفسه، محمود و حقها. و هو اكرم الالفى الذي لم و لن يخطئ بحق احد، فهذا ليس ما عاهد والدته عليه و هو لم يعتاد ان ينكث عهد عاهده ابدا..
دلف معتز للمطبخ ليجد هبه تعد له الطعام فاحتضنها كعادته طابعا قبله على كتفها هامسا بود: فله. ابتسمت هي مستسلمه لحضنه الذى دائما ما تشعر فيه بدفء جميل و استدارت بوجهها لتطبع قبله على وجنته، فابتسم بالمقابل وبتثاءب همس يداعب كتفها بذقنه النابته قليلا: مفيش شغل النهارده و لا ايه؟ و مها فين؟
استدارت له تبعده عن كتفها متزمره بطفوليه لتستع ابتسامته و هى تجيبه بدلال: وحشتني و حبيت اقضي اليوم كله معاك و مها يا سيدى نزلت الشركه من بدرى.
قبله سريعه لشفتيها، اتبعها بوجنتيها ثم استقر بقبله طويله على جبينها جعلتها تغمض عينها تاركه احساسها بقبلته ينعش قلبها، يزيل رواسب تراكمت و مسافات شُيدت بين قلبيهما او ربما احساسيهما، حتى ابتعد اخيرا يحاوط وجنتيها هامسا هو الاخر و احساس بالذنب يغلفه: انا كمان كنت حاسس رغم انك جنبى انك بعيد، الشغل واخدك منى.
و قبل ان تعترض، تتحدث او حتى تمازح جذبها لصدره لتستقر رأسها على كتفه و كم كان حضنه رغم قوته ضعيفا يهمس و هو يدفن وجهه بقوه في عنقها يعتذر و يعتذر و لا ينفعه الف اعتذار الان: انا اسف.. حاوطت خصره بيدها بتملك و هى تعتقد انه عاد لاخر خلافاتهم و صرحت بصدق جاهله ما يقصده و لو علمت لفُرط عقد حبها: انسى يا معتز مش اول و لا اخر مره هنختلف ثم ان كل حاجه تهون طالما انت جنبى.
شدد من ضمه اليها و خوفه يتملكه اكثر فهو يدرى ما تخفيه من قوه ستدعسه ان ارادت و عتاب لم يخطئه قلبها يذكرها بما قالت له سابقا و انه ابدا لن ينساه ربما لانها ضغطت بغير قصد على جرح ففتحته بقوه مجددا حتى بات صعب التئامه: حتى كرامتك؟
اغمضت عينها تاركه حضنه يعبر عن مدى حزنه مدركه انه رغم بساطه الكلمه الا ان تاثيرها لن يختفي، اخذ نفس عميق و ابتعد عنها حاوط وجهها بكفيه يشرح نفسه لها و لو قليلا علها تستطيع اصلاحه: انا حاسس انى ضعيف بحبك يا هبه... فتحت عينها لترى الالم المتجسد بعينه حتى عاود ضمها مجددا و تمتم مره اخري مضيفا: و انا مبحبش احس انى ضعيف، و متعودتش...
دفن وجهه بقوه في عنقها ممرغا انفه بتجويف ترقوتها و اضاف بما اصاب قلبها ببعض الريبه: خايف أذيكِ بحبى يا هبه. ابتلعت ريقها و هى تشعر به للمره الاولى غامضا غير مفهوم بالنسبه لها، تشعر انها تتعرف عليه الان، تشعر ان ما مر على زواجهم رغم طوله لم يكن سوى ايام معدوده لم تستطع هي فهمه بها،.
ابتعد عنها و قرب وجهها اليه مقبلا جبهتها بقوه شديده حتى شعرت بارتجافه شفتيه فاغلقت عينها محاوله نزع هاله الخوف التي سيطرت على قلبها و لكنه اخافها اكثر عندما تملك خصرها بيد و وضع الاخرى خلف عنقها متملكا شفتيها بعنف تعجبته و سرعان ما تحول تعجبها لالم تجسد على وجهها، تدفعه عنها باستماته حتى تركها بعد ثوانى تلتقط انفاسها و نظر لعينها قليلا التى تحدق بعينيه بدهشه و عقده حاجب ثم تركها خارجا تاركا اياها تتحسس شفتيها بتوجع و هي تشعر انه يعاقبها و لكن على ماذا حقا حقا لا تدرى...!
و انقباضه قلبها تخبرها ان القادم اما سيكون جميل جدا و اما سئ جدا، و هنا فليلعب القدر.
أجمل حب هو ان تحظى بعاشقه ثائره، متمرده، ثرثاره، متهوره، و عقلها ممسوس بالجنون و تخلق المشاكل. نزار قبانى كانت سلمي تتمم اعدادات الحفل الذي وافقت اخيرا على تنظيمه ليخرج بهذه الصوره المبهره، اقتربت انجي منها و همست باحتقار: تحبي تاخدى اتعابك كاش و لا اقساط؟
نظرت اليها سلمي من اعلي لاسفل عده مرات ثم عقدت ساعديها امام صدرها و همست هي الاخرى بمكر لا يُخفى خلفه شئ و لكن يكفى لترى توتر تلك البلهاء امامها: بلاش نتكلم في الفلوس دلوقت اصل في مفاجأت كتير مستنياكِ في الحفله، و نجحت بالفعل في اثاره ارتباكها، فنظرت انجي للمكان حولها بتوجس تفكر هل من الممكن ان يكون ما فعتله سلمى من تنظيم مبهر، يخفي خلفه ما قد يؤذيها!
ابتسمت سلمي و هي ترمقها بنظرات متفحصه و قد حصلت على ما تريد ثم تركتها و خرجت من المكان و بمجرد ان صعدت لشقتها عقدت حاجبيها بغضب و اخذت تتحرك هنا و هناك بعصبيه مفرطه فكلما رأت تلك الفتاه تتذكر علاقتها السابقه بأمجد و تشتعل اوداجها غضبا و غيره، دلف امجد ليجدها على حالتها تلك فابتسم فهذه عادتها منذ ان بدات في تنظيم الحفل: متمردتي الجميله..
استدارت له و همت بالتحدث و لكنه استقبل كلماتها بين شفتيه ماحيا غضبها باكمله حتى دفعته عنها و هتفت بغيظ: يا امجد سيبني مره اتكلم مش كل مره كده.. ابتعد و جلس على الاريكه خلفها واضعا قدم فوق الاخرى متحدثا ببراءه: اتكلمي يا حبيبتي هو انا منعتك،.
نظرت اليه بغضب مصطنع و حاولت البحث عن كلماتها الغاضبه و لكنها لم تتذكر سوي اكتساحه لها و رغم انه يفعل ذلك دائما الا انها في كل مره تتخبط عاجزه عن استكمال غضبها او حتى صراخها، نظر اليه بابتسامه مشاغبه ثم وضع يده على خصرها ساحبا اياها امامه ثم حركها يمينا و يسارا عده مرات و هو يتفحصها بعينه ثم تركها دافعا اياها للخلف قليلا و تمتم بخيبه امل: انا حاسس ان وزنك زايد يا سلمى،.
نظرت لجسدها بسرعه و هو يتابعها باستمتاع و هتفت بجزع تتحسس جسدها بتوجس: بتهزر، بجد يا امجد؟! ثم نظرت اليه فاخفي ابتسامته مسرعا و اومأ برأسه عده مرات و هي ينظر لها بعين جرو برئ يضم شفتيه بقله حيله، فاتجهت مسرعه للمرآه و اخذت تنظر لنفسها بتفحص ف دلف خلفها و اوقفها محاوطا اياها ليرى انعكاس صورتيهما بالمرآه امامه يهمس بأذنها: متمردتي زى القمر سواء كعبوره قد كده - قالها و هو يملأ باطن خده بالهواء -.
ثم اردف: او شبه عود القصب كده - قالها ساحبا الهواء من فمه حتى كادت وجنتيه تلتصق بفكه - استدارت له ثم بحماس شديد اتجهت لخزانه ملابسها و اخرجت عده وشاحات و اخذت تجمعها سويا حتى اصبحت كره كبيره ثم وضعتها اسفل ملابسها و ابتسمت بسعاده متجهه للمرآه امامه مجددا و هو يتابعها بضحكاته... نظرت لنفسها و صاحت و هي تقفز بسعاده تتمنى: انا عاوزه ابقى كعبوره كده يا امجد..
صدعت ضحكته بشغف هاتفا و هو يلقي بجسده على الفراش يتابعها باستمتاع: و هو فيه احسن من كده كعبوره.. ضحكت بسعاده هي الاخرى و مالت بجسدها للخلف واضعه يدها اسفل ظهرها متحركه مثلما تتحرك الحامل بشهرها التاسع وهو يكاد يهلك ضاحكا.. حتى توقفت و جسلت بجواره تاخذ انفاسها فحاوطها بيده فتمتمت و قد اصابها قلق من تأخر حملها حتى الان: هيبقى اسعد يوم في حياتي يوم ما يبقى جوايا حته منك..
فامسك يدها مقبلا اياها متلقيا اضطرابها بصوتها و نظرات عينها فهو يدرى مدى عشقها للاطفال: منى و منك، نصها انا و النص التانى انتِ. ابتسمت بسعاده حتى نهض هو واقفا يخرجها من قلقها يدفعها لغضبها مره اخرى: يالا بقي علشان منتأخرش على الحفله.. برمت شفتيها و تحدثت بتأفأف تتمنع: هوانا لازم اروح؟! جذب يدها و انهضها و اومأ برأسه و لكنها تشبثت مكانها فتركها و قال مغيظا: خلاص انتِ حره هنزل انا لوحدي..
نظرت اليه بحده مغتاظه ثم دفعته بكتفه و تحركت باتجاه المرحاض لتستعد للحفله التي لا رغبه لها بحضورها اطلاقا، اجتمع الجميع بالحفل التي نظمته سلمي و في الواقع انجي كانت فائقه الجمال، تمسكت سلمي بذراع امجد و كانت تتحرك معه بين الحضور هنا و هناك و ابتسامه رائعه تزين وجه كلا منهما.. و في منتصف الاحتفال اقتربت انجي مع صديقاتها من سلمي التي كانت واقفه بملل تنظر من الشرفه للخارج: مساء الخير يا سلمي..
استدارت سلمي لها و اومات برأسها: مساء النور يا انجي.. نظرت احدى الفتيات لسملي من اعلي لاسفل و هتفت بشبه استهزاء: هي دى بقى مرأه امجد؟ اومأت انجي برأسها بضحكه اكثر استهزاءا: اه شوفتِ بقى بدأ غضب سلمي يتصاعد مع تحدث اخرى استكمالا لتلك النبره التى اصعدت غضبها لاقصاه: ازاى اختارك مش عارفه، و قبل ان تجيب سلمى اضافت انجي و هي تمسك بطرف فستان سلمي: حتى لبسك، سورى يعنى يا سلمى مش عاجبنى خالص.
وجدت سلمي امجد يقترب منهم فنظرت اليه و هو يتقدم و هتفت بثقه و عينها تحرقهم بغضبها و لكن سبحان من منحها هدوء لتجيبهم: اذا كنت راضيه ربنا و عاجبه جوزى، عادت ببصرها اليهم و مررت عينها عليهم جميعا من اعلى لاسفل و تحدثت بقوه جعلت كلا منهم تكاد تموت من فرط غيظها و وجهت حديثها لانجى خاصه: انت تبقى مين علشان افكر اعجبك او لا!، ثم ان الرخيص منه كتير و انا بحب ابقى غاليه.
انهت حديثها و عينها تشملهم جميعا لتجد امجد يمسك يدها و يكتم ضحكته جاهدا و بمجرد ان تحرك بها من امامهم انفجر ضاحكا لتتبعه هى رغم ما بها من غضب، فماذا كان سيحدث ان اقتلعت خصلات كلا منهما بيدها أخطأ ان تفعل؟!
أشعر أننى أريد ان اقول لك فقط احبك و من ثم ابكى، ابكى لانها تعبر عن الكثير، و لانها تختصر الكثير، و لان الاطفال حين يعجزون عن التعبير يبكون، و يرددون كلمه واحده غير مفهومه و مبهمه...! جبران خليل جبران تتردد كلمات اكرم بعقله، أهو السبب حقا؟! أجل كلما احس بخطر ابعدها، كلما شعر بحزن ينتظرها خبئها، كلما رأى مكروه يصيبها تلقاه عنها، لم يسمح بأن يصيبها اى اذى او حتى تواجهه، أحقا هو السبب بضعفها؟
أكان ينبغى ان يتركها تواجه، تقرر، تحارب، تفشل و تنجح، تسقط و تنهض، يتركها لترى نفسها لا زوجته فقط. رفع يده يفرك عينيه بضيق تبعه بتحديق بالاشئ و مازال لا يقتنع بهذا، هو لم يخطئ، لم يفعل ما يقتل شجاعتها و ان عاد به الزمن لفعل مثلما فعل و سيظل يفعل. و هى الاخرى جالسه يقتلها الندم، الخوف و التفكير.
تعلم ان عاصم الان يتألم لا بسببها فقط و لكن ضغطت ظروفه عليه بشكل قاسٍ، و لكن ما بالها تفعل له، كيف تنجح بقتل خوفها و الذى احياه موت فارس بعد ان كانت على وشك دفنه، امسكت بالهاتف تنظر لرقمه، ترغب بسماع صوته، الاطمئنان عليه، مواساته و قول الكثير و الكثير و لكنها لا تجد في نفسها لا القوه و لا الطاقه لفعل هذا،.
تساقطت دموعها و تأنيب اكرم لها يؤذى قلبها، هو حقا ليس معصوم من الضعف و كسر خاطره لن يكون سهل ابدا و لكن ماذا تفعل في ضمير يرجوها قربها و في الوقت ذاته يتوسلها بعدها، ماذا تفعل في نفسها التى باتت تعترف انها مريضه لا تستطيع قرار ما تريد و قد سيطر عليها خوفها سيطره كامله،.
ضمت الهاتف لصدرها و دون ان تنتبه انها اتصلت بالفعل توالت شهقاتها حتى تجمدت الدموع بعينها مبتلعه غصه حلقها و هى تستمع لصوته يجيب، نظرت للهاتف بصدمه سرعان ما تحولت لسبب اخر ليزداد بكائها، ليزفر هو بالمقابل زفره مكتومه مرددا باسمها عده مرات و لكن لم يصله سوى شهقات مكتومه و أنين خافت، تلك الحمقاء التى تكوى نفسها بنيران خوفها قبله، تؤذى قلبها و روحها اكثر مما تفعل به،.
تستسلم لجبنها و تهرب منه و اه لو تدرى ان هربها اليه اهون، و اما ان سأله احد الان عما يرغب، فهو يرغب بصفعها صفعه قويه ترد اليها وعيها ثم يضمها كما لم يفعل من قبل، يطمئنها، يهدأها و يحبها، يرغب بتكسير رأسها عل عنادها الذى يسوقها دون ان تدرى ينكسر ثم يقبلها فيمنحها من انفاسه حياه جديده و من روحه كلها، يرغب بقتلها ثم يرغب و يرغب و يرغب بها و لكنها حمقاء فما العمل؟!
حاول جعلها تتحدث، تتوقف عن البكاء، او حتى فقط تصمت و لكنها لم تفعل ايا مما شاء فاشعلت فتيل غضبه نيرانا حتى اغلق الخط بوجهها قاذفا اياه بالحائط بقوه غضبه و لوعته ليسقط متهشما و الان فليعرف قلبه انه التالى اذا استمر بجعله يذوق طعم هذه المعاناه مرارا و تكرارا...
وسط الاشجار و وسع الاراضى من حولها جلست حنين مجددا تحمل صوره فارس تحدثه، تحكى له ما يصير معها، ما تفعله و كيف تقضى ايامها، تشكو، تبكى و تبثه حبها، شوقها و مدى حزنها لفقده،.
قاربت الشمس على الاختفاء فنهضت في طريقها للسرايا و اثناء سيرها اصطدمت بها فتاه ما تحمل ابريقا من الحليب الذى اُريق بأكمله على الارض امامها بعد ان شمل طرف حجابها و جانب عبائتها و هى تسقط و تسقط الفتاه معها، لتنهض حنين مسرعه لتمد يدها للفتاه تساعدها و هى تعتذر بصدق: انا اسفه جدا و الله مأخدتش بالى.
لتنظر الفتاه للحليب المسكوب و ضربت بقوه على صدرها تصيح بخوف حقيقى كما رأت حنين: يا وجعه مربربه، اماى هتجطعنى جطيع، نظرت حنين للحليب و غمغمت بأسف: حقك عليا و الله غصب عني، قوليلي ممكن اعمل ايه اساعدك بيه لو عاوزه فلوس... ضربت الفتاه على راسها عده مرات و هى تقاطعها بفزع هاتفه: تساعديني كيف، و هجيب اللبن منين تاني دلوجت! يا مرارى يا مرارى..
نظرت حنين يمينا و يسارا و هي لا تدرى ما تفعل و بقت دقائق قليله لتجلس بجوار الفتاه تبكى محاوله الاعتذار مجددا: انا اسفه بجد، ممكن تيجى معايا البيت و... قاطعتها الفتاه مجددا و هى تصيح بها: لاااه انتِ اللى هتيجى معاى و هتجولي لاماى اللي حوصل و معتخليهاش تزعجلي.. و بطيب خاطر وافقتها حنين سارت بجوارها متجاوزه شرط جدها بعدم التأخير عن غروب الشمس: و انا موافقه..
نظرت اليها الفتاه بعدما استجابت لها و قد هدأت قليلا لتمرر عينها على ملابس حنين التى ترك الحليب اثاره عليها و تمتمت: و اهو بالمره انضفلك خلجاتك دى... ابتسمت حنين و سارت مع الفتاه حتى وصلت لكوخ خشبي يبعد قليلا عن مكان السرايا فقالت الفتاه بابتسامه هادئه: اجعدي اهنه هناديلك اماى من الارض حدانا.. همت بالخروج و لكنها عادت مجددا و قد تذكرت ما قالته لتمد يدها لحنين هاتفه بشبه امر: هاتي خلجاتك دى انضفهالك،.
ابتسمت حنين و ربتت على كتفها نافيه بصدق: لا يا حبيبتي مفيش داعي. هتفت الفتاه بسرعه و قد اصرت و لا رجوع لكلامها: بااااه مفيش داعي كيف، مهينفعش تمشي متبهدله اكده، همليني خمس دجايج و اجيبهم ليكِ زين الزين. حاولت حنين الاعتراض و لكن مع اصرار الفتاه لم تستطع الرفض و خاصه و قد بدأت الفتاه بحل حجابها و مع محاولات حنين بمنعها لم تستطع، غادرت الفتاه و جلست حنين بانتظارها و هى تلملم خصلاتها و الضيق يشملها،.
في الوقت ذاته كان مازن يسير بمحذاه الاراضي الزراعيه فوجد اطفال صغار يركضون من حوله سرعان ما توقفا امامه و قد تطاول احدهم على الاخر فرد عليه الاخر، اقترب مازن منهم يحاول فض التشابك: بس يا حبيبي انت و هو كده غلط.. فاستدار له احد الاطفال صارخا و كأنه ليس بطفل لم يتجاوز العشر اعوام: باااه و ايش دخلك عاد؟ نظر مازن له و ربت بخفه على وجنته قائلا و كانه يحدث ابن خالته مثلا: مينفعش تتخانقوا كده انتم كبار..
نظر اليه الفتي بغضب ثم غمز بعينه لمن معه فاقترب احدهم من خلف مازن ساحبا الهاتف من جيبه و ركضوا مسرعين من امامه، انتفض مازن غضبا و ركض خلفهم مسرعا و هو يصرخ بهم ليتوقفوا.. و هنا ركض رجلا ما للسرايا و هتف بالخارج مما جذب الجميع بالداخل و الخارج اليه: إلحج يا حاج مدحت، إلحج يا كبير الشراجوه، إلحج العار اللي بيحوصل من ورا ظهرك،.
خرج الجميع من المنزل على صرخات ذلك الرجل مع اجتماع بعض الماره على صوته، لينظر الجميع لبعضه قبل ان يتقدم كبار العائله خلف الرجل.
ظل مازن يركض خلفهم حتى وصلوا امام الكوخ الخشبي فتوقف الاطفال و اقترب منه الطفل و هم باعطائه الهاتف فنظر اليه مازن باستغراب مترقب و لكنه فجاه شعر ببروده تكتسح جسده عندما قام احد الاطفال بجذب قميصه من الخلف شاقا اياه نصفين فاستدار مازن بغضب و دهشه ليجد الطفل يخرج له لسانه و ركض، هم مازن بالركض خلفه و لكنه وجد فتاه تقف امامه فنظر اليها بدهشه تبعها خجلا من مظهره العارى و لكنها قاومت ابتسامتها و قالت بكسوف تعتذر: انا اسفه يا سي الاستاذ آني هجول لبوى على اللي عمله اخوى..
اشارت على الكوخ الخشبي و قالت: اتفضل اهنه و انى هجيبك محمولك. نظر مازن للكوخ و تمتم بغيظ و هو يكاد يقتلها و يقتل ذلك الفتى الصغير: مفيش داعي هستني هنا شهقت الفتاه و هى تكتم فمها معبره عن خجلها منه و مدى استنكارها لما يقول: باااه هتقف في الطريج من غير خلجات اكده، اتفضل اجعد و لما اجيبلك المحمول كلم حد من حداكم يجيبلك خلجات..
نظر اليها مازن قليلا ثم و بغضب هادر صعد للكوخ الخشبي و هي ينزع بقايا قميصه و بمجرد ان فتح الباب و دلف الق بالقميص ارضا ليُفاجأ بحنين واقفه امامه لتشهق بصدمه و كلاهما في وضع لا يحسد عليه هو بلا ثياب علويه و هي بدون حجابها و فور اداركهم لهذا الوضع استدار كلاهما معطيا للاخر ظهره، انتفض مازن ليخرج و لكنه فوجئ بالباب مغلق من الخارج، فزفر بقوه ضاربا الباب بيده عده مرات، مناديا، عل احدهم يسمعه و لكن هيهات.
لم تمر دقيقه واحده و استمع كلاهما لقفل الباب يُفتح ليدلف افراد العائلتين فتكن الصدمه من نصيب الكل بلا استثناء. بعد عده دقائق كان مازن واقفا امام كبار العائله و حنين تحتضنها جدتها و هي تبكي بصدمه تمكنت منها.. صاح مدحت بغضب هادر و هو يحاول تكذيب ما رأه و لكن آن له يفعل: كيف بتعمل اكده يا مازن، كيف وصلت بيك جله الحيا انك تتعدي على حرمه اخوك؟!
رفع مازن راسه محاولا التحدث و لكن مدحت لم يمنحه الفرصه و هتف بأقصى ما يملك من صوت: و لا كلمه، هتجول ايه؟ كلنا شوفنا اللى حوصل بعنينا دول اللى هياكلهم الدود، مجدرش اصدج انك تعمل اكده! حاولت نهال التحدث فهى تثق تمام الثقه ان حنين لن تفعل ما يشير اليه كبير العائله و ان ولدها لن يسقط لمثل هذا المستوى من الانحطاط و لكن صرخه امين قاطعتها وهو يهين كلا منهما بكلمات قاسيه،.
فنهضت ليلي و اقتربت من حنين تحاول اجبارها على المدافعه عن نفسها فبكائها ليس بحل مناسب الان: حنين اتكلمي ايه اللي حصل، ازاى تعملوا كده؟ شهقت حنين و هي تحتضن جدتها بقوه اكبر لا قدره لها على الحديث ففجأه ما اصابها جعلتها تتخبط، و لكنها تعلم انها ليست بحاجه لتدافع فوالدها ها هنا و لن يسمح بأن يتهمها احد بأى شئ. نظر مازن لهم و تحدث محاولا استدعاء هدوءه الان: الدكتوره ملهاش ذنب في حاجه كل اللي حصل ه...
نهض مدحت مقاطعا اياه ضاربا اياه بعصاه العاجيه بقوه تألم مازن لها: هي ملهاش ذنب يبجي الذنب عليك انت، يبجي انت طمعت في حرمه اخوك، يبجي انت راجل ناجص و جليل ربايه، يبجي انت عار على العيله كلياتها، ثم اشار لحنين و هتف بغضب و هو يشملها باحتقار: و هي كُمان، خانت المرحوم جوزها... نهضت حنين و قد طفح بها الكيل لتصرخ بانهيار تام: انا معملتش حاجه، انا مغلطتش، معرفش ايه اللي حصل و لا ازاى انا مخنتش فارس وا...
قطع كلامها صفعه اسقطتها ارضا بقوه، ارتجفت عينها و رفعتها بصدمه تنظر للفاعل و الذي كان اخر من توقعت ان يخذلها - والدها - شهقت ليلي بقوه بينما تجمدت حنين مكانها و هي ترى نظرات اتهام، ترى نظرات استحقار و نفور، و بعين من؟ والدها!. و لم يكفيه ما فعل بل انهضها من يدها بقوه و هتف و هو يحركها بعنف: انتِ حطيتِ راسي في الارض، كنت فاكر اني ربيت بناتي بس يا خساره، يا خساره يا حنين، يا خساره.
دفعها للخلف يبعدها عنه و هنا تحدثت بذهول و صوتها يختفى تدريجيا: بابا! قاطعها بصرخته التى اجفلتها: اخرسى مش عايز اسمع صوتك، انتِ ازاى تسمحي لنفسك تعملي كده؟ ازاى تسمحي انك توصلي للمستوى ده؟ صرخت بهستريا و هى لا تصدق انها بحاجه للتبرير لمن اعتقدت انه سيبرر عنها: انت بتتكلم ازاى يا بابا.!، انت ازاى تفكر اني ممكن اعمل كده؟ ازاى يا بابا؟
اتجهت اليه والقت بنفسها بين يديه و هتفت بانهيار علها تستجدى ابوته و التى لم تخذلها من قبل ابدا فا باله في اول مشكله تحتاجه بها حقا يكسرها: انا حنين يا بابا، انا بنتك حنين، انا حنين مراه فارس، مراه فارس يا بابا، مراه فارس.. تسمر عز مكانه ناظرا امامه وابنته تنتفض بين يديه، قلبه يخبره انها مظلومه و لم تفعل شيئا و عقله يصدق ما رآته عينه، فما الذي قد يدفعهم للذهاب لذلك الكوخ المهجور؟
ما الذي يدفع مازن لنزع قميصه؟ و ما الذي يدفعها لنزع حجابها؟ ما الذى يدفعهم للبقاء سويا بهذا الوضع؟ سوى انه بارادتهم و رغبتهم و ربما ضعف اصاب كلاهما.. و هنا ابعد حنين عنه و هتف بحده و قسوه لم تتوقع ان تراها بوالدها يوما: انا بنتي ماتت يوم ما جوزها مات. ارتدت حنين للخلف بصدمه تمكنت منها و شلت عقلها و لسانها و كل تفكيرها، اقترب مازن منه و تحدث بعدم تصديق: عمي انت ازاى تقول كده؟
ثم استدار لينظر للجميع ليهتف: انتم ازاى تفكروا كده؟! انا راجل متجوز، يوم ما هبقي طمعان في واحده ست ما انا عندى مراتى، و بعدين يوم ما هبص لجسم واحده هتبقي مراه اخويا، مراه اخويا اللي كلكوا بتتهموها انها خانته معايا و هي كانت برا الواقع اساسا من بعد موته. اقترب منه امين و همس بغضب امام وجهه ممسكا اياه من ياقه قميصه: انت اتعديت على حرمه من بيت عيله الحصري ود..
قاطعه مدحت ناهضا بغضب عاصف: حرمه بيتكم اللي ناجصه ربايه يا ولد الحصري.. ترك امين مازن و اتجه لمدحت واقفا قبالته و هم بالتحدث.. ولكن صوت مجدى الواهي و الذي اثر الضغط الحاضر على قلبه: الظلم وحش يا كباره العيله، الظلم وحش.. و وضع يده على قلبه قبل ان يسقط فاقدا الوعي فانطلق الجميع اليه و صعدوا به لغرفته و امروا باحضار الطبيب..
بينما امسك عز حنين من يدها و صعد بها للاعلي و دفعها بغرفتها و اغلق الباب من الخارج تاركا اياها تكتوى بنار اتهامهم و من اقرب الاشخاص لقلبها، مدركه ان مهما ازداد تحضر والدها فهو سيظل صعيدي و عند الشرف يختفى كل التحضر بل كل التفكير. اجتمع الجميع حول مجدى و الطبيب يفحصه حتى انتهي و طمأنهم واخبرهم ان هذه المره سلمت و لكن ليس كل مره..
نظر مدحت لامين مشيرا له باتباعه للخارج فخرج كلاهما و قرروا بينهم ما سيحدث لينتهي هذا الموقف دون اى اضرار للعائلتين..
كانت نجلاء تجلس بمنزلها بالقاهره عندما وصلتها اخبار نجاح خطتها، و ما ان استمعت لتفاصيل التنفيذ حتى انطلقت ضحكاتها بقوه تملأ المكان حولها: يخرب عقلك يا بهجه انتِ دماغك سم.. اتسعت ابتسامه بهجه و صاحت بفرحه و هى تتذكر ما فعلت: يكرم اصلك يا ستي المهم تكوني راضيه عني..
نهضت نجلاء تدور في الغرفه و هي تضحك فلقد اشعلت فتيل الفرقه بين العائلات مجددا و هذا المره لن يخمد ابدا: راضيه قوى يا بهجه و حقك هيوصلك و بزياده... ثم صدعت ضحكاتها مجددا تشيد بما فعلت الصغيره: بس حلو بجد اللي عمله العيال مش قادره اتخيل شكل مازن، جدعه يا بهجه.. ضحكت بهجه معها فتحدثت نجلاء بجديه: عايزاكِ تخرجي من البلد و متظهريش خالص دلوقت، حد منهم عرف اسمك؟
اسرعت بهجه بالرد: لاه يا ستي، اني مجولتش اسمي.. ضحكت نجلاء مجددا و هتفت: شاطره يا بهجه يالا نفذي اللي قولتلك عليه و انا هبعتلك فلوسك..
اغلقت نجلاء الخط و ظلت تدور عده مرات و هي تضحك بسعاده كبيره حتى كاد قلبها يتوقف من فرحتها ثم جلست اخيرا ناظره امامها لصوره تجمع افراد العائله و هم صغارا، مررت عينها عليهم بغل و حقد دفين ثم اغلقت الصوره و ابتسمت متذكره ما قررت فعله فيما يتعلق بابنها و زوجته العزيزه فلقد حان وقت فك عش الزوجيه السعيد و برغم انها بدأت بالفعل الا انها لن تنتظر النتيجه بل ستسعى اليها فامسكت هاتفها و طلبت رقمه حتى وصلها الرد: السلام عليكم..
حاولت جعل صوتها يبدو حانيا قدر ما تستطيع فهى تدرك جيدا نقاط ضعف ولدها: معتز حبيبي اخبارك ايه؟ على الطرف الاخر رفع معتز حاجبيه بتعجب من اطلاقها لكلمه حبيبي و لكنه تحدث بفرحه رغم علمه بأنها فرحه مؤقته: بخير يا امي... تحدثت نجلاء بحماس و هتفت تصيبه بالتعجب اكثر: وحشتني يا معتز عاوزه اشوفك.. عقد معتز حاجبيه بدهشه: انتِ في القاهره؟ ابتسمت تجيبه: اه يا حبيبي و مستنياك في البيت.
نظر يمينا و يسارا لا يدري بما يشعر الان، هل والدته تطلب رؤيته لانها اشتاقت اليه! و هنا دلفت هبه للغرفه و سمعته يقول بسعاده: خلاص يا ماما انا جاى مسافه السكه.. و قبل ان يغلق الخط صاحت نجلاء بخبث و لكن لم يبد واضحا في صوتها الحانى: تعال لوحدك يا معتز عاوزه اقعد معاك لوحدنا.. رفع معتز نظره لهبه التي تعجبت من نظرته المتهربه و لكنه اخفض راسه موافقا: ان شاء الله.
اغلق الخط فتقدمت هبه و جلست بجواره: خير يا حبيبي ماما كويسه؟ نهض متحمسا فرحا باهتمام والدته الذى نادرا او بالكاد يجده: هروح ازورها، رجعت القاهره.. ابتسمت هبه ملاحظه السعاده الباديه في صوته و اومأت براسها موافقه، اتجه هو و استعد للخروج و هي تتابعه بنظرات حانيه، فهو حقا كطفل صغير يهفو فقط لحب واهتمام من حوله، استعد اخيرا و اتجه للخروج فطبعت قبله على وجنته وهمست: هستناك متتأخرش عليا..
اوما و ركض مسرعا للخارج، وصل لمنزل والدته فدق الباب حتى فتحت له و دلف، احتضنته فاتسعت عينه بدهشه و سرعان ما لمعت بدموع سعادته و استسلم لدفء حضنها الذي طالما سمع عنه لكنه لم يختبره سوي الان... جذبته للداخل و جلست تتحدث معه و هو بانطلاقه يجيبها و اندمجا سويا حتى قالت مدعيه الاهتمام: اووف نسيت اعملك حاجه تشربها..
نهضت لتدلف للمطبخ و دون ان ينتبه لها اخذت هاتفه معها، ارسلت منه رساله لهبه و كان محتواها تعالي عند ماما انا مستنيكِ هناك بس متقوليش انى طلبت منك تيجي علشان هتزعل، متتأخريش بقي ، ثم ابتسمت بخبث و محت الرساله و بكل سرور اغلقت الهاتف تماما.
وصلت الرساله لهبه و هي مستلقيه امام التلفاز و بجوارها مها تعد لتصميم ما، قرأتها مسرعه و نهضت، حاولت الاتصال به و لكنها وجدت الهاتف مغلق فتعجبت، ثم تجاهلت الامر مرتديه ملابسها و اخبرت مها برحيلها و بالفعل ذهبت... خرجت نجلاء من المطبخ حامله كوب من الشاي الساخن وضعته له و قالت و الود يقطر من حديثها و كم سهل عليها خداعه: اخبارك ايه مع مراتك؟
نظر للشاي متذكرا امر الطبيب و كذلك قواعد هبه الصارمه بسبب مرضه و لكنه لم يشأ ان يضيع تعب والدته و بالفعل تناول بعضا منه و ابتسم و هو يجيبها بانطلاقه: الحمد لله سعيد جدا يا ماما، هبه انسانه جدعه قوى.. صمتت ثواني ثم وضعت يدها على ركبتيه و همست بحنان امومي بالطبع تدعيه و كم كانت تضحك بداخلها لمدى سذاجته: متكدبش عليا يا حبيبي و قولي الحقيقه.
تعجب سؤالها و لكنه تجاهله مستمتعا باهتمامها و اضاف يؤكد عن مدى سعادته: صدقيني يا امي هبه كويسه جدا معايا، بتحبني و بتهتم بيا، بتثق فيا، بتخاف عليا و واقفه جنبي في كل خطوه في حياتى، انا اتغيرت بسببها و علشانها، انا فرحان معاها جدا.. نظرت اليه لحظات ثم قالت بتشكك قصدت اصابته به: انت متاكد انها فعلا بتخاف عليك و بتثق فيك..
نظر اليها بتساؤل متعجبا لهجتها و اردف بثقه عاقدا حاجبيه: اكيد يا ماما ايه يخليها متثقش فيا؟ هربت بعينها منه مدعيه الاضطراب ثم بكيد النساء اضافت: مقصدش حاجه يا حبيبى بس كلنا عارفين انت كنت على ايه و مفيش واحده هتتغاضى عن كده بسهوله، فاهمنى. ثم حدقت بعنينه تجذب انتباهه كاملا و تحدثت ببراءه و بداخلها اسوء النوايا: هي تعرف انك جاى عندى..
اوما براسه و مازال تعجبه قائما فابتسمت ببراءه اشد و صمتت، بينما هو اخذت الافكار تدور و تعصف بعقله و خاصه مع ما يفعل مؤخرا، هل هبه لا تثق به، هل تشكك بتعامله معها؟ قطع افكاره صوت جرس الباب فابتسمت نجلاء بسعاده و لكنه لم يلاحظها و قالت بادعاء: ايه ده مين جاى دلوقت!
و نهضت مسرعه لتفتح الباب و عندما رأت هبه هتفت باسمها مما جعل معتز يقف عاقدا حاجبيه بقوه، دلفت هبه و بمجرد ان راته ابتسمت بسعاده و لكنه فسر ابتسامتها بابتسامه راحه و اطمئنان.. اذا ما تحدثت عنه والدته صحيح هي تشك به، اتت لهنا لتتأكد انه هنا! رمقها بنظره بقدر ما تحمل من غضب تحمل ألما تعجبت هي نظرته و لكنها هتفت بود حقيقى تحاول تشيده بينها و بين حماتها المصون: حمدلله على سلامتك يا طنط..
ابتسمت نجلاء بانطلاقه بالطبع لا لهبه و لكن لحضورها الذى سيدفع معتز خطوات في طريق خطتها: الله يسلمك يا حبيبتي، ايه النور ده، بس غريبه لما هتيجي مجتيش مع معتز ليه؟ نظرت هبه لمعتز الذي عقد ساعديه امام صدره و غضبه يزداد منتظرا اجابتها فارتبكت قليلا فهو طلب منها الا تخبر والدته انه هو من طلب منها الحضور فماذا تفعل؟
و فجأه جال بفكرها خاطر و يا ليتها لم تصرح به: لازم افاجأه يا طنط مش يمكن بيضحك عليا و راح هنا او هنا، ضحكت نجلاء بسعاده فزوجه ابنها تساعدها دون درايه منها و ضحكت معها هبه معتقده انها هكذا استطاعت التهرب من الامر بسهوله اما معتز فاحترق قلبه بكلماتها و فاض عقله بغضبه و ان كان يستحق، جلست هبه و اقتربت منه هامسه بهدوء: تليفونك مقفول ليه، رنيت عليك لقيته مقفول؟
ظل ينظر امامه و لم يجيبها فمالت عليه قليلا فنظر لعمق عينها التي رغم براءتها الحقيقيه اعتقد هو انها مصطنعه: و انتِ رنيتِ عليا ليه؟ عقدت حاجبيها استغرابا و همت بالرد على سؤاله الذى تري لا معني له و لكن قاطعتهم نجلاء بجوارها و اخذت تتبادل اطراف الحديث معهم و لكن معتز كان بعالم اخر، بحياه اخرى، بوجع اخر كبير و تمكن من قلبه جيدا، حتى طفح الكيل فنهض متعجلا يلقى السلام: هنستأذن بقي يا ماما.
نهضت مصطنعه الحزن: ما تخليك شويه يا حبيبي.. تنهد ببطء و نظر لهبه بطرف عينه: لا كفايه كده علشان ترتاحي و انا كمان و بعدين عندنا شغل بدرى الصبح.. اومأت نجلاء و ابتسامتها تنير وجهها و للحقيقه كانت ابتسامه نابعه من قلبها تماما، و بالفعل رحل هبه و معتز و طوال الطريق لم ينطق معتز بكلمه و هذا اثار دهشه هبه و تعجبها و القلق التي بات يصاحبها دائما..
حتى وصلوا للمنزل و بمجرد ان دلفوا نظر حوله ليتأكد ان مها ليست بالجوار بينما تقدمته هي و لكنه اطبق على ذراعها جاذبا اياها هاتفا بغضب: بتشكِ فيا يا هبه، هي دى اخر حدود الثقه بينا؟ عقدت حاجبيها استغرابا و تمتمت تستنكر و لكن وصله الامر استهزاء: ثقه ايه يا معتز؟ انت بتتكلم... قاطعها و هو يدفع يدها صائحا بغضب يكويه: ثقه ايه! للدرجه دى يا هبه؟
نظر اليها لحظات و عقلها يكاد يجن من نظراته حتى همس بصوت متألم: يا خساره يا هبه كنت فاكر اللي بينا اكبر من كده، و تركها دون كلمه اخرى متجها مسرعا لغرفتهم دافعا الباب خلفه بقوه بينما هي تنظر للمكان الذي كان يشغله منذ قليل و هي لا تدرى ماذا يحدث، لما يحدث، كيف يحدث؟ لا تدرى اى شئ سوى ان هناك حاجز كبير نشأ بينها و بين زوجها، حاجز سيدمر جزءا رائعا من علاقتهم، حاجز ربما سيدمر علاقتهم ذاتها...
رواية حلم السندريلا للكاتبة عليا حمدي الفصل الثامن والعشرون
حاولت حنين التماسك و التغلب على انهيارها و اخرجت هاتفها تحاول الاتصال بعاصم و لكن هاتفه كان مغلقا، حاولت مره و اخرى و اخرى و لكن بلا فائده القت بالهاتف على الفراش و القت بجسدها ايضا تصرخ بلوعه، متذكره حضن فارس الذى دائما ما احتواها، كلامه الذى دائما ما طمأنها و وجوده الدائم معها: انا محتاجه لك يا فارس، محتاجه لك قوى..
اما بالخارج استعد مدحت و امين لما اتفقوا على فعله و اتجهوا للغرفه الجالس بها مازن، تقدم مدحت منه فوقف مازن امامه فنظر اليه مدحت بحده و هتف باقرار و قرار لا حديث فيه و لا رجوع عنه: هتخرج دلوجت و تنزل تحت هتلاجي المأذون تمضي على جسميه الجواز من غير و لا كلمه، فاهم كلامي و لا اجول تاني! اتسعت عين مازن بصدمه صائحا و قد تجمدت خلايا عقله: مأذون و جواز؟
تقدم منه امين و تحدث بقوه هو الاخر و باعتقاد كلا منهما انهما هكذا يدافعا عن شرف العائله: ايوه جواز، البلد كلياتها عرفت الخبر و مهما كان دا شرف عيله الحصري و مهسمحش لحد يلطخه عاد، هتكتب عليها دلوجت و هترجع انت وياها على دواركم و مرايدش اشوف خلجتكم اهنه واصل.. ابتعد مازن عنهم هاتفا بغضب يمتنع عن قتل ما تبقى من شقيقه: الكلام ده مش هيحصل، انا راجل متجوز و دى مراه اخويا و بعدين انا و هي مغلطناش..
هدر مدحت به و هو يمسك بتلابيب قميصه بعدما دفعه بكتفه عده مرات: اجسم بعزه و جلال الله لو ما سمعتش الكلام و نفذته دلوجت لكون جاتلها و جاتلك انت كُمان، مش على اخر الزمن يجي عيال يلطخوا سمعتنا في التراب، سامع يا ابن الشرجاوى.. ابتعد مازن عنه و اشاح بيده بغضب تملك كل خليه من جسده دافعا بعادتهم و تقاليدهم غرض الحائط: انا مش هتجوزها حتى لو كلفني الموضوع حياتي..
اقترب امين منه و لى الذراع هو الحل كما اعتقد: و مايفرجش معاك سمعتها الشينه! مايفرجش معاك ان كلفك الموضوع حياتها عاد، و لما انت بتحترمها اكده ليه غلطت معاها؟ صرخ باعلى ما يملك من صوت ربما يستمعوا اليه: يا خلق يا ناس افهموا انا و هي مغلطناش و انا مش هتجوزها، ارجوك يا جدى اسمعنى، ادينى فرصه اشرح لك اللى ح.. ضرب امين بعصاه الارض مقاطعا اياه صائحا بقرار نهائي: يبجي هجتلها بيدي.
اتسعت عين مازن بصدمه و هو يري الحاج امين يخرج سلاحه من بين طيات ملابسه و يتجه مسرعا لغرفتها و لكن قبل ان يفتح الباب اعترض مازن طريقه و فرد كلتا ذراعيه على الباب مانعا اياه من التقدم، فصاح به امين و لم يرف طرفه حتى و ان رفض مازن مجددا سيقتلها لا محاله: جررت و لا اغسل عارنا بيدى؟ ضرب مازن رأسه بالباب عده مرات و صرخ بغضب و ألم عصف بقلبه: موافق، موافق.
انتفضت حنين بالداخل اثر سماعها لصوته بينما نظر هو للاسفل وجد الجميع مجتمع و هذا يعني ان لا احد منهم معترضا على هذا القرار فنظر لجده مجددا اخذا نفسا عميقا يهتف بصرامه: عايز اتكلم معاها لوحدنا.. نظر اليه مدحت بغضب: انت كيف بتطلب ا... قاطعه مازن هاتفا: دا شرطي. رفع امين عصاه و هم باسقاطها على رأس مازن و لكن مدحت اوقفه موافقا اياه مانحا اياه اخر فرصه بالطلب و التشرط: ادخل، و خبرها لانها مخبراش بحاجه.
طرق الباب عده مرات قبل ان يفتحه و يدلف و بمجرد ان رآته حنين انتفضت واقفه و عندما وجدته يغلق الباب تجمدت الدماء بعروقها وهمست: بشمهندس انت.. رفع كفه امامها و همس بالمقابل يمنعها الانفعال، التحدث و تضيع وقتها و وقته: ارجوكِ اهدي و اسمعيني احنا واقعين في مصيبه.. ضمت يديها لصدرها منتظره بقيه كلماته فنظر اليها بتوتر و ارتباك لا يدرى ما رد فعلها على ما سيقوله و لكن لابد من قوله: المأذون تحت،.
اتسعت عينها بصدمه فاغلق عينه و تمتم بقله حيله: علشان يجوزنا. شهقت بعنف مرتده للخلف و هي تصرخ لا تتخيل ما يصير معها و لا طاقه لها على تحمله: لا، لا يمكن يحصل، لا... رفع يديه الاثنتين امامها يمنعها و همس بترجي: بالله عليكِ اهدي احنا لازم نفكر هنخرج من الورطه دي ازاى! و لكن هدوء من اين تعرفه حنين الان صاحت به: انا مراه فارس و هفضل مراه فارس و مش ممكن اتجوز غيره حتى لو هيقتلوني.
ضرب جبهته بكلتا يديه و حرك عينه هنا و هناك ثم هتف بغضب و صوته يعلو: انا كمان مش عايز اتجوز، بس دول فعلا هيقتلوني ويقتلوكِ... اخذت تدور برأسها يمينا و يسارا ثم هتفت بأخر طوق نجاه قد تتمسك به: عاصم، عاصم هيقدر يمنعهم.
اخرج هاتفه مسرعا و حاول الاتصال بعاصم عده مرات لم يستطع فالهاتف مغلق، هم بالقاء الهاتف من شده غضبه و لكنه توقف و طلب احد الارقام الاخرى حتى اتاه الرد، تحدث مازن مسرعا: اكرم باقصي ما فيك من سرعه تكون في الصعيد دلوقت.. انتفض اكرم من مجلسه بجوار جنه يستفسر بتعجب: في ايه يا مازن؟
اتجه مازن للحائط خلفه ضاربا عليه بكفه عده مرات و صاح بتوتر بالغ و كل خلاياه ترفض تصديق ما يحدث معهم: انا و الدكتوره حنين هنتجوز. شهقت حنين و جلست على الفراش تبكي بحرقه بينما صاح اكرم بعدم تصديق: انت متصل تهزر يا مازن؟!
صاح مازن بغضب تملك منه: اهزر ايه يا اكرم، الجوازه دي لازم تتمنع و انا مش قادر اعمل حاجه جدها و جدى بيهددونا حياتنا مقابل جوازنا، اتصرف يا اكرم هات شرطه، هات بلطجيه حتى، اتصرف و تعالي، لازم نمنعهم لازم. اغلق الخط و الشياطين تتراقص امامه و صوت حنين الباكي خلفه يفقده عقله اكثر، نظرت جنه لاكرم عندما وجدته يندفع ليبدل ملابسه: فيه ايه يا اكرم؟
تحدث و هو يتحرك هنا و هناك يجمع اغراضه: اللي فهمته انهم بيجوزوا حنين لمازن بالعافيه، حياتهم مقابل جوازهم، امين و مدحت من ناويين يجبوها البر. شهقت جنه بعدم استيعاب فما الذى قد يدفعهم لفعل هذا، خرج اكرم و هى ينبهها جيدا: عاصم كان بيقول انه هيرجع النهارده لو جه هنا عرفيه و خليه يجي هناك بسرعه، و انتِ متفكريش تخرجي من البيت و مقدرش اخدك هناك في وضع زى ده.
اومأت جنه و بالفعل رحل اكرم و بعدها بحوالي نصف ساعه دق جرس الباب نهضت جنه مسرعه لتفتح لتجده عاصم و بمجرد ان راها حتى عقد حاجبيه: مالك معيطه ليه؟ تلعثمت جنه و هي تخبره ما اخبرها به اكرم لتشتعل اوداجه غضبا و هو يصرخ بعصبيه مفرطه: يعملوا ايه؟ يجوزوها ازاى؟
احتدت عيناه بقوه و اخرج هاتفه و طلب احد الارقام حتى اجابه الطرف الاخر فصاح عاصم به: تقدر تطلع لى تصريح بالقبض على المتهم امين الحصري في جريمه قتل فارس الشرقاوى، انا نازل الصعيد حالا. شهقت جنه مرتده للخلف بعنف بينما هو اصبح وجهه اشبه ببراكين ثائره ستحرق الجميع لا محاله.
اما هناك في تلك السرايا، صعد امين لغرفه حفيدته و دلف جاذبا اياها من ذراعها بقوه ليخرج بها من الغرفه متجاهلا بكاءها و صرخاتها المستمره اوقفها ثم امسك يدها بقوه محاولا اخراج دبله فارس العالقه باصبعها فصاحت بألم محاوله منعه بكل ما تملك من قوه و لكنه بالنهايه اخرجها بعدما ادمع عينيها و ادمى قلبها و قبل ان يصل للمأذون همس باذنها: هتجولي موافجه برضاكِ و الا قسما عظما اجتله قدامك و اجتلك وياه و مخليش جنس مخلوج يحزن عليكم...
نظرت لوجهه برعب حقيقي و هو يجعلها تتحسس سلاحه من اسفل عبائته، تحركت تشعر انها تتجه لقبرها و ربما لو هذا حقيقى لكان اهون مما يحدث الان، ها هم ينفذون حكم الاعدام عليها،.
ظلت تعافر و تعافر حتى وصلت اليهم بالاسفل و هنا توقفت كل محاولاتها بالهروب فور ان رأت والدها يجلس بجوار المأذون منتظرا اياها بملامح غاضبه مما جمد الدماء بعروقها، صلب قلبها و كسر روحها، و فكره واحده تجتاح عقلها هى بالفعل ماتت يوم مات فارس، ماتت يوم كُسر سندها به، ابتعد عنها و ابتعدت معه روحها،.
لا أخ، لا اب و لا اسره، و ان كان والدها من اصدر الحكم بالاعدام و بل و يقف امامها لينفذه، ما الذي قد يؤلمها بحياتها مجددا، ما الذي قد تعافر لتعيشه او تبقي لاجله! يرغبون بتزويجها فليفعلوا فما بات فيها ليس سوى جسد لم تعد ترغب به حتى. و هنا جذبت ذراعها من يد جدها و نقلت بصرها بين الجميع باستسلام تام ثم اتجهت لتجلس بجوار المأذون من الجهه الاخرى و دموعها تنساب على وجنتها و صوره فارس بيدها...
و بالفعل تم الزواج و ما دفع الجميع للاستغراب انه عندما سألها المأذون على موافقتها دون ان تفكر للحظه حتى ابدت موافقتها فلا مقدره لها على رؤيه دماء احدهم امامها مره اخرى. و بعد ان رحل المأذون ظلت هي مكانها فاقترب والدها منها: حنين، نهضت واقفه تبتعد عنه و كأن صوته يؤذيها تنظر ارضا تتجاهله، فلم يتحدث عز بكلمه واحده اخرى، فاقتربت ليلي منها لتحاول جعلها ترفع وجهها اليهم: بنتي ح...
و لكن حنين ابتعدت عن مرمى يدها و هى تشعر بظلال سوداء تحاوطها و كان اخر ما قالته: ماتت، حنين بنتكم ماتت. و سقطت فاقده لوعيها فانتفض الجميع ليقترب منها و لكن مازن وقف بينهم و بين جسد حنين المسجي ارضا و صاح بهم و هو ينتفض غضبا و حزنا: خذلتوها، كلكم ظلموتها، كانت بتموت من غيره و النهارده انتم قتلتوها، ثم صاح بغضب رافعا اصبعه بوجههم: محدش له الحق دلوقتى يقرب منها ابدا، سامعين؟ ابداااااااااا.
حملها مازن و صعد بها للاعلي و كانت حياه هي من تبعته دلف للغرفه وضع حنين على الفراش فجلست حياه بجوارها تبكي، اتجه اليها مازن بعدما امتلئت عينه بالدموع و جلس على ركبتيه امامها و امسك كلتا يديها ضاغطا كفها و همس باعتذار و ضعف: انا اسف، حقك عليا و الله انا اسف..
تساقطت دموعه رغما عنه و اردف و هو يشعر انها فقط من تستطيع سماعه و هى فقط من تستطيع فهمه: و الله العظيم ما غلطت، انتِ مش مصدقه اللي الكل صدقه يا حياه صح؟ رفعت يدها مسرعه تحاوط وجهه فانتفض جسده و هي تصيح تحاول مواساته: مصدقاك يا مازن، ماتعتذرش انت عملت الصح.
رفع عينه الباكيه اليها ثم نظر لحنين و تمتم و دموعه تخونه تباعا: مكنتش متخيل اني هكون سبب الم كبير كده في حياتها، مراه فارس يا حياه مراه اخويا، كلهم دفنوها بالحيا. احتضنت راسه بقوه فتشنج جسده بين يديها يحاول كتم انفاسه الباكيه و لكنه لم يستطع: انا اسف مش قصدى أذيكِ، بس مكنش بايدى حاجه اعملها، مكنش بايدى حل تاني.
انتفض جسده بقوه و انتفضت معه هى و كلا منهما لا يدرى ما يخبأه القدر بالمستقبل، ان كان مستقبل مشرق او ان كان معتم و لكن كل ما يعرفوه الان ان تلك التي هربت من الواقع باغماءها قلبها الان ممزقا و روحها تالفه، فهي الان اشبه ببقايا امرأه، او اقل.
وصل اكرم للسرايا اخيرا ترجل من السياره و انطلق مسرعا للداخل وجد كبار العائله مجتمعين بالصاله الخارجيه و حاله من الوجوم تسيطر عليهم... القي السلام و تبعه مباشره بسؤاله: ايه اللي بيحصل هنا بالظبط؟ ضرب مدحت بعصاه على الارض يجيبه باقتضاب: اللي حوصل حوصل و خلاص.. شدد اكرم قبضتيه و تجاهل كل الحضور يتسائل: فين جدى مجدى؟
اشارت نهال له على غرفته، فصعد اكرم و صعدت معه شذى لتدله على مكان الغرفه و قبل ان يدلف وجد مازن يخرج من غرفه مجاوره و عندما رآه اكرم تقدم منه: ايه اللي حصل يا مازن؟ تنهد مازن بارهاق واضح على وجهه: اتجوزنا.. رمش اكرم عده مرات لا يستوعب كل ما يصير فما الذى قد يحدث لتؤول الامور لما آلت اليه: ازاى و ليه؟
رفع مازن يديه الاثنيتن لاعلي و هتف بالمقابل و يا ليته يملك اجابه: معرفش، انا معرفش ايه اللي حصل او ازاى او ليه؟ معرفش.. جذبه اكرم من يده و دلف لغرفه جده التي شعر بهم ما ان دلفا و فتح عينه بارهاق: ادخل يا ولدى.. اقترب اكرم منه مقبلا يده و جلس بجواره و جلس مازن بجواره من الطرف الاخر..
نظر مجدي لمازن و همس بترجي: سامحني يا ولدى مجدرتش امنعهم، هما اكده الصعايده في الشرف مايعرفوش ولادهم، اني عملت اكده مع بنتي زمان و عبد الرحمن عمل اكده مع بنته و دلوجت عز عمل اكده مع بنته. اغمض مازن عينه لحظات و تمتم بانكسار: الظلم وحش قوى يا جدى و المسكينه اللى جوه دى مش كتير عليها اللى بيحصل ده، ذنبها ايه؟ نظر اكرم لمازن: ايه اللي حصل؟
سرد مازن ما حدث معه و انهي كلامه: و لما دخلت لقيت الدكتوره في وشي و بعدها حاولت افتح الباب كان مقفول و بعدها مفيش دقيقه لقيت العيله كلها قدامي، ثم اخذ يسرد ما حدث في السرايا بعدها.. شرد اكرم قليلا: بس بكلامك ده مفيش حاجه مثيره للشك و اللي هيحكم بقي اللي حصل مع حنين.. امسك مجدى بيد اكرم و هتف بخفوت: انا هخابرك الحجيجه دلوجت، اوعدني يا ولدى توزن الامور زين و تجف جار عيلتك كلياتها..
اومأ اكرم و انتبه مازن و هنا بدأ الجد يسرد تفاصيل الماضي على مسامعهم و كلما سرد القليل يجن جنون مازن و اكرم حتى انتهي. صاح مازن بعدم تصديق: انت بتقول ايه يا جدى ازاى نجلاء هانم تعمل كده؟ مجدى بخفوت: انا ماخبرتش الحجيجه الا من جريب و من وجتها بحاول اكلم اكرم بس الظروف وجفت ضدى.
كان اكرم مصعوقا مما سمعه عما صار لوالدته و والده و له عندما كان ابن الخامسه من عمره، نظر اليه مجدى و ربت على ركبته يطلب مسامحته: سامحني يا ولدى انا اذيت امك كتير جوى، سامحني يا ولدى. نظر اليه اكرم بدهشه أيطلب منه السماح؟ على ماذا تحديدا؟
على اتهام والدته بشرفها و تصديقه للامر!، على محاوله قتلها بدون اى رحمه تذكر!، على التشكيك بنسبه و انه ليس ابن ماجد الالفي!، على طرده لوالدته كأنها لم تكن ابنته، أم على دموع والدته التي دائما ما كانت تصادقها؟، اذا على وفاه والدته دون ان يحتضنه احد منهم او يقف بجواره، على ماذا يطلب السماح؟
نهض اكرم واقفا و هتف بثقه و اقرار: اولا حق اهلي هجيبه و منك انت اول واحد و اول حاجه هعملها اني هعتبر نفسي معرفتش في يوم من الايام ان ليا عيله، ثانيا عاوزك يا مازن تدور ورا الفضيحه اللي حصلت لمراتك لان ممكن ببساطه يكون ابوها السبب!، اما بقي معرفه الكل للحقيقه مش هيحصل غير برجوع جوز نجلاء الحصري بمزاجه او اجبارى وقتها بس هقول الحقيقه للكل.
صدع فجأه صوت سياره الشرطه بالاسفل فنظر مازن و اكرم لبعضهم باستغراب و سرعان ما خرجوا من الغرفه مسرعين، تفاجأ الجميع بعاصم يدلف و معه قوات الشرطه التي انتشرت لمدخل السرايا.. نهض عز يتعجب ما يحدث: في ايه يا عاصم و ايه الشرطه دي؟ نظر عاصم لجده بغضب عاصف: دول جايين يقبضوا على اللى قتل فارس.. انتفض قلب نهال و نهض مدحت ضاربا بعصاه الارض بينما تقدم مازن بترقب قاسى و تمتم بحذر: هو ايه هيجيب قاتل فارس هنا؟
تقدم عاصم ببطئ باتجاه جده خطوات اخرى: القاتل المأجور اعترف على الى حرضه. صاح مدحت بغضب: ميييييين؟ صرح عاصم باسمه ليتوقف قلب الجميع حرفيا: الحاج امين الحصري. تعالت الشهقات و الهمهمات غير المصدقه فتقدم عز من عاصم و صرخ بوجهه: انت اتجننت يا عاصم، جدك لا يمكن يعمل كده!
اشاح عاصم بيده و هو يحرق جده بنظراته: و اهو عمل يا عز بيه، ثم نظر للظابط خلفه متحدثا بهدوء ينافى ثوارن البراكين بداخله: تقدر تقبض عليه يا حضره الظابط. تقدم مدحت واقفا امامه كمن يحميه و قد كان بالفعل يفعل: كيف تجول اكده، امين لا يمكن يعمل اكده واصل انا متوكد. صاح امين بالمقابل يدافع عن نفسه: بااااه الكلام ده محصولش.
و هنا تقدم اكرم وصرح بقوه عن غضبه و الذى لا يصيبه الا نادرا: مش مصدقين ليه، دلوقت وثقتوا في بعض، وثقتوا في صداقتكم، فهمتوا يعني ايه التهديد يتحول لحقيقه، طيب كنتم بتهددوا ليه، دلوقت عاوزين ايه كل واحد يقف جنب التاني و يقول مش مصدق؟
اشاح بيده و اردف بغضب اعظم و كلماته تتردد بقوه في انحاء السرايا لتشهد تشتت جديد اقوى و اعنف و اكثر ألما: انتم السبب، انتم دمرتوا عيلتكم بأيديكم، استغنيتوا عن صداقتكوا علشان تفاهات و كذب، و باحتقار اضاف و هو يحزن انه فرد من هذه العائله: كنتم لقمه سهله قوى للي حابب يفرقكم و فعلا نجحوا، بتدافعوا عن بعض ليه دلوقت؟ كنتم عملتوا ايه لبعض قبل كده، انتم خلاص زرعتوا وجه الوقت اللي تحصدوا فيه.
تقدم عز لوالده و تسائل و هو يمتنع عن التصديق فوالده لن يفعل هذا: قول ان الكلام ده كدب يا والدى! قول انه محصلش. و هنا ايضا تقدم اكرم واقفا امامه مبتسما بسخريه مستغلا الجرح النازف بقلب الجميع الان ليضغط عليه بقوه: وحش الخذلان صح، وجعك اللى عمله، وجعك انه يعمل اللى انت مش متوقعه، اهو انت عملت ابشع منه مع بنتك، كسرت كل ثقتها فيك، انت قتلت بنتك بايدك،.
ثم صاح باشمئزاز يشمل بنظره الكبير قبل الصغير: يا خساره، بجد يا خساره.. صاح عز و اتهام عاصم يوقظ ابوته و يسلط ضميره عليه: انت مش فاهم الوضع ازاى؟ انا... صرخ اكرم بغضب هادر جعل الجميع ينتفض: وضع ايه؟، قولى انك سمعتهم، قولى انك حاولت تفكر، لكن اول فعل و رد فعل كان الضرب و الاتهام، وصلت بينا للقتل، الطعن في الشرف و الجواز بالغصب مستنى ايه تانى، وضع، وضع ايه؟ انا بقيت مكسوف كوني فرض منكم، بقيت قرفان.
انفعل عاصم بغضب و رغم انه لا يعرف ما صار، لما صار و كيف، صاح دون اهتمام بكل ما يُقال، موجها كلامه لمازن: انا هاخد حنين و همشي و ورقه طلاقها توصلها بيت اهلها. انصدم الجميع مما قاله و لكنه لم يأبه بهم بل صعد ليحضر حنين و لكن يد اكرم على كتفه اوقفته: لا يا عاصم حنين مش هترجع بيت اهلها و لا هتتطلق.
استدار عاصم اليه بغضب فاردف اكرم بحزم: حنين والدك كسرها و كسر قلبها بدون ما يسمعها، كان اول واحد رفع ايده عليها بدون حتى ما يسألها، و اما الاب يتخلى عن بنته و ثقتها فيه تتهز مش هتلجأ له تاني يا عاصم، و انت كنت فين لما احتاجتك، لاي سبب كان يمكن تكون معذور بس بالنسبه لها لا، بالنسبه لها احتاجك و ملقتكش و دا مش هيتنسي بسهوله، محدش له حق في حنين دلوقت غير جوزها، الراجل اللي حاول يمنع جدها و ابوها من قتلها، حنين هتخرج من هنا مع جوزها على بيته و بعدها هي و هو احرار ياخدوا القرار اللى يحبوه.
ضرب عاصم يده بالحائط بجواره و هو يكاد يجن جنونه و لكن منذ متي يستمع عاصم لما يقوله الغير؟ صعد مسرعا للاعلي بحث في الغرف حتى وجدها و ما زالت فاقده الوعي فحملها و هبط بها تاركا الجميع يراقبه بصمت مثلما فعلوا اول الامر، تقدمت حياه من مازن تأبطت ذراعه تحركه معها للخارج هامسه: يلا نروح وراهم، حنين مش هتقبل حد منهم جنبها لما تفوق.
اخذت الشرطه امين وسط صيحات الرجال و لكن ها قد وقع السيف على الرقاب و حتى ان كان الامر بتدبير فهم بأنفسهم من خضعوا و هم بأنفسهم من سمحوا بوضع السيف من البدايه.. فالاضلع الاربعه لم تتفرق فحسب بل كُسرت بحيث لا مجال لتجميعهم مجددا.
استعدت هبه بسعاده لتستقبل معتز بعد عودته من العمل و تفاجأه بخبر حملها التي علمت عنه صباح اليوم بعد فتره لا بأس بها من الانتظار، ارتدت احدي قميصانها المفضله لديه و تعطرت بعطره المفضل لتستمع بعدها لقفل الباب يفتح فاتجهت مسرعه للخارج و وجهها يضوي بابتسامه مشرقه.. و لكنها تسمرت مكانها عندما وجدته يدلف و بجواره فتاه ما ترتدى فستان ابيض و بيدها باقة ورد صغيره و تلك لم تكن سوى المدعوه بسالي..
نقلت هبه بصرها بينهم باستغراب و هي تحاول ابعاد اى خاطر سئ عن تفكيرها، و اخذت تنظر لمعتز ثم لسالي ثم ليدها التى تمسك بيده عده مرات حتى خرج صوتها اخيرا و رغما عنها خرج مهزوزا: مي، يم، مين، د. د. د، دي يا معتز؟
ابتلع معتز ريقه بصعوبه و حاول اجابتها و لكن الكلمات توقفت على طرف لسانه و لم تخرج و لكن سالي اعفته من تلك المهمه عندما اقتربت منه و وضعت يديها بذراعه تقترب بجسدها منه هاتفه بضحكه واسعه: مراته...
كان مازن يقود السياره خلف سياره عاصم و حياه تجلس بجواره عندما وقف احدهم امام سياره مازن ليحاول التوقف بأسرع ما يمكنه حتى استطاع اخيرا و السياره تبعد اقل من متر واحد عن شادى الواقف امامه.. هبط مازن و تبعته حياه و لكنها وقفت امام باب السياره و لم تتقدم، اقترب مازن منه و هتف و قد اوشك هدوئه على النفاذ: خير؟
ابتسم شادى بسخريه و نظر لحياه قائلا بسخط و هو يتعمد السخريه: صحيح الطيور على اشكالها تقع، انتِ خنتينى و انتِ على ذمتى... ثم نظر لمازن و اشار بيده عليه من اعلي لاسفل: و هو خانك و انتِ على ذمته...
حاول مازن بشتي الطرق التمسك بصبره و لكن اعصابه لم تتطاوعه فرفع يده ممسكا شادى من ياقه قميصه و هم بالتحدث عندما جزعت حياه و تقدمت منهم و عندما احس مازن بخطواتها نظر اليها بطرف عينه و هتف بحده قليلا ما يتعامل بها معها تحديدا: ادخلي العربيه و متخرجيش، نقلت بصرها بينهم بقلق و تقدمت خطوه اخرى و لكن مازن صاح بحده اشد و نبرته تمنعها محاوله كسر كلمته: حياااااااااااه.
امتلئت عينها بالدموع و اسرعت بالعوده للسياره تنظر للخارج بترقب و قلق. اعتدل مازن و نظر لشادى بغضب يحاول ربط خيوط الامر ببعضها و لكنه هذه المره اخطأ: انت اللي ورا الموضوع ده؟! نظر اليه شادى باستغراب و حرك رأسه يمينا و يسارا باستنكار: موضوع ايه؟ دفعه مازن بحده و رفع اصبعه مهددا: اخر مره اشوف وشك قدامي، اخر مره و دا افضلك..
هم مازن بالتحرك لسيارته و لكنه تذكر شيئا و عاد اليه مره اخرى متسائلا ينتظر الاجابه بحذر شديد: انت اتهمت حياه بالخيانه، ليه؟ نظر اليه شادى باستغراب اشد و هتف بغضب و هو يتذكر ما اصابه عندما علم بالامر: و دا اللي هيفرق! اقترب مازن منه محتجزا قميصه بين يديه مجددا و هدر به: اه هيفرق! مين اللي قالك؟ مين اللى دفعك انك تشك فيها؟ و ازاى قدرت بكل بساطه تصدق حاجه زى كده عن مراتك لمجرد انك سمعت؟
ابعده شادى بعنف و صاح هو الاخر و ظهر بصوته التألم فما كان يكنه لها من مشاعر ليس بقليل: فاكر ان الموضوع كان سهل عليا، انا كنت بعشقها، بس لما تيجي واحده و تقولي مراتك بتخونك وانا بعدها اعرف انها كانت بتحب دكتورها في الجامعه كان غ... قاطعه مازن و قد اصابه ما خاف منه: واحده؟
نظر اليه شادى و عيناه تلمع بالدموع و هو يحدق بحياه من خلف الزجاج: اه واحده، جت قالتلي الحقيقه و دمرت كل حاجه حلوه كانت بينا، قتلت قلبى و ياما اتمنيت اني مكنتش اعرف الحقيقه.. شدد مازن قبضتيه و هدر بصوت رغم هدوئه يرعد و هو يخمن من الفاعله: مين دى؟ صاح شادى و هو لا يعرف عن المرأه سوى شكلها: معرفهاش بس اعرف انها قريبه اهلها، قالت انها حبت تعمل فيا خير و تساعدني اعرف ان مراتى خاينه..
ادرك مازن انه يتحدث عن نجلاء و هنا فقد اخر ابراج عقله فاندفع كالثور الهائج اليه لاكما اياه عده مرات حتى سقط شادى ارضا من دهشته... خرجت حياه من السياره مسرعه و هتفت باسم مازن عده مرات لعله يستمع اليها و يتركه و لكنه لم يبالي ربما لانه كان بحاجه ليفرغ جرعه الغضب بداخله او ربما الحزن لا فارق، فاقتربت منه واضعه يدها على كتفه تحاول منعه حتى استجاب لها اخيرا...
نهض عن ذلك المسجي على الارض و امسك بمعصمها بقوه و اتجه بها للسياره و هي تبكي خوفا ثم دفعها للداخل مغلقا الباب بعنف و اتجه لمقعد القياده و انطلق بالسياره مسرعا..
وصل عاصم امام منزلهم هبط من السياره و اتجه للمقعد الاخر حمل حنين و اتجه بها للداخل و اثناء ذلك استيقظت حنين من اغماءها و حاولت تدارك الامر حولها و لكنها فشلت اغلقت عينها عده مرات و اعادت فتحها و بدأ ما حدث طوال اليوم و الامس يداهم عقلها حتى توقف كل شئ مع صفعه والدها و قوله انا بنتي ماتت يوم ما مات فارس . تساقطت دموعها بضعف، قله حيله و خذلان،.
خذلان ممن اعتقدت انه الظهر و السند و لكنه اصبح كل متهم و مهاجم، خذلان ممن اعتقدت انها ستلجأ لحضنه لتحتمي به لكنه اصبح لها الجحيم الذى قتل روحها قبل ثقتها، خذلان ممن اعتقدت انه سيقف امام الجميع ليقول تلك ابنتى و لن اسمح بأى شئ يضرها لكنه اصبح القاضي و الجلاد، اصبح الحكم و الحاكم، و اصبح الموت بعدما كان الحياه، خذلان ممن يقول الجميع ان بغيابه ينكسرون لكنه اصبح رغم وجوده سبب كسرتها.
ازدادت وتيره تنفسها فشعر بها عاصم فتوقف ناظرا اليها لحظه كانت اطول من الدهر عليه ثم اوقفها ارضا، رفعت بصرها اليه و عينها تحكي له قصصا من الالم و الخذلان فزفر بقوه ضاما اياها لصدره لتشهق باكيه بعنف يعبر و لو قليلا عما بداخلها... ابعدها عن حضنه محاوطا وجهها بكفه و هم بالتحدث عندما قالت هى و باتت تشعر انها واقفه على ارض من زجاج على وشك الانكسار: انا انتهيت يا عاصم، انتهيت..
ضمها اليه مجددا و هتف بكل قوه استطاع تجميعها من روحه الممزقه: مش هسمح بحاجه تحصل تاني، مش هسمح انك تتأذي تاني، مش هسمح بوجع يمس قلبك تانى، حنين هترجع تعيش تاني، هتنسي كل حاجه صدقينى. صاحت ببكاء انهيارا و هى تدفعه بصدره ليبتعد عنها: انت سمحت خلاص، كنت فين لما كنت محتاجه لك، سمحت خلاص يا عاصم، خلااااص كل حاجه انتهت، كل حاجه..
ثم صرخت و هى تتذكر كم كانت مطمئنه سابقا، كم كانت تجد الدفئ و الان تختبر الصقيع و بمفردها: كل حاجه انتهت لما فارس سابني، كل سند في حياتي اتكسر و كسرني معاه، فارس كان كل حاجه ليا و كل حاجه انتهت بغيابه عنى، انتهت يا عاصم، انتهت، قالت الاخيره بضعف و جسدها يتساقط لتلامس ركبتيها الارض تنتفض بكاءا...
لينظر اليها عاصم قليلا قبل ان يدرك ان ما قاله اكرم صحيحا، في هذه اللحظه وصل مازن و معه حياه ليقتربا منهم و بمجرد ان رأت حياه حنين الذي جعلت قلبها يبكي قبل عينها اتجهت اليها فورا محتضنه اياها بقوه لتتعالي شهقات حنين و تظل تردد باسم فارس بينما مازن و عاصم كلاهما يقف عاجزا،.
هدأت قليلا فاوقفتها حياه و تحركت بها لتدخلها للمنزل و لكن حنين لم تتحرك خطوه واحده، حاولت حياه دفعها و لكنها ظلت مكانها دون حركه فنظرت حياه لعاصم و مازن بنظره معناه لا استطيع فعل شئ.. اقترب عاصم منها واضعا يده على كتفها و تحرك بها و لكنها ايضا لم تستجيب فنظر اليها قائلا و مازال في كامل تماسكه او هكذا يدعى: يلا ندخل يا حنين انتِ محتاجه ترتاحي..
ابتعدت عن ذراعه الذى يحاوطها به و تحركت خطوتين للخلف بعيدا عن المنزل و همست و هى تنظر ارضا: حنين وجودها هنا انتهي، انا لا يمكن ادخل هنا تاني.. نظر اليها عاصم و بدأ غضبه يزداد او ربما عجزه صائحا بحرقه: يعني ايه يا حنين؟
رفعت عينها التي رغم ذبولها و حزنها القاتل كانت تبدو قويه مصممه على ما تقول: يعني انا مش هدخل البيت دا تاني، يعني عمرى ما هعيش مع اب و ام اول ما ظلموا ظلموا بنتهم، يعني انا بالنسبه لكم مت.. وصل الجميع و استمعوا لاخر كلمات نطقت بها لتنتفض ليلي مقتربه منها تلامس يدها بودها المعتاد: حنين حبيبتي انتِ...
ضحكت حنين بقوه و هي تدفع نفسها بعيدا عن يدى والدتها و هى ترى في ودها وجع اكبر و عينها تذرف الدموع قائله بسخريه لاذعه: حبيبتي! تقدم عز ليقف امامها محاولا الثبات ليحاول ترميم ما هشمه و لكنه مخطئ فليس كل ما كُسر يُجبر: يا بنتي ا...
ابتعدت عنه خطوه للخلف و صاحت و بدأ جسدها ينتفض لا بكاءا بقدر ما كان غضبا، نفورا، ضعفا و هى في قمه خذلانها و تبعثرها: متقولش بنتي، انت اتخليت عني في عز ما كنت محتاجه لك، انت اول واحد وقف ضدى، انت خذلتنى يا بابا، خذلتني و عمرى ما هسامحك ابدا...
بدأت انفاسها تنخفض تدريجيا و جسدها يترنح و يلفها الظلام و لكنها قاومت ضعفها و صوت نبضاتها يمكن لجميعهم سماعه و اضافت ببطء و كأنها لم تعد في وعيها: عندك حق يا بابا، انا مت يوم ما فارس مات.
و تمردت قدمها لتستقبلها الارض شبه فاقده لوعيها، تدرك ما حولها قليلا، هلع الجميع اليها و لكن قبل ان يقترب منها احد وقف اكرم امامها و تحرك مازن باتجاهها فابتعد اكرم و اشار له عليها قائلا بهدوء و قد رأى ان هذا افضل ما قد يحدث: خد مراتك لبيتك..
انتفض عاصم من شده غضبه و تقدم باتجاههم و لكن منعه اكرم مقيدا حركته بصعوبه هاتفا بعقلانيه و مراعاه لقلبها الصغير و تجنبا لانهيار اخر و ربما المره القادمه لا تحمد عواقبه: اديها فرصه تستعيد نفسها اللي اهلك دفنوها،.
تجمد عاصم و غضبه يكاد يحرقه حرقا و هو يرى مازن يتجه بها للخارج وخلفه حياه، و لم يستطع احد اخر التحرك ليمنعه فكيف يعترف المذنب بذنبه و هو مازال مؤمنا انه ليس مذنبا، نظر اليهم اكرم نظره اخيره و رحل من امامهم مسرعا، متمنيا انه بيوم من الايام قد تتحسن الامور، بينما عاصم عصف به الغضب و العجز الذى كبله دون قدره على التصرف و خرج مسرعا من المنزل صاعدا لسيارته منطلقا بها يسابق الرياح في سرعتها لا وجهه له.
لا انا ضعيفه و لا خايفه انا واحده عشت بمزاجي انا واحده عشت مش شايفه او بعمل نفسى مش شايفه لا انتبهت من التحذير و لا التفت للتبرير فتحت قلبي بدون تفكير فمر قطرك فوق مني بدون رحمه او شفقه فكان لابد من التكفير و كانت النهايه حتميه انفاسي بتتسحب مني و قلبي فورا مات فيا شريط بيمر قدامي و فيه كل ايامي كنت خايفه من فراقك كنت معميه بحنانك فعشت تايهه عن الحقيقه بس كفايه انا مش بريئه... مراته...
اتسعت عين هبه بصدمه و هى تنظر ليد تلك الفتاه التي تحتضن يد زوجها و كلمه مراته تردد بأذنها تحاول اثبات نفسها كأنها متأكده ان هبه لن تصدقها و هذا ما حدث بالفعل عندما ضحكت و عقدت ساعديها امام صدرها وهتفت بما ادعته من ثبات: ايوه انا مراته، انتِ مين بقي؟
اغلق معتز عينه يجز على اسنانه بقوه عندما ضحكت سالي بالمقابل و هي تعيد خصلاتها خلف اذنها: اووو ما انا كمان مراته، مراته الجديده، اللي مهما لف و عرف و اتجوز غيرها برده رجع لها، اللي كان طول عمره بيتمناها و انتِ حاولتِ تاخدى مكانها... امسكت فستانها و رفعته قليلا تتحداها بعينها بقسوه: بس النهارده بالفستان ده بثبت لك انك فشلتِ و قلب معتز فضل معايا و ليا، انا و بس..
و هنا نزع معتز يده منها و هتف بحده كأن هذا سيصلح موقفه او ربما يقويه: سالي! نظرت اليه بنظرات بريئه و لم تكن بالفعل: نعم يا حبيبي.. و هنا اغلقت هبه عينها مانعه تماما دموعها من السقوط، اوقفت نزيف قلبها، حبست انفاسها، منعت حتى لسانها من التعبير عما يختلج قلبها، فقط اغلقت عينها كأنها بهذا تمحي كل ما تشعر به و يا ليتها تستطيع، حبيبي!
مجرد كلمه نطقت بها تلك و لكنها كانت كسهم سام شق صدرها لينغرز بقلبها مميتا اياه.. و بهدوء تحسد عليه تحركت باتجاههم حتى وقفت امامهم مباشره و نظرت لمعتز دون ان تحيد بعينها عنه... أيريد كسرها؟ تزوج اخرى و هو يعلم جيدا مدي حبها له، احضر اخرى لبيتها و هو يعلم جيدا مدى غيرتها عليه، سمح لاخرى بالاقتراب منه و سمح لنفسه بالاقتراب من اخرى، ماذا يريد بهذا، إذلالها ام قتل قلبها؟
ام اثبات انه بحبها لن يشعر، اثبات انها بقلبه لن تسكن، اثبات ان ما فعلت و ما عاشت معه كان حلم جميل و لكن الاحلام لابد ان تنتهى و ها هو الواقع؟ كان هو يهرب بعينه منها و قد اربكته زرقه عينها و ثباتها و لاحظت هي ذلك فابتسمت.. هل يشعر بالخزى مما فعل، هل هو نادم الان على تلك الخطوه، هل هو يتحسر على تلك الفله التى قتلها للابد!؟ ابعدت نظرها عنه اخيرا و نظرت لزوجته و بابتسامه اوسع تمتمت: الف مبروك..
هنا حدق بها معتز بصدمه و عينه متسعه، توقع منها غضب، صراخ و حتى ان تضربه و لكن ما لم يتوقعه ابدا هو هذا الهدوء، و على ما يبدو انه و رغم ما مر على زواجهم لم يفهم زوجته جيدا. نظرت اليها سالي باستغراب هي الاخرى فهي توقعت غضبها او طلبها للطلاق على اقل تقدير لانتهاء تلك العلاقه و لكن هذا الهدوء و هذه المباركه لم تستوعبهم ابدا و لكنها ابتسمت بوجه غريمتها و قالت بدلال و هي تميل على معتز: الله يبارك فيكِ،.
ابتسمت هبه و عادت ببصرها لمعتز التي تعلقت عينه بعينها الزرقاء التي لا يظهر بها الان ان كانت غاضبه او لا، ان كانت حزينه او لا، و لكن ما دب الرعب بقلبه ان حبها له و التي طالما نضحت به عينها لا يظهر ايضا. ظل ينظر اليها ثوانى حتى تحدثت بخفوت و مازالت على ثباتها: مبروك.. اضطربت انفاسه و غامت عيناه في امواج عينها و شعر بنفسه مشتتا بين موقفها الظاهرى هذا و بين ما تحمله نفسها الان،.
و لكنها حسمت الامر عندما اعطته ظهرها و بمجرد ان اختفت عينه من امامها اغلقت عينها التي كانت تتوسلها لتفيض دموعها، و وضعت يدها على قلبها الذي كان ينتفض بين جنبات صدرها كأنه طير ذبيح و هو كذلك بالفعل، شعرت بانفاسها تخدعها لتضطرب، صوتها يعاندها ليصرخ، تحركت ببطء و كم كانت تود الركض، حتى وصلت لغرفتهم سويا فدلفت و اغلقت الباب دون ان تنظر خلفها،.
اما بالخارج تابع هو ظهرها و هي تنصرف و كم ود ان يركض ليحتضنها مثلما اعتاد، ان يخبرها لما فعل هذا رغم انه لا يعرف السبب، منذ ذلك اليوم الذي قابل به سالي مجددا و هو يشعر ان القدر يطالبه باحياء قلبه الذي طالما تمناها.. هو احب هبه و من كل قلبه و لكن حبه لسالي مازال يسكنه، كم يتمني ان تتفهمه هبه و تفرح لفرحته رغم شعوره ان لا وجود لتلك الفرحه و لكن ربما لو تجاوزت هبه الامر يستطيع هو العيش بسعاده،.
وضعت سالي يدها على كتفه فالتفت اليها لتصيح بضحكه: انا فرحانه قوى يا ميزو و مش مصدقه اننا خلاص اتجوزنا، انت كمان فرحان يا حبيبي مش كده؟ شرد بفكره قليلا لذلك اليوم الذي كان يسير فيه مع هبه على شاطئ البحر في بدايه زواجهم و قد تجاوز الوقت منتصف الليل بالكثير، و قد خلى الشاطئ من الناس تقريبا.
Flashback كانوا يلعبوا سويا و تراهنا على ان الفائز ينفذ للاخر طلبا، و بالفعل خسر معتز فركضت هبه بعيدا عنه و صوت ضحكاتها يطرب اذنه و هو يتابعها بشغف حتى توقفت قائله بدلال و ثقه: كالعاده خسرت الرهان قولتلك مش هتقدر عليا، فتذمر ونهض مقتربا منها و هي تتراجع للخلف: انتِ بتغشي..
اخذت تضحك كثيرا حتى امسكها هو و ضحك معها محتضنا اياها من الخلف كعادته فسكنت بين يديه و أراحت رأسها على كتفه البحر امامها و الدنيا بأكملها بين يديها حتى همس بأذنها: فلتي هتطلب مني ايه؟ ضحكت بسعاده و هى تضم ذراعيه حول خصرها اكثر: عارف انى بعشق اسم فله منك، رغم انى بحب اسمى بس فله ليها مكان خاص بقلبي، بحس بيها انى ملكك و ليك و بس..
استند بذقنه اعلى كتفها يردف محتويا قلبها بقلبه و جسدها بجسده: طيب انا بلاحظ انك دائما بتنادينى باسمى، ليه بقي مش بتختارى اسم مميز ليا تحسي بيه اني ملكك انتِ و بس!
استدارت اليه و حاوطت وجهه بيديها و لمعت عينها بقوه حبه و همست بصدق احساسها ليلامس قلبه دون تفكير: لان اسمك لوحده مميز معتز العزه و الفخر، التفاني والكبرياء، الثقه والقوه، اسمك معناه جميل قوى و انا مقدرش اشوهه باسم تاني و انا ببقي سعيده جدا و انا بقوله.. استدارت مجددا و اعادت راسها على كتفه و اغمضت عينها تاركه اياه يتلذذ بكلماتها.. ثم همست بوتيره وترت احساسه وقتها: و طلبي منك، انك تفضل جنبي دائما..
Back.
عاد معتز من شروده على صوت سالى ينادى باسمه: ميزو، انت سامعنى؟ نظر اليها معتز قليلا و شعر براحه غير اعتياديه لانها لا تخاطبه باسمه و شعر كأن اسمه مرتبطا بهبه فقط، لا يجوز لشفاه اخرى غير خاصتها ان تنطق به، و لا يجوز لقلب اخر غير خاصتها ان يفخر بمعناه، افاق مجددا على لمست سالي ليده تهتف بضيق: في ايه يا حبيبي؟
اشار لها بالتقدم امامه حتى دلف بها لغرفه اخرى مشيرا لها لتدلف مرددا بتوتر: غيرى هدومك و انا هاجي كمان شويه.. امسكت يده بغضب: انت رايح فين؟ سحب يده و نظر بتشتت لنواحي الغرفه و قال بارتباك: انا... ثم استعاد نفسه و هتف و هو يغلق الباب: مش هتأخر يا سالي.. اغلق الباب و خرج اتجه للغرفه الرئيسيه التي تقبع هبه بداخلها وقف امامها قليلا لا تقوى قدمه على التحرك ليدلف لها، ماذا سيقول؟ بما سيدافع عن نفسه؟
كيف يدافع و هو مذنب بحقها بل يشعر انه مذنب بحق نفسه ايضا؟ هو يعلم ان هدوءها خلفه براكين لا غاضبه بل متألمه.. يعلم انه اذي قلبها دون تفكير، بغير عمد! لا هو فعل ذلك بعمد، اجل لم يتعمد ايلامها و لكنه فعل، تقدم خطوه اخرى يحاول الاستماع لصوتها علها تبكي و لكن لا صوت.. استدعي كل قوته رغم موقفه الضعيف و فتح الباب و دلف..
كانت جالسه على طرف فراشها تنظر للارض بدون اى رد فعل، ملامحها لاول مره تكون مبهمه بالنسبه له، تبدو هادئه غير مباليه و صدقا ذلك ما دفعه للتقدم اكثر... اقترب منها و جذب المقعد وضعه امامها و جلس، ظل يتابعها قليلا ثم همس بتردد: هبه! ظلت على وضعها فهم بالتحدث مجددا عندما تمتمت هي و هى تتذكر الايام الماضيه و خاصه منذ ذلك اليوم الذى رأوا به تلك المدعوه بسالى: من امتي بتتقابلوا؟
ازدرد ريقه بصعوبه و حمحم و لم يجب، رفعت هي بصرها اليه تحدق بوجهه بقوه مهوله ليرى هو بعينها نظره جديده عليه، نظره اخبرته انها تمحي كل شئ، كل شئ و لكن ببطء ربما سيقتله قبلها.. تابعت هي خلجات وجهه و تمتمت مجددا و هى تتذكر خزيه و اسفه و التى اعتقدت وقتها انه لموقف ما حدث بينهما و لكنها الان ادركت السبب الحقيقى: كل مره كنت بتحضني و تقولي اسف كانت خيانتك ليا السبب، صح؟
عقد حاجبيه بصدمه و تلاقت عينيهما هي بقوه غير معتاده و هو بضعف ربما معتاد، كان هو من ارتجفت عيناه اولا و همس بشرود و تشتت: خيانه! اكملت و كأنها لم تسمعه: من يوم ما شوفتها و انا معاك و انت بتقابلها، صح؟ تاهت عيناه في جميع الانحاء عدى عينها فأردفت هي بابتسامه ساذجه: لما قولتلي خايف ضعفي بحبك يأذيكِ، كنت قاصد تنبهني انك بتأذينى و هتأذينى، صح؟
رفع نظره اليها مره اخرى لتُفاجئ هي بأسف متوسل يغلف نظراته فابتسمت بشرود و رفعت يدها و اشارت على قلبه باصبعها قائله باهانه واضحه: جبان... اجل لم تخطئ قلبه بحق جبان، عندما كان يخاف من الفقد دائما ما كان يَجرح بدلا من ان يُجرح، و هذا ما فعله الان عندما احبها و خشي ابتعادها قرر جرحها قبل ان تجرحه، هو لا يدرى هذا و لكنه يدرى جيدا ان ما فعل لا سبب له سوى خوفه و ربما حبه القديم...
نهضت و ابتعدت عنه تحدثه و كأنه غريب لا يخصها و لا يؤذيها و لا يمثل لها اى فارق: قوم روح لعروستك عيب تسيبها في ليله زى دى.. نهض هو الاخر و امسك معصمها و جعلها تنظر اليه و هو يريدها ان تعبر، تصرخ، تعاتب ربما ليهدأ هو قليلا و لكنه مادام لا يعرف رد فعلها سيظل يخمن و هذا يقتله: هبه بلاش تعملي كده، قو..
قاطعته و هي تسحب يدها من يده و مازالت على برودها تحدثت ببطء: انا ما عملتش حاجه انا بقولك عيب تسيب مراتك في يوم زى ده.. نظر اليها عاقدا حاجبيه يثير غضبها علها تجاريه: مش هتلوميني! ابتسمت ببطء و هى تعقد ذراعيها امام صدرها: على ايه، هو انت عملت حاجه غلط؟ دا شرع ربنا و انا مليش حق ألومك،.
ظل يحدق بها غير مصدقا ما تتفوه به حتى اشارت له على باب الغرفه: اتفضل يلا و لا تحب اخرج انا من الاوضه دى علشان المدام الجديده!
امسك يدها بعدما طفح به الكيل و هو يكتسب من صمتها قوه ليتحدث و الا كان وجهه بالارض الان ان لامته: هبه انا مبقتش فاهمك، بس عايزك تفهمي حاجه واحده، البيت ده بيتك و الاوضه دى اوضتك، انا مكنتش هجيبها هنا بس ماما مرضتش نقعد في بيتها فكنت مضطر لحد ما الاقي شقه جديده، انا مش عارف عاوزه توصلي لايه بس لازم تفهمي انه في الاول و في الاخر انا جوزك و دا بيتك..
ابعدت يدها عنه بهدوء تعطيه ظهرها وتمتمت و كأنها لم تسمع كل ما قال او ربما لا تأبه: هتتأخر على العروسه.. نظر لظهرها التي اعطته اياه ثم خرج من الغرفه مسرعا مغلقا الباب خلفه بعنف.. و هنا نظرت هى للباب المغلق لتقترب من الفراش بعدها مسرعه تلتقط وسادتها لتكتم انفاسها بها تحاول كبح جماح صوتها، دموعها و لكنها لم تستطع، تشعر بنفسها ممزقه و بيد من؟، هو!
هو من واجهت الجميع لاجله، من صرخت بحبه متجاهله كل تحذير، من كانت على استعداد لاغضاب اخيها لاجله بل و فعلت، هو من سكن قلبها دون استئذان و تمكن منه ليعلن ان حياته او موته بيده هو، من كانت تتنفس لاجله لاجل ان تعيش معه حياه لا مثيل لها، نهضت لتنظر لنفسها بالمرآه و هنا تهدمت اخر محاولاتها للتماسك عندما وضعت يدها تحسس موضع جنينها،.
هذا الطفل الذي لطاما حلمت به، ابن نصفه منها و نصفه منه، هذا الطفل الذي اخذت تتمني كيف سيكون، تتمني ان يكون مثل ابيه، حانيا محبا، تمنت ان تعشقه انثى مثلما عشقت هي، اخذت تتخيل نفسها معه و بجوارها زوجها ليركضوا سويا، تتخيل تذمر الطفل لاحتضان والده لها غيره منه عليها، تتخيل ضحكته التي ستراقبها هي و معتز بضحكه اكبر و بسعاده مضاعفه،.
لياتى هو بكل بساطه يدمر كل احلامها على صخره انانيته، يحطم كل ما تمنت يوما بواقع تتمني لو ماتت قبل ان تراه، هو لم يقتلها هي بل قتل روحها و قتل فرحتها بطفل ربما سيرى الدنيا بين اب لا يحب والدته بل و تزوج عليها، و رغم ما عاشته معه من ايام، اشهر و اعوام تشعر انها مجرد ثوانى،.
هو من كان يتعرف عليه قلبها قبل عينها اليوم كل كيانها ينكره، هو من كانت تهفو اليه قلبا و قالبا اليوم كل ما بها ينبذه، هو من كانت تردد اسمه حتى بينها و بين نفسها اليوم تنفر حتى من ذكر اسمه، هو من كانت تعشق و لكنه اليوم قتل بيده عشقها...